متشككون جدد في خطة أوباما لمكافحة الإرهاب: قادته العسكريون والمخابرات

مقال رأي

على نحوٍ مفاجئ بدت فكرة سحب القوات الأمريكية من أفغانستان بنهاية العام 2016 سيئة للغاية، خاصة بعد انهيار جزء كبير من العراق إثر سيناريو مشابه.

عندما أعلن الرئيس أوباما عن خطته لمغادرة أفغانستان بنهاية العام 2016، صرّحت المخابرات الأمريكية بأن ذلك يمكنه أن يحدث بشكل آمن. إلا أن الأمر اختلف الآن. إذ تحذر المخابرات وقادة الجيش بشكل داخلي من أنه ربما تكون هنالك حاجة إلى وجود قوات مكافحة الإرهاب الأمريكية لفترة أطول في أفغانستان.

خلال النقاشات التي دارت في مطلع هذا العام في الإدارة الداخلية بشأن الوضع المستقبلي في أفغانستان، أبدت المخابرات الأمريكية دعمها لخطة إضعاف القاعدة للدرجة التي تسمح للولايات المتحدة بسحب معظم قواتها في عام 2016، تاركةً مسؤولية قتال القاعدة على عاتق الجيشين الأفغاني والباكستاني. 

فبينما كان المسؤولون في البيت الأبيض يخططون للإعلان عن سياسة جديدة تؤدي لإنهاء وجود القوات المقاتلة بشكل كامل في أفغانستان في اللحظة التي يغادر فيها الرئيس أوباما منصبه، جاء تقرير المخابرات ليُسمعهم تمامًا ما أرادوه. إلا أن التقرير واجه معارضةً كبيرةً من قبل قادة الجيش، لاسيما أولئك المسؤولين عن ملف أفغانستان، والذين دعوا كثيرًا من قبل للإبقاء على قوةٍ تتضمن مجموعة قوية من مقاتلي العمليات الخاصة وأفراد المخابرات، لتتبع القاعدة والضغط عليها بعد عام 2016.

يحذر الآن أولئك القادة، وبعض رفاقهم في المخابرات، بشكل خاص من أن صعود داعش، والأزمات المتفاقمة في العراق وسوريا وشمال أفريقيا، يسحب موارد مكافحة الإرهاب من أفغانستان وباكستان بأسرع مما كان متوقعًا. يبدو أن خطة إضعاف القاعدة بالدرجة الكافية للسماح بمغادرة القوات الأمريكية لا تسير وفق جدولها الزمني. وبالنظر لما يحدث في العراق، فإنهم يرون أن تفكيك قدرات الولايات المتحدة لمكافحة الإرهاب في أفغانستان لم تعد فكرةً جيدة كما كان الأمر قبل ذلك. 

قال مسؤول أمريكي، اطلع على تقرير وكالة الاستخبارات المركزية (CIA)، أن "التقرير الذي تم الإعلان عنه مطلع هذا العام، يؤكد أنه يمكن التعامل مع أيٍ من المخاطر المحتمل حدوثها بتنفيذ خطة الرئيس، وأنهم في العامين القادمين يمكنهم إضعاف القلب الصلب لتنظيم القاعدة لدرجة أن قدراته لن تحتاج نوعية مهام "مكافحة الإرهاب" التي اضطلعنا بها خلال الأعوام القليلة الماضية."

إلا أن الناقدين يشعرون بالقلق من أن خطة البيت الأبيض - وتقرير وكالة الاستخبارات المركزية الذي يعززها- ربما يكونان متفائلَين أكثر من اللازم. 

وأضاف المسؤول: "ماذا لو كان الاعتقاد بأننا يمكننا مواجهة المخاطر المحتملة، كما يزعم التقرير، خاطئًا؟ وماذا لو استطاعت القاعدة تجديد قياداتها العليا. عندما غادرنا العراق، كانت القاعدة تنظيمًا مُدمّرًا. انظروا الآن إلى أين وصلت داعش."

حدوث سيناريو مماثل في أفغانستان يمكنه أن يهدد الولايات المتحدة وكل المكاسب التي حققتها خلال الحرب.

قال مسؤول كبير في المخابرات لصحيفة "ذا ديلي بيست"، أن وكالة الاستخبارات المركزية لا يمكنها الآن أن تؤكد أن القاعدة قد تم احتواؤها بما يكفي لمغادرة القوات الأمريكية، ولا حتى أن خطة إضعافها بحلول عام 2016 على الطريق الصحيح. وقال إن الوكالة كانت فقط تؤدي دورها بالمشاركة في خطة الحكومة للوصول إلى هذه المرحلة. هذا وأعدت أجهزة أخرى في المخابرات عدة تقارير لعملية التعاون المؤسسي، والتي دفعت أوباما للتصريح بأن الولايات المتحدة ستقلل إجمالي عدد القوات في أفغانستان إلى 9,800 بنهاية عام 2014، و5,500 بنهاية عام 2015، لتصل إلى العدد شبه الطبيعي للقوات المنوط بها حماية السفارة، بما في ذلك مكتب للتنسيق الأمني، بنهاية عام 2016.

على الرغم من ذلك، فإن تقرير وكالة الاستخبارات المركزية يُعَد محوريًا، حيث أن كل ما توصي به الوكالة ومديرها جون بيرنان به يحمل أهميةً خاصة في البيت الأبيض، إذ تولى بيرنان خلال الفترة الرئاسية الأولى لأوباما منصب مستشار الرئيس الخاص لشؤون بـمكافحة الإرهاب، وكان معروفًا بعلاقته الوثيقة بأوباما، وقدرته على الدخول إلى المكتب البيضاوي بسهولة. 

يهاجم الآن بعض المسؤولين العسكريين تقرير وكالة الاستخبارات المركزية، ومساهمة بيرنان في العملية التي أدت لخطة أوباما المفرطة في التفاؤل، خاصة وأن التهديدات التي تتعرض لها الخطة الشاملة لمكافحة الإرهاب تزداد خطورة وتصبح أقل قابلية للتوقع يومًا بعد يوم.

فوفقًا لما قاله مسؤولان أمريكيان، اطلعا على بعض الجوانب السرية من خطة أوباما في أفغانستان، سيتم تقليص عدد قوات مكافحة الإرهاب بشكل كبير، لتقل من العدد الحالي البالغ 7,000 − بما في ذلك المساعدين− إلى نحو 1,800 بنهاية عام 2015. بتعبيرٍ آخر، سيتم تقليص عدد القوات إلى أقل من ثلث العدد الكلي للقوات المتبقية. وبنهاية عام 2016، يُفترض أن يصل عدد مكافحي الإرهاب إلى صفر تقريبًا. ورغم أنه تم الإعلان عن هذه السياسة، فإن بعض كبار مسؤولي الجيش والمخابرات يأملون بأن يعيد البيت الأبيض النظر في الوضع على الأرض، ويعيد التفكير مرة أخرى.

كذلك أكّد مسؤول كبير بالجيش أن قادة قوات "العمليات الخاصة الأمريكية" يفضلون الإبقاء على بعض القوات، لاستمرار مراقبة القاعدة وإقامة علاقات مع الجيش الأفغاني. على أقل تقدير، ربما تستطيع تلك القوات تجنب الاضطرابات التي تواجهها القوات الخاصة في العراق الآن.

وقال المسؤول أن هناك خلافًا بين الجيش ووكالة الاستخبارات المركزية حيال الحجم الضروري لهذه القوات، واضعين في الاعتبار الحاجة لنشر كلٍ من قوات العمليات الخاصة وضباط المخابرات لمواجهة ممثلي الإرهاب الصاعدين في سوريا والعراق وأفريقيا.

وتابع قائلًا أنه ليس هناك في الإدارة من يصدق أن القاعدة ستندحر وتستسلم ببساطة في أفغانستان، إلا أنهم يعتبرونها جزءًا من مشكلة طويلة الأمد، ويمكن التعامل معها فيما بعد. أما في الوقت الراهن، فتشكل قوات الدولة الإسلامية في العراق والشام، وبقايا تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية والذي لا يزال قويًا، التهديدات الأكثر إلحاحًا.

هذا في حين أيّد رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال مارتن ديمبسي، والذي أوصى من قبل بالإبقاء على بعض القوات في أفغانستان بعد عام 2016، خطة أوباما للانسحاب يوم إعلانها في 27 مايو. إلا أن عدة مسؤولين قالوا أنه كان يدعو داخليًا للإبقاء على بعض قوات مكافحة الإرهاب في أفغانستان بعد عام 2016. 

وقد قال الناطق الرسمي باسم ديمبسي، الكولونيل إدوارد توماس، لصحيفة "ذا ديلي بيست"، أن القرارات النهائية بشأن وجود قوات مكافحة الإرهاب في أفغانستان بعد 2016 لم تُتخذ بعد، وأضاف أن ديمبسي "مصمم على إبقاء خيارات مكافحة الإرهاب [في أفغانستان] مفتوحة، حيث نعمل على إعادة التوازن في المنطقة."

قال مسؤول كبير بالجيش أن برينان مازال يؤيد، بشكل عام، خطة الرئيس لسحب قوات مكافحة الإرهاب. إلا أن مدير وكالة الاستخبارات المركزية يمكنه تقبُّل تعديلات طفيفة بالخطة، منها اقتراح الجيش بالإبقاء على قوة أمريكية صغيرة من قوات مكافحة الإرهاب ‒ شريطة أن يسمح الأفغان بذلك.

وقال المسؤول أيضًا أن "القاعدة تريد أفغانستان كملاذٍ ومركزٍ لها"، نظرًا لطبيعتها الوعرة التي تجعل الوصول إليها من قبل القوات الأمريكية أو الأفغانية المحلية عملية شديدة الصعوبة. "هم عاقدون العزم على العودة مرة أخرى إلى أفغانستان."

كما أضاف أن "الرحيل الوشيك للقوات الأمريكية سيكون في مصلحة المتطرفين، وسيشعرهم بنشوة كبيرة أنهم انتصروا على قوة عظمى أخرى في ديسمبر، وأكثر من ذلك في 2016، وسيقومون بصياغة المشهد بهذا الشكل."

وتابع قائلًا  أن نجاح داعش في الاستيلاء على مساحات كبيرة من العراق هو السبب في تحول آراء بعض العاملين بمجال مكافحة الإرهاب. فهم يرون الآن أن هناك حاجة ملحة للإبقاء على عدد صغير من المستشارين والضباط في عدد متزايد من المناطق التي تتعرض لتهديدات من كل من، داعش الصاعدة، والقاعدة التي لا تزال على قدر كبير من الخطورة. بعبارة أخرى: ما زالت هناك ألعاب كثيرة يجب أن نكون طرفًا فيها.

لكن، كما قال المسؤول، داعش تمثل ظهور جيل جديد من الجهاديين، وبذلك فهي تنافس قيادة القاعدة القديمة على المكانة والمقاتلين والتمويل، وهو الأمر الذي أثار جدلًا داخليًا كبيرًا بين المخابرات الأمريكية وقادة العمليات الخاصة، فيما يخص مدى ما يجب عليهم أن يتركوه في القتال مع جماعة في طريقها للانحدار.

وقال أيضًا أنه من الناحية المثالية، يأمل الأمريكيون أن تطلب منهم الإدارة الأفغانية في المستقبل البقاء في قاعدة يتكفلون بتأمينها، وربما كجزءٍ من قاعدة أفغانية أكبر كما هو الحال مع الوحدات الاستشارية الأمريكية الموجودة الآن. غير أن ذلك سيعتمد على الأفغان.

هذا وقد قال المرشحان المتبقيات بالانتخابات الرئاسية الأفغانية أنهما سيوقعان اتفاقية الأمن الثنائية التي ناقشتها إدارة أوباما مع حامد قرضاي، والتي من شأنها الإبقاء على التعاون الأمني الأمريكي-الأفغاني المشترك لعشرة أعوام أخرى، غير أن أوباما يلتزم فقط بعامين من الوجود الفعلي للقوات الأمريكية. ربما تطلب الإدارة الجديدة في كابول من القوات الأمريكية أن تظل لفترة أطول.

قال مسؤول أمريكي أن "الرئيس القادم لأفغانستان سيطلب التحدث لرئيس الولايات المتحدة بشأن إعادة النظر في الاتفاقية."

كذلك قالت المتحدثة الرسمية باسم البيت الأبيض، لورا لوكاس، لصحيفة "ذا ديلي بيست"، أن الولايات المتحدة ستكون قادرة على تقديم النصيحة لعناصر مكافحة الإرهاب الأفغانية حتى بوجود قوة صغيرة في السفارة. وأضافت أن إدارة أوباما لديها خطة فورية "لضمان قدرتنا على الاستمرار في ملاحقة بقايا القاعدة بشكل فعال، إذ أننا نخطط للحفاظ على قدرتنا على إبقاء الضغط على القاعدة، بالتعاون مع شركائنا الأفغان، لمنع استخدام الأراضي الأفغانية مرة أخرى كمركز لشن هجمات كارثية على شعبنا ووطننا."

إلا أن نائب رئيس الأركان، الجنرال جون كامبل، والقائد القادم للقوات الأمريكية في أفغانستان، قال في شهادته التي أدلى بها للجنة الخدمات المسلحة في الكونجرس، أنه يشعر بالقلق إزاء العواقب المتوقعة لسحب كافة قوات مكافحة الإرهاب الأمريكية من أفغانستان بنهاية عام 2016، لأن القوات الأفغانية ليست على أدنى قدر من الاستعداد للقيام بهذه المهمة.

وقال إننا "لدينا عامان للعمل على سد الثغرات ونقاط الضعف التي يعاني منها الجيش والحكومة الأفغانيَّين: سلاح الطيران، والمخابرات، والمراقبة، والاستطلاع، والخدمات اللوجستية". وأضاف أن "قوات مكافحة الإرهاب، كما تحدثنا سابقًا، في غاية الأهمية، ليس فقط من أجل باكستان وأفغانستان، وإنما من أجل شعبنا كذلك."

قال كامبل أيضًا أنه إذا انسحبت القوات الأمريكية ولم يكن الأفغان مستعدين بحلول 2017، فإن خطر القاعدة - المضطربة حاليًا- قُرب الحدود الأفغانية الباكستانية، من الممكن أن يعود قويًا كما كان من قبل.

أثناء جلسة الاستماع، قام السيناتور ليندسي جراهام بسؤال كامبل: "إذا لم نستطع الاعتماد على الأفغان والباكستانيين في الدفاع عن الولايات المتحدة من قوى قابلة للتجدد كتنظيم القاعدة، وإذا لم يكن من المستحسن أن نقاتل خارج البلاد، فإنه يبدو لي أن خط الدفاع الذي تتمتع به أمريكا اليوم في طريقه للتلاشي لو لم يتغير شيء. أليس ذلك استنتاج صحيح، جنرال كامبل؟"

أجاب كامبل قائلًا: "بتتبع الخط الذي رسمته يا سيدي، فإن ما قلته يُعَد صحيحًا".

كما قال الجنرال ديفيد بارنو – الرئيس السابق لقوات الناتو في أفغانستان والذي يشغل منصب مدير مشارك لبرنامج الدفاع المسؤول في "مركز الأمن الأمريكي الجديد"– أن الطرق البديلة لقتال القاعدة في أفغانستان، مثل توجيه ضربات من الخارج وتقديم المشورة للشركاء المحليين، هي ببساطة أقل فاعلية من وجود قوات مكافحة الإرهاب على الأرض.

أضاف بارنو أن "فكرة أنك تستطيع إحكام السيطرة على شبكات الإرهاب في أفغانستان في المستقبل، بدون أي تواجد لقوات مكافحة الإرهاب، هي فكرة إشكالية للغاية، حيث أثبتت القاعدة أنها منظمة مرنة بشكل مذهل في مواجهة الضغوط الهائلة التي تعرضت لها من قِبل الولايات المتحدة. وبغض النظر عن قدراتها الآن، فإنها تستطيع النهوض مرةً أخرى."

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب