هل حان وقت حل أزمة فوضى الطاقة في مصر؟

ورقة بحثية

مصر في أمس الحاجة إلى السيطرة على كوابيسها المتعلقة بالطاقة والمالية، لدرجة أن حكومتها الجديدة تقوم بما كان صعبًا تصوره في الماضي: التراجع عن الدعم السخي الذي كانت تقدمه للوقود المحلي، وفتح الباب أمام الغاز الطبيعي المستورد من إسرائيل.

تضرب تلك التحركات عموم المصريين اقتصاديًا، كما تُغضِب أولئك الذين نشأوا على الدعاية المستمرة المعادية لإسرائيل. خلال عطلة نهاية الأسبوع، رفعت مصر فجأة الأسعار المحلية لمنتجات الطاقة، مثل البنزين ووقود السولار، بنسبة 80 بالمائة تقريبًا، وهي خطوة من شأنها رفع أسعار المواد الغذائية أيضًا. كما يتحدث المسؤولون المصريون أيضًا بحرارة عن إسرائيل أكثر مما فعلوا لسنوات. إذ قال وزير البترول شريف إسماعيل للإعلام المصري مؤخرًا أن الصفقات مع إسرائيل "لم تعد من المحرمات"، وبالنظر إلى الأزمة الاقتصادية، فاستيراد الغاز من إسرائيل ليس مدعاة "للحرج". 

بالنظر لكل هذا، تؤكد التحولات في السياسات المتَّبعة كيف وصلت البلاد إلى نقطة الانهيار في جهودها للتغلب على المشاكل الاقتصادية طويلة الأمد، التي إن تركت دون علاج، يمكنها أن تنتهي بنسف الحكومة الجديدة التي عينها وزير الدفاع السابق عبد الفتاح السيسي. ولكن اتخاذ إجراءات لا يخلو من المخاطر، فرفع أسعار الطاقة من شأنه أن يزيد خطر إثارة رد فعل الشعب، أما العلاقات الوثيقة مع إسرائيل فهي أمر حساس سياسيًا في مصر، خصوصًا في الفترة التي تلت عزل مبارك. 

إلا أنه ليس لدى السيسي ومستشاريه الكثير من الخيارات إذا كانوا يريدون معالجة المشكلة ذات الشقين التي يعاني منها اقتصاد مصر، كما العديد من دول المنطقة. لنقولها صراحة، لدى مصر القليل من المال، وأحد أسباب ذلك أنها تصرف ما يزيد عن 10 مليار دولار سنويًا -أو ما يقرب من 10 بالمائة من ناتجها المحلي الإجمالي- في الجهود المبذولة لدعمالوقود الرخيص في البلاد: قبل الإصلاحات الاقتصادية، كانت تكلفة السولار حوالي 70 سنتًا للجالون في مصر، مقابل حوالي 4 دولارات في الولايات المتحدة. في الماضي، كانت مصر تحصل على عائدات من تصدير الغاز الطبيعي إلى أوربا. ولكن الطلب المحلي المتزايد في مصر –وهو الازدياد الذي كان الدعم أحد اسبابه- قد تجاوز الإنتاج، وهذا يعني أنه ليس هناك ما يكفي من الغاز الطبيعي المتبقي لتصديره. 

ترك ذلك محطات تصدير الغاز فارغة، والإيرادات الحكومية متلاشية، وشركات الطاقة الأجنبية مستاءة. وذلك ما يمكن أن يساعد فيه استيراد الغاز من إسرائيل، إذا استطاعت الشركات المعنية التوصل إلى اتفاق على السعر، وإذا وقعت الحكومتان على الصفقة. جلب مصر للغاز الإسرائيلي قد يمكن البلاد من إعادة تصدير الغاز، ولكن جزءًا من هذا الغاز الإسرائيلي من شأنه أيضًا أن يستعمل لخدمة السوق المصرية المحلية. 

زيادة صادرات الغاز مرة أخرى ستأتي بالفائدة لخزائن الحكومة المصرية. ولكن من الناحية السياسية، ومع انقطاع التيار الكهربي المتزايد والمصانع التي تكافح للحصول على الطاقة التي تحتاجها، فتصدير المزيد من الغاز إلى الخارج يمكن أن يسبب المتاعب. لذا فتخصيص جزء من الغاز الإسرائيلي لتغذية السوق المصرية من شأنه أن يهدئ مخاوف سياسية في الداخل، ولكنه قد لا يناسب الشركات كثيرًا، مثل مجموعة "بي جي جروب ﭘـي إل سي" (BG Group PLC) التي عانت بالفعل كثيرًا جراء التراجع في أعمال تصدير الغاز المصري الخاصة بها. 

يوضح احتمال استيراد الغاز من إسرائيل كيف تدهور حال الطاقة في البلاد بشكل كبير في السنوات الأخيرة. ففي أواخر تسعينيات القرن العشرين، بدأت مصر تصدير الغاز الطبيعي المسال (LNG) لعملائها في أوربا، وفي عام 2008 بدأ تصدير الغاز الطبيعي إلى إسرائيل. وتوقفت فجأة تلك التجارة عام 2012، بسبب انخفاض إمدادات الغاز المصري، وارتفاع حدة التوتر بين إسرائيل ومصر بعد ثورة عام 2011 التي أسقطت الديكتاتور السابق حسني مبارك. 

بلغ إنتاج وصادرات الغاز الطبيعي المصري ذروتهما عام 2009، وتراجع الإنتاج منذ ذلك الحين باطّراد، وقد ساعد ارتفاع الطلب المحلي على خفض الصادرات بأكثر من النصف خلال السنوات الخمس الماضية. إن مصر في أمس الحاجة إلى الغاز الذي صدرته مؤخرًا، لدرجة أنها تأمل في بناء محطة عائمة على البحر الأحمر لاستيراد الغاز الطبيعي المسال عالي التكلفة. في الوقت نفسه، تنشغل إسرائيل بالغرف من حقول النفط والغاز البحرية الشاسعة الخاصة بها، وتأمل في أن تصبح مُصَدِّرًا كبيرًاٍ للطاقة في المنطقة، بحيث تكون مصر عميلة طبيعية لها. 

في الأسبوع الماضي، وقعت "بي جي" -وهي شركة غاز بريطانية كبرى- خطاب نوايا مع الشركات التي تقوم بتشغيل حقل لِفياثان الإسرائيلي الكبير لنقل الغاز عبر خط أنابيب تحت البحر إلى مصر. تلك الصفقة الأولية، والتي قد تصل قيمتها إلى 30 مليار دولار على مدى 15 سنة، من شأنها مساعدة "بي جي" في الحصول على الكثير من الغاز الذي تحتاجه لتشغيل محطة التصدير الخاصة بها على الساحل المصري، حيث يتم تحويل الغاز الطبيعي إلى غاز طبيعي مسال بغرض التصدير إلى أوربا. يأتي هذا بعد أقل من شهرين من إعلانالشركاء في حقل غاز إسرائيلي آخر-وهو تمار- عن خطاب نوايا مماثل لشحن الغاز إلى منشأة غاز طبيعي مسال أخرى في مصر. (تساعد شركة نوبل للطاقة كلا الحقلين الإسرائيليين في استخراج الغاز.) 

لكن صادرات الغاز الإسرائيلي إلى مصر ليست أمرًا محسومًا. فعلى كلا الحكومتين أن توقعا أي اتفاق، كما أن شروط التسعيرة النهائية لا تزال بحاجة إلى تحديد. إلا أن الحكومة المصرية تبدو مرتاحة بشكل كبير مع فكرة الاعتماد بشكل جزئي على الطاقة الإسرائيلية للحفاظ على اقتصادها واقفًا على قدميه -ما دام يتم الاحتفاظ ببعض من الغاز للاستخدام المحلي. وقد صرح أحد مسؤولي البترول في الحكومة المصرية لصحيفة وول ستريت جورنال بأن "الأمور مختلفة في مصر الآن، ونحن لا نرى أي مشكلة في هذه الصفقة إذا كانت ستعود على البلاد بالفائدة."

تقول لورا القطيري، المتخصصة في شؤون الشرق الأوسط والباحثة بمعهد أكسفورد لدراسات الطاقة في لندن، أن عقد اتفاق مع إسرائيل هو أمر منطقي لكلا البلدين. "لا توجد وسيلة أرخص للحصول على الغاز في الوقت الراهن في مصر." 

على أي حال، من المحتمل ألا يتم استيراد الغاز الإسرائيلي حتى الانتهاء من خطوط أنابيب جديدة في وقت لاحق من هذا العقد. وعلى المدى القصير، سيكون لإصلاح دعم الطاقة أكبر تأثير فوري، وكذلك أكبر المخاطر. 

جاء الارتفاع الذي يقدر بـ80 في المائة في أسعار البنزين والسولار بعد أيام فقط من بدء الحكومة المصرية رفع سعر الكهرباء تدريجيًا. في الحقيقة، حتى بعد ارتفاع الأسعار، لا تزال أسعار الطاقة منخفضة بشكل كبير في مصر −على سبيل المثال، لا يزال ثمن وقود السولار أقل من 1 دولار للجالون بعد الزيادة. ولكن قرار الحكومة أدى إلى تذمر الناس في الشارع حول زيادة سعر وسائل النقل العام وتكاليف الوقود للشركات الصغيرة. وهناك أيضًا مخاوف من أن ارتفاع تكاليف الطاقة سيؤدي -من خلال النقل والزراعة- إلى رفع أسعار الغذاء. هذا وكانت زيادة تكلفة الخبز أحد شرارات ثورة 2011. يوضّح قبول الحكومة لتلك المخاطرة مدى التدهور الذي وصل له وضعها المالي.

قال ماثيو ريد، نائب رئيس "فورين ريبورتس،" وهي شركة استشارية متخصصة في القضايا التي تخص نفط الشرق الأوسط: "كان على مصر إما ضرب الفرامل بنفسها، أو أن ترتطم بالحائط. كانت تلك هي الخيارات المطروحة. وقد قرر السيسي ضرب الفرامل."

وأضاف إن خطوة السيسي الجريئة تتناقض مع الحذر الذي تعامل به الرئيس السابق محمد مرسي، الذي -رغم أنه سياسي إسلامي منتخب شعبيًا- لم يجرؤ حتى على رفع ما يسمى بـ"ضرائب المحرّمات" على السجائر والكحول. أما السيسي، الذي يعرف بتناوله الكحول مع كبار الشخصيات الزائرة الأمريكية، ففعل ذلك على الفور تقريبًا بعد توليه السلطة. 

قال ريد: "يمتاز السيسي الآن بأنه قام بما يجب القيام به"، وقد تفتح الإصلاحات الوليدة الباب أمام مصر لتلقي قرض الـ4.8 مليار دولار من صندوق النقد الدولي الذي تعطل كثيرًا، والذي تحتاجه بشدة لسد فجوة الميزانية التي تلوح في الأفق. يصر صندوق النقد الدولي أن على مصر إجراء إصلاحات اقتصادية أساسية، بما في ذلك الحد من دعم الطاقة المتفشي. 

سيصبح التأثير الكامل لتقليص دعم الطاقة أكثر وضوحًا خلال فصل الصيف، عندما يزيد توتر المصريين من انقطاع الكهرباء −والذي يسببه جزئيًا النقص المحلي من الغاز الطبيعي− مما يؤدي إلى انقطاع التيار عن مكيفات الهواء، وأجهزة التلفاز، والمراوح الكهربية. وتضيف لورا القطيري أن الانتصار الانتخابي الباهر الذي حققه السيسي يمكن أن يحميه من رد فعل الشعب السيء، وربما يجعل الانتصار من هذا الوقت الأقل سوءًا لبدء إصلاحات مؤلمة ولكنها ضرورية. 

وتؤكد أنه "لم يفعل ذلك لاعتقاده أنها ستلقى شعبية، بل لأنه لم يبقى الكثير من الوقت لفعله."

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب