كيف أثر الربيع العربي على السياسة الصينية ؟

ثوار من ليبيا

ورقة بحثية

خلق الربيع العربي مراكز جديدة لعدم الاستقرار في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وجدت الصين نفسها مضطرة الآن لتغيير المواقف والتكتيكات وللبحث عن فرص جديدة. تقيّم هذه المقالة السياسة الصينية الخارجية الحالية في الشرق الأوسط، والفوائد والتحديات التي تواجه سياسة الصين من خلال دراسة كيف أثرت الأحداث الأخيرة على بكين في أربعة مجالات: الاقتصاد والتجارة، والاستقرار الاجتماعي، ورفاهية المواطنين الصينيين، والتنافس الاستراتيجي مع الولايات المتحدة. 

الربيع العربي: التأثير على السياسة الصينية   

خلق الربيع العربي وضعًا جديدًا تمامًا، ومعه مراكز جديدة لعدم الاستقرار في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. تداعيات هذه التغييرات لا يمكن التنبؤ بها، كما لا يبدو أن العملية تقترب من نهايتها. يتطلب الوضع الجديد من الصين نفسها أن تواجه وضعًا معقدًا، مما اضطرها لتغيير مواقفها وتكتيكاتها والبحث عن فرص جديدة. وبوصفها عضو دائم في مجلس الأمن الدولي، يتعين على الصين أن تتصرف كقوة مسؤولة للمساعدة في الحفاظ على الاستقرار الإقليمي، ولكنها في الواقع لا تبذل مجهودًا نشطًا في هذا الاتجاه. وعلاوة على ذلك، فإن الاضطرابات في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تبين أن سياسة الصين تجاه المنطقة ليست منخفضة التكلفة ، كما كانت تعتقد بكين. 

مضى الوقت الذي كانت فيه سياسة الصين تجني بهدوء فوائد اقتصادية مع تعرض المحدود لمخاطر أسواق الشرق الأوسط وسياساته. لم يعد بإمكان بكين الابتعاد عن المخاطر الجيوسياسية. وقد قدمت التطورات الأخيرة في منطقة الشرق الأوسط تحديات وفرصًا بالنسبة لسياسة الصين. سواء على أساس مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى أو على أساس المصالح الوطنية، فلن يكون من المعقول بالنسبة للصين البقاء بعيدة عن شؤون دول الشرق الأوسط. ومع ذلك،  يبقى نفوذ الصين، وكيف يمكنها أن تتأثر بسبب اضطرابات منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الأخيرة، أمرًا غير مفهوم. يقيّم هذا المقال السياسة الخارجية الصينية في الشرق الأوسط خلال الربيع العربي. ويقوم على وجه التحديد بتحليل التحديات والفرص التي تقابل سياسة الصين في المنطقة، من خلال دراسة كيف أثرت أحداث الشرق الأوسط الأخيرة على بكين في ثلاثة مجالات: الاقتصاد والتجارة، والاستقرار الاجتماعي، والتنافس الاستراتيجي مع الولايات المتحدة. وتشير الأدلة إلى أنه رغم وجود تحديات ومخاطر تتعرض لها السياسة الخارجية الصينية على المدى القصير، إلا أنه هناك فوائد اقتصادية ومزايا استراتيجية على المدى الطويل. 

 

خلفية تاريخية: أحداث الربيع العربي

 

إن الربيع العربي- الذي اندلعت شرارته عندما قتل شاب تونسي يعمل كبائع متجول نفسه بعد التعرض للمضايقات من قبل مسؤول البلدية- قد هز المنطقة. فقد شهد أيضًا نهاية ثلاثة طغاة بينما قَوّض أيضًا سلطة وشرعية غيرهم من الطغاة. شكل نجاح الثورة التونسية السياسي سابقة خطيرة للأنظمة الاستبدادية في بلدان المنطقة، بعد أن اتخذت مصر مسارًا مماثلًا. 

في أعقاب الانتفاضات الناجحة في تونس ومصر، صار خطر أن تصبح الاحتجاج معدية أمرًا حقيقيًا على نحو متزايد. وقعت سلسلة من المظاهرات في الجزائر والبحرين وإيران والأردن وسوريا واليمن، في حين اجتاحت ليبيا دوامة عنيفة من الاحتجاجات والقمع العسكري القاسي الذي أدى بالبلاد إلى سقوط الآلاف من القتلى وقد أصبحت على شفا حرب أهلية. في سوريا، خرج السكان من مدينة جنوبية صغيرة الى الشوارع للاحتجاج على تعذيب الطلاب الذين رفعوا شعارات مناهضة للحكومة. وردت الحكومة باستخدام القوة الجائرة، وسرعان ما انتشرت المظاهرات في معظم أنحاء البلاد. ومع استمرار الحملة، انشق آلاف من الجنود وبدأوا بشن هجمات ضد الحكومة، وبذلك دخلت البلاد إلى حرب أهلية. 

حاولت العديد من الحكومات استباق الاحتجاجات من خلال تبني إصلاحات محدودة: في الجزائر، وعدت السلطات برفع حالة الطوارئ التي كانت مفروضة لنحو 20 عاما. في اليمن، أعلن الرئيس علي عبد الله صالح أنه لن يترشح لفترة أخرى في الانتخابات الرئاسية المقبلة في 2013؛ وفي المملكة العربية السعودية، كشف الملك عبد الله بن عبد العزيز عن حزمة اقتصادية بمبلغ 37 مليار دولار، تشمل زيادات الأجور، وإعانات البطالة، والتدابير الاجتماعية الأخرى. ومع ذلك، في نهاية عام 2011، كان لا يزال خطر عدوى الاضطرابات المدنية في جميع أنحاء منطقة الشرق الأوسط عاليًا. [1]  

 

السياسة الخارجية الصينية حيال الربيع العربي 

يمكن وصف السياسة الخارجية الصينية في الشرق الأوسط خلال الربيع العربي باثنين من السمات الرئيسية. السمة الأولى التي تتصف بها سياسة الصين في الشرق الأوسط هي أنها عملية وواقعية. السمة البارزة الثانية التي تتصف بها سياسة الصين في الشرق الأوسط هي الثبات. منذ نهاية الحرب الباردة، ظلت السياسة الخارجية الصينية في الشرق الأوسط مدفوعة في المقام الأول بالبحث عن الأمن في مجال الطاقة والرغبة في زيادة أسواقها وفرص الاستثمار التي تلقاها في الخارج. إن جوهر السياسة الصينية هو الحفاظ على بيئة دولية مستقرة لتسهيل استمرار الإصلاح والتنمية في الوطن. بالتالي، السياسة الصينية في منطقة الشرق الأوسط تسعى إلى دفع العلاقات الاقتصادية في مجال الطاقة، وبالتالي فإنها تؤيد التعامل مع النزاعات مثل أحداث الربيع العربي في مناخ من التعاون والتفاوض وإدارة الصراع. [2] 

حافظت الصين على معارضتها التقليدية للتدخل العسكري وما تعتبره سياسة الولايات المتحدة في المنطقة، وذلك بسبب تاريخها بشكل ما. ولا تعتقد الصين أن العقوبات الاقتصادية أداة سياسة فعالة، بل تعتبرها أداة فظة نادرًا ما تعمل لتحقيق الأهداف المعلنة. [3] لدى الصينيون بوضوح أسبابهم الخاصة ليكونوا حساسين جدًا حول التدخل والعقوبات، لذا فهم يترددون بعض الشيء في دعم تنفيذهما، حتى عندما يكونا موجهْين ضد الأنظمة الاستبدادية في منطقة الشرق الأوسط. إلا أن أحداث الربيع العربي قد جعلت من الصعب لبكين الحفاظ على تلك السياسة على نحو متزايد. 

لقد كان الشرق الأوسط دائما محل تركيز استراتيجي رئيسي للولايات المتحدة، وأوروبا، وروسيا، في حين أن المنطقة - بالنسبة للصين- ليست بذات أهمية جيرانها في منطقة آسيا والمحيط الهادئ ومناطق أخرى. بالتالي، يتشكل نهج الصين حيال الربيع العربي من علاقاتها مع الولايات المتحدة وأوروبا وروسيا. تعرف بكين أن وجود الولايات المتحدة في الشرق الأوسط يعتبر مصلحة استراتيجية في واشنطن، وأن وجود الولايات المتحدة الدبلوماسي والعسكري سوف يستمر لعقود، وأن سياسة الولايات المتحدة أمر حاسم لاستقرار المنطقة. [4] وبالتالي، فإنها تسعى إلى تجنب الأعمال التي من شأنها أن تضعها في موضع مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة. في الوقت نفسه، تريد بكين بناء والحفاظ على علاقات سياسية مع كل من الأنظمة الجديدة والقديمة في بلدان المنطقة، من أجل ضمان الحصول على الموارد والأسواق. 

لكن التطورات الأخيرة في منطقة الشرق الأوسط قد مثّلت تحديًا لسياسة الصين، لأن المصالح الاقتصادية لبكين تشكل العامل الأبرز في تحديد سياستها الخارجية تجاه المنطقة، التي تتمثل في جوهرها في الاستقرار من أجل ضمان الوصول إلى الموارد الطبيعية دون عائق. في السنوات الأولى التي تلت الألفية، بنى الصينيون علاقات أوثق بكثير مع العديد من الدول الرائدة في الشرق الأوسط، وذلك لتلبية احتياجات الصين المتنامية من الطاقة بشكل أساسي، وأيضًا لتحقيق طموحات بكين الجيوسياسية على المدى الطويل. بدأت الصين أيضًا ببطء إدخال نفسها في سياسات المنطقة، سواء من خلال تعيين مبعوث خاص بها إلى المنطقة أو المساهمة في دوريات لمكافحة القرصنة في المياه بين اليمن والصومال. [5] ومع ذلك، لا تبدو بكين حتى الآن على استعداد للعب دور أكبر في الاضطرابات السياسية الجارية في دول المنطقة. بدلا من ذلك، نأت الصين بشكل غريزي بعيدًا عن التدخل في جميع أنحاء الاضطرابات السياسية هناك.  

 

الاقتصاد والتجارة  

دفع النمو الاقتصادي السريع الصين للاعتماد على الاقتصاد العالمي للحصول على مجموعة من المواد الخام، وخاصة النفط. وقد لعبت إمدادات الصين المحدودة من النفط والغاز الطبيعي دورًا هامًا في توسيع مصالح البلاد وكانت عاملا مهمًا في السياسة الخارجية لبكين. [6] تتنامى حاجة الصين للطاقة بشكل  أسرع من أي بلد آخر. وقد أدى النمو الاقتصادي الكبير إلى أن يفوق الطلب العرض المحلي، مما يؤدي ببكين إلى أن تنظر إلى الخارج لضمان النمو والاستقرار. 

حتى عام 1993، كانت الصين مكتفية ذاتيًا في تلبية احتياجاتها من الطاقة. بعد عقد من الزمان، أصبحت ثاني أكبر مستهلك في العالم للنفط، خلف الولايات المتحدة، بواردات يومية تقارب 5 ملايين برميل، وهو ما يمثل أكثر من 50 في المائة من استهلاكها اليومي. في عام 2010، ذكر تقرير وكالة الطاقة الدولية أن الصين قد تفوقت على الولايات المتحدة لتصبح مستهلك الطاقة رقم واحد في العالم. وقالت نشرة توقعات الطاقة في العالم لعام 2012 أن الصين ستمثل وحدها أكثر من 30 في المئة من إجمالي النمو في الطلب على الطاقة العالمية بحلول 2035. [7] 

زاد هذا الاعتماد المتزايد على الطاقة المستوردة من القلق بشأن التعرض لتعطل الامدادات وارتفاع الأسعار، سواء بسبب القرصنة أوالإرهاب أوالحظر، أو مكائد القوى الأخرى. [8] وقد أدت المخاوف بشأن سوق النفط العالمية بالشركات الحكومية إلى الدخول في استثمارات في جميع أنحاء العالم، وغالبا في دول لا تمثل وجهة براقة للشركات الغربية. منذ أواخر التسعينيات، ارتبطت سياسات بكين تجاه الشرق الأوسط ارتباطًا وثيقًا بأهداف شركات الطاقة الصينية المملوكة للدولة التي تسعى إلى الوصول إلى النفط والغاز في الشرق الأوسط، بل كان ذلك الارتباط الوحيد في كثير من الأحيان. [9] 

يمكن النظر إلى احتمال استمرار حالة عدم الاستقرار السياسي في منطقة الشرق الأوسط باعتبارها مشكلة اقتصادية حيوية للصين، التي لديها احتياطي نفط استراتيجي يتكون من 100 مليون برميل، وتستهلك 8.3 مليون برميل من النفط يوميًا. لن يصمد هذا الاحتياطي سوى نحو 14 يومًا إذا تعطلت جميع امدادات النفط. سوف تشهد الصين اعتمادًا متزايد على النفط المستورد، مما يتطلب منها استيراد المزيد من النفط من منطقة الشرق الأوسط خلال العقود القليلة القادمة. ومع ذلك، فإن نسبة النفط المستورد من الشرق الأوسط قد تنخفض، فقد بدأت الصين بالفعل تنويع الموردين. [10] 

ومع ذلك، بالنسبة للصين سيبقى الشرق الأوسط –الذي يضم حوالي ثلثي احتياطيات النفط في العالم ويتمتع بتكلفة إنتاج منخفضة التكاليف- في المرتبة الأولى كمورد للنفط الخام في المستقبل إلى أجل غير مسمى. وهكذا، في المستقبل غير البعيد ، ستبقى المنطقة بمثابة المصدر الرئيسي للنفط في العالم. [11] يستمر  اقتصاد الصين معتمدًا على نفط الشرق الأوسط، حيث تأتي نصف وارداتها من المملكة العربية السعودية وإيران وحدهما. ومثل بقية العالم، فإن الصين سوف تصبح أكثر اعتمادًا على غيرها في المستقبل. [12] 

دفعت الأحداث التي تكشفت في الشرق الأوسط منذ بدء الربيع العربي في نهاية عام 2010 إلى ارتفاع الأسعار العالمية للنفط. وهذا يعني بالنسبة للصين ارتفاع فواتير الاستيراد وانخفاض الفائض التجاري فضلا عن تباطؤ النمو الاقتصادي حيث تتناقص المساهمة في صافي الصادرات. وبالتالي فإن التطورات في الشرق الأوسط هي مصدر قلق كبير للاقتصاد الصيني. تستورد الصين نحو 2.9 مليون برميل من النفط يوميًا من المنطقة، بما في ذلك 1.1 مليون برميل يوميًا من المملكة العربية السعودية. وبالتالي فإن الربيع العربي يشكل تحديًا للمصالح الاقتصادية الصينية في المنطقة. [13] 

وبالإضافة إلى ذلك، فإن منطقة الشرق الأوسط تعد سوقًا رئيسيًا لشركات البناء والهندسة الصينية التي تعمل في الخارج. حيث من المتوقع أن يصل حجم التجارة الثنائية إلى 300 مليار دولار من 2014. [14] لذا يشكل الربيع العربي خطرًا كبيرًا على المشاريع الصينية في المنطقة. على سبيل المثال، وفقا لبعض التقديرات، تم التخلي عن بعض الشركات والمشاريع المتفق عليها والتي تساوي مليارات من الدولارات – حوالي  18.8 مليار دولار - في ليبيا، مما أدى إلى خسائر اقتصادية هائلة. [15] 

إلا أن الاضطرابات في الشرق الأوسط كان لها تأثير محدود على نمو الاقتصاد الصيني وتجارتها في المنطقة. لا تزال إمدادات النفط فوق الطلب بشكل عام، ولم تتحول بعض الدول المنتجة للنفط إلى حالة تأهب قصوى بعد. لا تزال الصين قادرة على استيراد ما يكفي من النفط لضمان أمنها الاقتصادي، على الرغم من الاضطراب في بعض بلدان المنطقة. وعلاوة على ذلك، فإن نسبة النفط التي تأتي من الشرق الأوسط في السوق العالمية ليست مرتفعة كما كانت في السابق. إذا وصل سعر النفط إلى 150 دولارًا للبرميل، فإن القوى الكبرى، بما فيها الولايات المتحدة، ستبدأ في استخدام احتياطيات النفط الاستراتيجية الخاصة بها. 

وعلاوة على ذلك، فإن احتمالات الاضطراب الاقتصادي لا تزال منخفضة، حيث ان الاضطرابات في الشرق الأوسط من المتوقع لها أن تكون مؤقتة. وبالتالي من المتوقع أن يكون تعطل امدادات النفط أيضًا مؤقتًا. على المدى القصير والمتوسط​​، كان هناك خطر يتمثل في أن تضرر الإيرادات والأرباح من مشاريع البنية التحتية الصينية في منطقة الشرق الأوسط. وتم إجلاء أعداد هائلة من العمال الصينيين المهرة الذين يعملون في مشاريع البنية التحتية والنفط، ولا أحد يعلم متى يعودون. كان نظام الدفع لمشاريع البنية التحتية يعتمد على كَم العمل الذي يتم إنجازه، وبالتالي أي تأخير يؤثر سلبًا على الإيرادات. لكن على المدى الطويل، لن يكون تأثير الاضطرابات في الشرق الأوسط على الشركات الصينية كبيرًا، حيث أن للصين علاقات ودية مع جميع البلدان في المنطقة. [16] 

كما أن الصين في وضع جيد يؤهلها بشكل خاص للاستفادة من ما يحتمل أن يكون "بيع بأسعار منخفضة" للأصول الليبية في أفريقيا التي اشترتها عائدات ضخمة يحصل عليها قطاع الطاقة في البلاد. وبسبب الاحتياطي الكبير من العملات الأجنبية الذي تملكه الصين، فهي في وضع يمكنها من شراء العديد من الأصول الليبية في أفريقيا بأسعار مخفضة بشكل كبير، كما يؤهلها - في حالة خط أنابيب شرق أفريقيا- للحصول على احتكار لواحدة من أكبر مناطق إنتاج النفط  التي من المحتمل أن تعرض للبيع في السنوات القليلة المقبلة. [17] ووفقا لارقام الجمارك الصينية، في عام 2012، زادت التجارة بين الصين وليبيا ما بعد القذافي بنسبة 215 في المئة لتصل إلى 8.7 مليار دولار أمريكي [18] 

وعلاوة على ذلك، تعد شمال أفريقيا سوقًا رئيسيًا للصين حيث ان أكثر من 35 في المئة من الصادرات الصينية إلى القارة مخصصة لهذه المنطقة. ولذلك يخلق التغيير في حكومات شمال أفريقيا فرصًا تجارية، خاصة لشركات البناء الصينية. على سبيل المثال، ظلت الحكومة المصرية الجديدة ملتزمة باقتصاد السوق، ومن المتوقع تسريعها لعملية الإنفاق على البنية التحتية. وبسبب أن الشركات الغربية من المتوقع أن تكون حذرة في إرسالها موظفين إلى المنطقة، ستنشأ فرص للشركات الصينية لملء فراغ القوى العاملة. [19] 

خلاصة ذلك، من غير المرجح أن يشكل الربيع العربي تهديدًا على المدى الطويل للمصالح الاقتصادية الصينية. على العكس من ذلك، سوف تكون هناك فرصًا تجارية جديدة وهامة للاقتصاد الصيني. رغم توقع بعض الاضطراب على المدى القصير، إلا أنه عندما تهدأ الأمور، ستعود العلاقات الاقتصادية بسرعة إلى حد ما. من المرجح ألا تزال كل من الحكومات الجديدة والقديمة في بلدان الشرق الأوسط ترى الصين باعتبارها شريكًا قيمًا ذو استثمارات خارجية هامة، وتقدم الصين ذلك مع شروط أقل من الدول الغربية. ومن المتوقع أن تزيد التجارة الثنائية بين الصين والشرق الأوسط بشكل كبير خلال السنوات القليلة المقبلة، بمعدل 2.5 في المئة حتى عام 2020. [20] 

 

الاستقرار الاجتماعي 

منذ تأسيس جمهورية الصين الشعبية، كانت السلطات الصينية تشعر بالقلق إزاء عدم الاستقرار الاجتماعي والسياسي. إن الهدف الرئيسي هو الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي الداخلي، والوحدة، والتنمية التي تعكس المصالح الوطنية للصين وتشكل أساس السياسة الأمنية الوطنية للصين. [21] كما يعد تحقيق النمو الاقتصادي السريع الاهتمام الرئيسي للصين وعاملا رئيسيًا في السياسة الخارجية الصينية. [22] علاوة على ذلك، يبدو أن النمو الاقتصادي المرتفع الثابت أيضا هو استراتيجية الحزب الاشتراكي للحفاظ على شرعيته ومواجهة الضغوط المحلية التي تحث على تبني إصلاحات ديمقراطية في الصين. [23] 

النمو الاقتصادي السريع أمر حيوي للنظام الصيني لعدد من الأسباب، قبل كل شيء من أجل الاستقرار الاجتماعي في البلاد وبقاء النظام. تشكل المصالح الاقتصادية لبكين العامل الأكثر هيمنة على تحديد سياستها الخارجية تجاه دول الشرق الأوسط، يصب تركيزها على الاستقرار من أجل ضمان الوصول دون عائق إلى الموارد الطبيعية والتجارة والعلاقات التجارية. وقد أدى توسع الاقتصاد الصيني السريع إلى زيادة هائلة في الطلب على الطاقة لتغذية القطاعات الصناعية والتجارية المزدهرة وكذلك للحفاظ على ارتفاع مستوى المعيشة. وبالتالي، فإن الانكماش الاقتصادي الحاد له آثار مقلقة للغاية داخل الصين، وربما يهدد استمرار حكم الحزب الشيوعي. [24] 

مثل غيرها من الحكومات في جميع أنحاء العالم، يراقب حكام الصين الربيع العربي بأنفاس متلاحقة، قلقون بشأن النتيجة لكنهم عاجزون عن التأثير عليها. [25] تقلق الصين إزاء الفوضى في منطقة الشرق الأوسط، لأن عدم الاستقرار في المنطقة من شأنه أن يؤثر سلبيًا عليها في مجال أمن الطاقة، والمصالح الاقتصادية، وتجارتها في المنطقة. بسبب التخوف من أن الربيع العربي قد يؤدي إلى دفع شعبها إلى احتجاجات مماثلة وربما تنتج عواقب مماثلة، عملت بكين بقوة من بداية الاحتجاجات لاحتواء انتشار المعلومات لشعوبها عن طريق الإنترنت ووسائل الإعلام الاجتماعية. اعتقلت السلطات ناشطين. وزادت من عدد أفراد الشرطة في الشوارع؛ وقطعت بعض خدمات الرسائل النصية، وتحكمت من خلال الرقابة في منشورات على الإنترنت تدعو إلى تنظيم احتجاجات فى بكين وشانغهاى، وأحد عشر مدن رئيسية أخرى، وذلك خلال عملها بشكل استباقي في مواجهة منشورات إنترنت مجهولة المصدر تدعو لـ "ثورة ياسمين" خاصة بالصين. [26] بالإضافة إلى ذلك، حددت من التغطية الإخبارية للانتفاضات الأخيرة وقيّدت حركة الناشطين الديمقراطيين والصحفيين الأجانب. 

تؤكد قيادة الحزب الشيوعي الصيني (CCP) مرارًا على أهمية الاستقرار الاجتماعي، مدعية أنه بدون الحزب سيتم تقسيم الصين وستترتب على ذلك الفوضى. وهكذا، فإن ضمان الاستقرار الاجتماعي يتطلب عدم السماح بأي معارضة منظمة لا تسمح بها الحكومة بالكامل ، بما في ذلك النقابات المستقلة والمنظمات العمالية والأحزاب السياسية، والجماعات الدينية. [27] وفي خطاب ألقاه الرئيس الصيني هو جينتاو في "جلسة دراسة" خاصة في مدرسة الحزب المركزية في بكين، في أعقاب الاحتجاجات الواسعة والسقوط اللاحق للأنظمة الاستبدادية في الشرق الأوسط، حذر: "في الوقت الحاضر، فإن بلدنا لديه نافذة استراتيجية مهمة للتنمية، ولكنها أيضا في فترة من الصراعات الاجتماعية المتضخمة ". [28] 

رغم تحولها الاقتصادي وإنجازاتها الاستثنائية، تواجه بكين مشاكل كبيرة من الفساد، ووجود أعداد كبيرة من الشباب المتعلم الذين لا يستطيعون العثور على وظائف تلبي توقعاتهم، والتضخم المتزايد، يصحابهم ندرة في للمباني السكنية، ونظام سياسي مغلق. وعلاوة على ذلك، لم تشهد الصين أي ركود كبير أو نكسة اقتصادية منذ بدأت مسارها من الإصلاح الاقتصادي في 1978. إذا انفجرت الفقاعة العقارية الحالية في البلاد وأصبح عشرات الملايين عاطلين عن العمل، ستتقوض بشكل خطير شرعية الحكومة التي تعتمد في إدارتها على الاقتصاد. 

بينما تقلق بكين بشأن الربيع العربي وتأثيراته التي قد تكون تمتد وتؤثر على الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي في الصين، هناك سبب قوي للاعتقاد بأن أي تهديد وشيك لحكم الحزب الشيوعي لا يزال في الحد الأدنى ويمكن التحكم فيه. [29] لدى الصين شيئًا تفتقر إليه البلدان الأخرى في الشرق الأوسط، وهو قيادة الحزب الشيوعي القوية والحازمة والحراك الاجتماعي المرتفع. ويعتمد نظام التوظيف الفعال للحزب الشيوعي على الشباب والطلاب والنقابيين. وفي حين أن الثورة تحتاج ائتلافًا من الطبقات الاجتماعية، فإن الفوارق بينهم كبيرة في الصين ويهتم كل قطاع بمصالحه الخاصة فقط. يتم تسليط رقابة مشددة على أماكن الاحتجاج. ومن إحدى الجهات، يقوم النظام بالدعاية، والرقابة، ويرعى شبكات من المخبرين. ومن الجهة الأخرى، فهو متيقظ للاحتجاجات، بل يشجعها أحيانا من أجل تمكين الجمهور من التنفيس عن نفسه وتحديد الفساد على المستوى المحلي. 

خلاصة ذلك، تبقى احتمالات العدوى السياسية من منطقة الشرق الأوسط إلى الصين محدودة. إن معظم المشاركين في اضطرابات الشرق الأوسط من الشباب المتعلمين ولكنهم عاطلون عن العمل، الذين يشعرون بالاستياء من الفقر وعدم المساواة في الدخل المتنامي. وبالتالي لابد أن يظل النمو المطرد أولوية بالنسبة لسياسة الصين في السنوات القادمة، حيث يخلق نمو الطلب فرص العمل والدخل. تبقى بكين آمنة إلى حد ما من موجة الديمقراطية التي تجتاح أجزاء أخرى من العالم، على الأقل في الوقت الراهن. ومع ذلك، في حين أن الصين تبدو أنها لن تتأثر على المدى القصير بأحداث الربيع العربي، فإنها قد تواجه مشاكل أخرى في المستقبل.  

التنافس الاستراتيجي  

تشكل موجة الاضطرابات التي تجتاح منطقة الشرق الأوسط تهديدًا للمصالح الجيوستراتيجية الحالية للصين هناك. كما أن الضغوط التي تمارس على بكين من قبل الغرب يمكن أن تؤدي إلى خسارة الصين. وقد كشفت تقارير إعلامية أن الاستثمارات الصينية في المنطقة تصل إلى مئات المليارات من الدولارات الأمريكية. وقد تصل الحركات المؤيدة للديمقراطية في بلدان المنطقة بعملية السلام بين العرب وإسرائيل إلى ظهور أزمة، مما يزيد من تعقيد الوضع في المنطقة. بالإضافة إلى ذلك، سوف يشجع ذلك كثيرًا من القوى المتطرفة في آسيا الوسطى، بما في ذلك حركة تركستان الشرقية الاسلامية، وبالتالي تقويض الانسجام على طول الحدود الغربية للصين، وكذلك السلام والاستقرار في جنوب آسيا. وستتأثر الصين بذلك بشكل كبير بوصفها أكثر بلاد العالم اعتمادًا على النفط الخارجي. وسيكون لمستقبل الدول العربية آثار أمنية بعيدة المدى، والتي سوف تساعد على تحديد الإنفاق الدفاعي العالمي. [30] 

ومع ذلك، حيث أن عزم أميركا على التدخل يبدو أنه لا يتوقف، يمكن للربيع العربي أن يتحول إلى ساحة أخرى للصراع بين الصين وأمريكا. على سبيل المثال، في مقابلة، انتقدت وزيرة الخارجية الامريكية هيلاري كلينتون استجابة الصين للربيع العربي. نددت كلينتون بسجل حقوق الإنسان في الصين الذي يشهد حالة "يرثى ​​لها،" وشبّهت محاولة الحكومة الصينية قمع الإصلاح الديمقراطي بأنه "عمل أحمق"، مستشهدة بثورات الربيع العربي في الشرق الأوسط كمثال على ذلك. [31] 

تتشكل سياسة الصين إلى حد كبير من خلال وجهة نظرها عن سياسة الولايات المتحدة. ما تقول الولايات المتحدة وتفعله له تأثير قوي على السياسة الخارجية للصين في منطقة الشرق الأوسط. ومع ذلك، فإن موقف الولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط الآن أضعف من ذلك بكثير. في الوقت نفسه، أثار الصعود الاقتصادي للصين الاندهاش، مع النمو القوي الناتج المحلي الإجمالي الذي أدى إلى رفع مئات الملايين من خط الفقر، وتوسيع دور ابلاد في التجارة العالمية، فضلًا عن تزايد العلاقات الدبلوماسية في آسيا وأمريكا اللاتينية، وأفريقيا. الأهم من ذلك، فقد جمعت 2.8 ترليون من الاحتياطيات الأجنبية (ويتزايد الرقم)، لتصبح دائن مهم بالنسبة للولايات المتحدة. من غير المرجح أن تصبح الصين قوة عظمى في أي وقت قريب، ولكن قد تضاءل نفوذ أمريكا كقوة العظمى بشكل كبير، وبكين تعرف ذلك. 

الأخبار الجيدة بالنسبة للصين هو أن الوضع الجديد في منطقة الشرق الأوسط يمكن أن يكون أكثر أهمية لمصالحها الاستراتيجية، وذلك إذا فقد الحكام المستبدين في الشرق الأوسط -الذين يتمكنون من الحفاظ على قوتهم- ثقتهم في الوعود الغربية بالدعم بعد أن شاهدوا مصير الرئيس المصري السابق حسني مبارك. قد يريدون تحويل رهاناتهم وتحسين العلاقات مع بكين. [32] 

بالإضافة إلى ذلك، السياسة الصينية تجاه الانتفاضة السورية مختلفة عن تلك التي تتبعها للولايات المتحدة. هناك خلافات حقيقية بين روسيا والصين والغرب، سواء إزاء ضعف نظام الأسد وحول أنجح وسيلة لحل الأزمة السورية. تميل الحكومتين لأن يروا نظام الأسد قابل للإنقاذ، وان كان ذلك على نطاق محدود، ويستمرون في رؤيتهم أن عملية التفاوض حول الإصلاح هي حل أفضل من تغيير النظام كوسيلة لإنهاء الانتفاضة السورية. وحتى تتغير تلك التقييمات - بدون مزيد من الضغوط الكبيرة من الولايات المتحدة- من المرجح أن تظل روسيا والصين رافضين لدعم عقوبات حادة يفرضها مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة ضد سوريا. 

تشعر روسيا والصين بقوة أن الغرب انتهك شروط مجلس الأمن الدولي حول فرض عقوبات على ليبيا عند الشروع في الإجراءات التي لم تتصوراها أبدا عندما اتفقت الدولتان على دعم العقوبات. بعد أن تم خداعهم مرة ، فهما ليسا على استعداد لأن يجرى تضليلهما مرة أخرى من قبل الغرب في دعم العقوبات ضد سوريا، التي قد يتخذها الغرب كمبرر لاتخاذ تدابير أقوى، مثل التدخل العسكري. في حين أن الولايات المتحدة ترغب أن يشارك الصينيين في اتباع نهج أكثر عدوانية حيال سوريا، هناك قليل من الأدلة على أن الصين سوف تفعل ذلك. 

إن موقف روسيا عامل رئيسي في حسابات الصين ومصالحها فيما يتعلق بالانتفاضة السورية. بكين تسعى لتقليل تكاليف أعمالها، وتعتبر كونها معزولة مجلس الأمن هو شيء ينبغي تجنبه تمامًا. [33] على الرغم من أنه غالبا ما تمتنع عن التصويت على قرارات مجلس الأمن في القرارات التي لا توافق عليها، فهي أقل استعدادًا لاستخدام الفيتو بكثير إذا أيدت روسيا ذلك قرار. في أكتوبر 2011 وفبراير 2012، رفعت روسيا والصين فيتو مشترك تجاه قرار مجلس الامن الدولي بفرض عقوبات على سوريا. أثار الفيتو المزدوج على القرارات – التي كانت قد حصلت على دعم الجامعة العربية والولايات المتحدة، وأوروبا - انتقادات قوية من الدول في جميع أنحاء العالم. [34] 

كان الفيتو الصيني غير معتاد، وهي المرة الثامنة فقط التي تستخدم فيها الصين حق الفيتو منذ الانضمام مجددًا إلى الأمم المتحدة في عام 1971. في عام 2011، امتنعت الصين عن التصويت على قرار الأمم المتحدة بشأن ليبيا، بدلا من الاعتراض على الإجراء الذي يتمتع بدعم واسع الانتشار. لذا فإن الفيتو الذي رفعته بكين في هذه الحالة يمثل خروجًا عن نهج السياسة الخارجية الصينية التي تميزها المحافظة والبراجماتية. وهو يسلط الضوء على قلق بكين من فقدان النفوذ في الشرق الأوسط المتغير، فضلا عن اعتقادها بأن بشار الأسد سوف يبقى في السلطة في نهاية المطاف. [35] علاوة على ذلك، تخشى الصين أن تقوم الولايات المتحدة بتأجيج الاحتجاجات في الشرق الأوسط لخلق حالات تعزز مصالحها الشخصية، وهو الأمر الذي تريد بكين منعه. 

في نظر صناع السياسة الصينية، فإن نظام الأسد لا يستحق حق الفيتو. منذ عارض الروس القرار ، بدافع من مصالحهم الاقتصادية والأمنية في سوريا، قررت الصين على ما يبدو أنه من الأفضل ألا تعرض علاقتها مع الروس للخطر وألا تخاطر بفقدان دعم موسكو، التي قد تحتاجها بكين في المستقبل. لقد أصبح الآن محور روسيا والصين الذي يعرقل قرارات مجلس الأمن متغيرًا حاسمًا في عملية صنع القرار في المجلس. يبدو أن البلدين قد وصلا إلى تفاهم استراتيجي: سوف يعملا على تقييد وتحقيق التوازن بين الولايات المتحدة والتقليل من قدرتها على فرض حلولها على مشاكل الشرق الأوسط، بحيث لا يبدو أيًا منهما بمعزل عن الوضع. [36] وفي الختام، تسعى الصين لمنع تكرار الأحداث الليبية، في حين أن الغرب، بحجة إعلاء القانون الدولي، وصل إلى حد إساءة استغلال القوانين ذاتها التي كانت يرمي إلى الحفاظ عليها. 

تمتعت الصين بفائدة استراتيجية أخرى من الاضطرابات التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط، ألا وهي توفيرها فرصة للصين لإظهار قدراتها العسكرية. تبين عملية الانقاذ المدنية في ليبيا تحولا عميقًا في سياسة الأمن الصينية في المنطقة. في حين تم نقل معظم المدنيين من قبل السفن التجارية أو الطائرات المستأجرة من قبل الدبلوماسيين الصينيين والشركات الصينية، تم اجلاء حوالي 1700 شخصًا في رحلات مستمرة من قبل أربعة طائرات نقل من نوع IL-76التي بعثت بها القوات الجوية لجيش التحرير الشعبي (PLAAF). كما بعثت بحرية جيش التحرير الشعبي (PLAN) فرقاطة سوزهو جديدة من نوع Jiangkai II-class  إلى الساحل الليبي لتنسيق عمليات الإجلاء بحرًا. [37] كان وجود فرقاطة سوزهو هى المرة الأولى التي تظهر فيها سفينة عسكرية صينية في البحر الأبيض المتوسط، مما يرسل رسالة قوية إلى المنطقة والعالم. 

كانت لعمليات نشر القوات الجوية والبحرية لجيش التحرير الشعبي في ليبيا أهمية خاصة من حيث أنها تمثل ليس فقط أول العمليات الصينية في أفريقيا (إلى جانب المشاركة في بعثات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة وفي دوريات مكافحة القرصنة قبالة سواحل الصومال)، ولكنها أول عمل عسكري للصين في البحر المتوسط​​، وهو معلمًا رئيسيًا في تطور قدرات الجيش الصيني على التدخل السريع. [38] وفي عام 2012، ضخت الصين 56 مليار دولا في حاملات الطائرات والبوارج، وتوسعت في القدرات الجوية، وأنظمة الصواريخ القادرة على استهداف أساطيل ناقلات الولايات المتحدة التي تقبع في غرب المحيط الهادئ، وكان كل هذا جزءًا من برنامج التحديث العسكري العملاق، والذي سيسمح للبلد بالدفاع عن مصادرها من الطاقة، وحماية الممرات البحرية التي تحمل الوقود إلى الوطن، وتحقيق التوازن مع قدرات الولايات المتحدة البحرية. [39] 

ربما يشكل الوضع الجديد في منطقة الشرق الأوسط في الوقت الحاضر تهديدًا للمصالح الجيوستراتيجية الحالية للصين في المنطقة، ولكنه سيوفر على المدى الطويل المكاسب والفرص الاستراتيجية. وحقيقة أن مصداقية الولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط تشهد حاليًا حالة من الأنخفاض السحيق، فضلا عن السياسات والإجراءات الأمريكية التي تؤدي إلى تعقيد الوضع أكثر، من شأنها أن تمثل فرصة عظيمة للسياسة الخارجية الصينية. أما انشغال واشنطن بتصاعد العنف وعدم الاستقرار في العراق وأفغانستان، فضلا عن الأزمة النووية الإيرانية، فهو يوفر لبكين نافذة التاريخي وفرصة لتعزيز موقفها الجيوستراتيجي. 

الخلاصة  

يقدم الربيع العربي وتداعياته تحديات وفرصًا للسياسة الخارجية الصينية. تشير الأدلة المقدمة في هذه المقالة إلى أن الصين يمكنها أن تستفيد من أحداث الربيع العربي لتحقيق المزيد من الفوائد الاقتصادية والمزايا الاستراتيجية. يمكن للاضطرابات في منطقة الشرق الأوسط أن توفر عددًا من الفرص للصين للوصول إلى أسواق استهلاكية جديدة غير مستغلة لصادراتها ولاستثمارات المربحة، وكذلك لزيادة القدرات الاستطلاعية العسكرية والنفوذ الاستراتيجي في المنطقة. على الرغم من أن هناك تحديات والمخاطر قد تتعرض لها السياسة الخارجية الصينية في المدى القصير، فينتظرها مستقبل واعد على المدى الطويل. 

تنظر بكين إلى الثورات والانتفاضات في بلدان الشرق الأوسط كتهديد للاستقرار، وليس كأسس جديدة لتغيير سياستها. علاوة على ذلك، فإنها لا تملك ما يقترب من مقدار القدرة العسكرية التي يمكن للولايات المتحدة أن توفرها للمساعدة لضمان أمن أي من الحلفاء الإقليميين. وهذا سبب أن رد فعل الصين على الثورات يشير إلى عدم الرغبة في تشكيل الوضع السياسي، من خلال تبني سياسة رد الفعل. إن الشاغل الرئيسي لبكين في منطقة الشرق الأوسط لا يزال تجاريًا وليست سياسيًا. 

منذ بداية الربيع العربي، استمرت الصين في ميلها إلى اتباع سياسة الانتظار والترقب. تختار بكين الحفاظ على مسافة بعيدة عن المشاركة الفعالة في إعادة تنظيم الشرق الأوسط. يمكن تلخيص سبب هذه السياسة السلبية بالقول أن سياستها الخارجية غير مرنة، وتتجنب اتخاذ مخاطر لا داعي لها. ستحاول الصين للحصول على حصتها من الأسواق العربية والاستمرار في متابعة الاتفاقيات الاقتصادية والعقود التجارية، بدلا من لعب لعبة محصلتها صفر على حساب المواجهة المباشرة مع الولايات المتحدة.  

وعلاوة على ذلك، اضطرت بكين لمواجهة التطورات المتغيرة بسرعة وإجراء تعديلات، سواء من حيث رصد التداعيات المحتملة في الداخل أو لحماية المصالح التجارية المتنامية في المنطقة. إلا أن موجة الاضطرابات التي تجتاح منطقة الشرق الأوسط، من غير المرجح لها أن تشكل تهديدًا على المدى الطويل على المصالح الصينية. من منظور صيني، سيكون هناك بعض التعطيلات قصيرة الأجل في منطقة الشرق الأوسط، ولكن بمجرد أن تهدأ الأمور، ستتعافى التجارة بسرعة إلى حد ما. لا تزال كل من الحكومات الجديدة والقديمة في دول المنطقة ترى الصين كشريك ذو قيمة. 

هل يمكن أن تغير سياسة الصين تجاه الربيع العربي؟ الإجابة معقدة. حققت بكين استثمارات ضخمة واشترت أصول النفط في بعض البلدان النامية، ولا تستطيع الانسحاب ببساطة عندما تنشأ مشاكل في الشرق الأوسط. وبسبب سياستها الدبلوماسية التي تتضمن عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، تحافظ الصين على علاقات جيدة مع دول المنطقة، بغض النظر عن من كان في السلطة هناك. ينبغي تقدير نفوذ الصين في المنطقة بشكل واقعي. لا تشارك بكين في العبء الاستراتيجي االذي يقع على كاهل الولايات المتحدة، لأن الصين في نهاية الأمر هي مجرد مشارك آخر في إعادة توزيع الموارد الدولية. ليس من المتوقع أن يتغير موقف الولايات المتحدة في الشرق الأوسط في المستقبل القريب. إذا كانت للصين أن تلعب دورًا أكبر في الأحداث، يجب أن تجد إطار تعاوني تشارك فيه الولايات المتحدة وأوروبا، على أساس المصالح الاستراتيجية والاقتصادية المشتركة. 

____

NOTES

[1] Marc Lynch, The Arab Uprising: The Wave of Protest That Toppled the Status Quo and the Struggle for a New Middle East (New York: Public Affairs, 2012).

[2]John B. Alterman and John W. Garver, The Vital Triangle: The United States, China and the Middle East (Washington, D.C.: Center for Strategic and International Studies, 2007); Geoffrey Kemp, “The East Moves West,” National Interest, Vol. 84 (2006), p. 75.

[3] Ramesh Thakur, “Sanctions: A Triumph of Hope Eternal over ExperienceUnlimited,” Global Dialogue, Vol. 2, No. 3 (Summer 2000), pp. 129-41.

[4] Evan S. Medeiros, China’s International Behavior: Activism, Opportunism, and Diversification (Palo Alto, CA: RAND Corporation, 2009), p. 167.

[5] “China’s Navy Mulls Push into Arabian Sea,” United Press International (UPI), December 30, 2009, http://www.upi.com/Business_News/Energy-Resources/2009/12/30/Chinas-navy-mulls-push-into-Arabian-Sea/UPI-24731262213319/; “China to Send Navy to Fight Somali Pirates,” PLA Daily, December 22, 2008,http://english.chinamil.com.cn/site2/special-reports/2008-12/22/content_1594031.htm.

[6] Andrew B. Kennedy, “China New Energy-Security Debate,” Survival, Vol. 52, No. 3 (June-July 2010), pp. 137-58; Zha Daojiong, “China’s Energy Security: Domestic and International Issues,” Survival, Vol. 48, No. 1 (Spring 2006), pp. 179-90.

[7] World Energy Outlook 2012 Factsheet,http://www.worldenergyoutlook.org/media/weowebsite/2012/factsheets.pdf, accessed March 28, 2012.

[8] Charles Ziegler, “The Energy Factor in China’s Foreign Policy,” Journal of Chinese Political Science, Vol. 11 (2006), pp. 8-9.

[9] Erica S. Downs, “The Chinese Energy Security Debate,” The China Quarterly, Vol. 177 (March 2004), pp. 21-41; Erica S. Downs, “The Brookings Foreign Policy Studies Energy Security Series: China,” Brookings Institution (December 2006), http://www.brookings.edu/research/reports/2006/12/china.

[10] “Unrest Highlights China’s Need to Stockpile Oil,” Global Times, March 17, 2011, http://www.globaltimes.cn/opinion/commentary/2011-03/634557_2.html.

[11] Charles Ziegler, “The Energy Factor in China’s Foreign Policy,” Journal of Chinese Political Science, Vol. 11 (2006), pp. 1-23.

[12] Praveen Swami, “Why Oil Is the Burning Issue for World’s Superpowers,” Irish Independent, March 9, 2011, http://www.independent.ie/opinion/analysis/why-oil-is-a-burning-issue-for-worlds-superpowers-2571391.html.

[13] Andrew Critchlow, “China’s Mideast Headache,” The Wall Street Journal, March 14, 2011,http://online.wsj.com/article/SB10001424052748704893604576198354263145980.html.

[14] Andy Sambidge, “China Expects $300bn Arab Trade by 2014,” Arabian Business, June 2, 2012, http://www.arabianbusiness.com/china-expects-300bn-arab-trade-by-2014-460133.html.

[15] Douglas H. Paal, “China: Mugged by Reality in Libya, Again,” Carnegie  Endowment, April 11, 2011, http://www.carnegieendowment.org/2011/04/11/china-mugged-by-reality-in-libya-again/2h4; Ma Hong, “Turmoil in Middle East and Chinese Interests Overseas,” China-US Focus, April 24, 2011, http://chinausfocus.com/foreign-policy/turmoil-in-middle-east-and-chinese-interests-overseas/.

[16] Toh Han Shih, “Turmoil Carries Risk but Promise of Huge Rewards for Beijing,” South China Morning Post, February 27, 2011,http://www.pressdisplay.com/pressdisplay/viewer.aspx.

[17] Peter. J Pham, “Libya As an African Power,” World Defense Review, March 16, 2010, http://worlddefensereview.com/pham031610.shtml.

[18] Ahmed Elumami, “Chinese Delegation Arrives to Discuss Resuming Work and War Compensation,” Libya Herald, March 5, 2013,http://www.libyaherald.com/2013/03/05/chinese-delegation-arrives-to-discuss-resuming-work-and-war-compensation/.

[19] Shih, “Turmoil Carries Risk but Promise of Huge Rewards for Beijing.”

[20] Claire Valdini, “Remarkable Growth in China-MENA Trade Expected,” Arabian Business, April 15, 2012, http://m.arabianbusiness.com/-remarkable-growth-in-china-mena-trade-expected-453872.html;  Andy Sambidge, “MENA Set to See Rapid Growth with China, India, Russia,” Arabian Business, February 22, 2012,http://m.arabianbusiness.com/mena-set-see-rapid-growth-with-china-india-russia-446578.html.

[21] See, Avery Goldstein, “The Diplomatic Face of China’s Grand Strategy: A Rising Power’s Emerging Choice,” The China Quarterly, Vol. 168 (2001), pp. 836-64, http://0-www.olemiss.edu.umiss.lib.olemiss.edu/courses/pol324/goldstei.pdf, accessed March 28, 2012.

[22] M. Honghua, “Learn to Play by the Rules: China’s Role in International Institutions,” IR China Online, 2005, http://www.irchina.org/en/pdf/mhh3.pdf.

[23] Thomas Lum, et al. “Comparing Global Influence: China’s and U.S. Diplomacy, Foreign Aid, Trade and Investment in the Developing World,” CRS Report for Congress, August 15, 2008, http://www.fas.org/sgp/crs/row/RL34620.pdf.

[24] June Teufel Dreyer, “China’s Power and Will: The PRC’s Military Strength and GrandStrategy,” Orbis, Vol. 51, No. 4 (Fall 2007), pp. 654-55; Aaron L. Friedberg, “Going Out: China’s Pursuit of Natural Resources and Implications for the PRC’s Grand Strategy,” NBR Analysis, Vol. 17, No. 3 (September 2006), p. 24.

[25] Volker Perthes, “Europe and the Arab Spring,” Survival, Vol. 53, No. 6 (December 2011-January 2012), pp. 3-84.

[26] Austin Ramzy, “China’s ‘Jasmine Revolution’ Crackdown Shows No Sign of Easing,” Time, March 29, 2011, http://globalspin.blogs.time.com/2011/03/29/chinas-jasmine-revolution-crackdown-shows-no-sign-of-easing/.

[27] John James Kennedy, “What Is the Color of a Non-Revolution? Why the Jasmine Revolution and Arab Spring Did Not Spread to China,” The Whitehead Journal of Diplomacy and International Relations, Vol. 13, No. 1 (Winter 2012), pp. 63-74.

[28] Peh Shing Huei, “Thread: China Clamps Down on ‘Mid-East’ Demos,” The Straits Times, February 21, 2011,http://boardreader.com/thread/China_clamps_down_on_Mid_East_demos_s4ycXwkd.html.

[29] Francis Fukuyama, “Is China Next?” The Wall Street Journal, March 12, 2011, http://online.wsj.com/article/SB10001424052748703560404576188981829658442.html.

[30] “Article Urges China to Become More Involved in Egypt Crisis,” Wen Wei Po Website, Hong Kong, February 11, 2011, http://www.accessmylibrary.com/article-1G1-248897860/article-urges-china-become.html.

[31] Jeffrey Goldberg, “Hillary Clinton: Chinese System Is Doomed, Leaders on a ‘Fool’s Errand,’” The Atlantic, May 10, 2011,http://www.theatlantic.com/international/archive/2011/05/hillary-clinton-chinese-system-is-doomed-leaders-on-a-fools-errand/238591/.

[32] N. Tze-wei, “China on Track in Mid-East but US Losing Its Way, Envoy Says,” South China Morning Post, March 11, 2011, http://www.scmp.com/article/740533/china-track-mid-east-us-losing-its-way-envoy-says.

[33]  “China’s Myanmar Dilemma,” Crisis Group Reporthttp://www.crisisgroup.org/~/media/Files/asia/north-east-asia/177_chinas_myanmar_dilemma.pdf, accessed March 28, 2012.

[34] Joseph Logan and Patrick Worsnip, “Russia, China Veto of Syria UN Resolution Sparks Outrage,” Reuters, February 5, 2012,http://www.huffingtonpost.com/2012/02/05/russia-china-veto_n_1255990.html.

[35] Neil MacFarquhar, “With Rare Double U.N. Veto on Syria, Russia and China Try to Shield Friend,” New York Times, October 5, 2011,http://www.nytimes.com/2011/10/06/world/middleeast/with-united-nations-veto-russia-and-china-help-syria.html?pagewanted=all.

[36] Chenghong Li, “Limited Defensive Strategic Partnership: Sino-Russian Rapprochement,” Journal of Contemporary China, Vol. 16 (2007), pp. 477-97; Bobo Lo, Axis of Convenience: Moscow, Beijing and the New Global Geopolitics (Washington, D.C.: Brookings Institution Press, 2008), p. 41.

[37] “China’s Rescue Mission to Libya: The Armed Forces Nudged Farther Afield,” The Economist, March 3, 2011, http://www.economist.com/node/18291549.

[38] Peter. J Pham, “Pandas in the Heart of Darkness: Chinese Peacekeepers in Africa,” World Defense Review, October 25, 2007,http://worlddefensereview.com/pham102507.shtml; Peter J. Pham, “Libya As an African Power.”

[39] Swami, “Why Oil Is the Burning Issue.”

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب