أول مئة يوم للسيسي

مقال رأي

أتم الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي المئة يوم الأولي له في منصبه في سبتمبر وسط ازدهار دبلوماسي. فقد وجه خطابه للجنة العامة للأمم المتحدة بنيويورك وقابل الرئيس باراك أوباما للمرة الأولي فيما يمكن وصفه بنقطة تحول في العلاقات المتجمدة بين الولايات المتحدة ومصر. إلا أن الكثير من الأمور معلق على الأشهر القليلة القادمة وكيف ستواجه مصر التحديات العديدة التي تواجهها علي أراضيها وفي المنطقة.

عاد السيسي إلي بلاده بنفس القائمة من التحديات التي واجهها قبل الرحلة: الحاجة لإحداث نمو اقتصادي لخلق فرص عمل، ومجموعة من التهديدات الأمنية المحلية والأجنبية، وصراع البلاد علي السلطة في وسط عملية سياسية انتقالية غير مكتملة. ربما كان الإنجاز الأكبر للسيسي منذ توليه منصبه هو قدرته علي الإبقاء علي تحديات مصر الوافرة من التحول إلي أزمات شاملة. لكنه فعل ذلك دون تقديم خطة طويلة المدى، مستدامة لمستقبل البلاد الاقتصادي والسياسي.

إن التحديات الاقتصادية، الأمنية، والسياسية متشابكة، وستكون كيفية إجتياز السيسي لهم أمرا محوري لكل من شرعيته السياسية في بلاده، ومقدار الدعم الذي يستطيع بناه والحفاظ عليه من خارج البلاد، بما فيه الدعم الذي يتلقاه من الولايات المتحدة. تبدو الولايات المتحدة مستعدة لفتح فصل جديد في العلاقات الثنائية، لكن تقدم ذلك يعتمد بشكل كبير علي إذا ما كانت مصر ستصنع خيارات تضعها في موقع الشريك الذي يمكن الاعتماد عليه، والقادر علي مواجهة تحدياته وبناء أساس مستقر لمستقبل البلاد.

التحدي الأكبر: الاقتصاد

إن نجاح أو فشل الرئيس السيسي في تقوية الاقتصاد المصري سوف يؤثر علي كل من الموقف الأمني الضعيف والتحول السياسي الغير مكتمل. والاقتصاد هو الساحة التي اتخذ فيها السيسي خطوات واسعة؛ والتي حظي العديد منها "بتشجيعات حذرة من اقتصاديين."

اعطت تخفيضات السيسي لدعم الوقود مقدارا من الثقة للمستثمرين الذين ترغب مصر في جذبهم في مؤتمر المانحين القادمين. أدي خفض الدعم إلى ارتفاع في سعر الوقود بمقدار 78 بالمئة – وهي خطوة تامل من خلالها الحكومة أن تخفض عجز الموازنة بمقدار 2.5 بالمئة من إجمالي الناتج المحلي. واتخذ السيسي أيضا خطوات لإصلاح أنواع أخري من الدعم: حيث يتم الآن استخدام كروت ذكية تساعد في خفض الفاقد عبر مراقبة استهلاك السلع المدعومة مثل الخبز والوقود. لكن التضخم، والذي وصل بالفعل إلي 11 بالمئة، مستمر في الصعود. الأكثر تضررا هم نسبة 65 بالمئة من المصريين الذين يعيشون علي ٤ دولارات يوميا أو أقل. إن إصلاح الدعم لهو عملية سياسية بشدة، والتي أدت إلي مظاهرات شعبية في الماضي.

أزمة الطاقة في البلاد هي تحدي آخر كبير. تحركت الحكومة الجديدة نحو إعادة دفع الدين المستحق لشركات الطاقة الأجنبية مثل "بريتيش بيتروليوم" و"أباتشي،" متطلعة نحو توسيع الاستكشاف وزيادة الإنتاج من هذه الشركات. لكن الحكومة اقترضت من البنوك لفعل ذلك، وهي حركة خطيرة في ضوء ترتيب مصر رقم ١٩ عالميا بين الدول الأكثر مديونية. سيكون تضخم مصر السنوي أعلي بخمس نقاط مئوية علي الأقل دون مساعدة من دول الخليج. لكن تدفق المساعدة من الخليج لا يستطيع أن يواكب شبكة كهرباء مصر المتهالكة، تظل انقطاعات الكهرباء الحادة حقيقة حياتية في أنحاء مصر. في أوائل سبتمبر، حدث إنقطاع كامل للكهرباء في القاهرة لعدة ساعات أثناء قمة وقت الذروة، وهي أزمة اعتبرها السيسي خطيرة كفاية لمخاطبة الأمة وحثهم على الصبر. 

أدت مشكلات الطاقة والدين العام في مصر إلي التشكيك في مسعي السيسي الذي سيتكلف عدة مليارات من الدولارات لتوسيع قناة السويس. والذي يفترض اكتماله في وقت ما خلال السنوات القليلة القادمة، تأمل الحكومة أن "قناة السويس الجديدة" سوف تساعد في مضاعفة الدخل الناتج عن الممر المائي. وفي عرض مبهر للتعبئة، جمعت الحكومة ٨.٧ مليار دولار في ثمانية أيام عبر شهادات مغرية تقدم عائد ١٢ بالمئة. رغم ذلك تظل التسائلات حول كفاءة وتوقيت المشروع. لكن عند اكتماله، قد توفر القناة الموسعة فرصا جديدة للمجتمع الدولي لإعادة تقييم إطار ترتيبات مساعداتها الاقتصادية لمصر.

تلك الجهود نحو إصلاح الدعم والاستثمار في الدين، والطاقة، والبنية التحتية هي فقط خطوات أولى فيما يجب أن يكون إصلاح ضخم وطويل المدي للاقتصاد المصري، والذي لم يلب توقعاته لعقود ويتطلب استثمارات ضخمة خاصة وعامة لإيجاد فرص عمل. وبدخول عدد ضخم من الشباب إلى سوق العمل في العقد القادم، تحتاج مصر لإيجاد فرص عمل كافية لتوظيف حوالي ٨٥٠٠٠٠ وافدين جدد لسوق العمل كل عام لتحافظ علي نفسها.

بيئة أمنية غير مستقرة وغامضة

بالمقارنة بالاضرابات التي تجتاح أنحاء عدة أجزاء من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا – متضمنة البلدان المجاورة مثل ليبيا – ظلت مصر مستقرة إلي حد ما. لكن معركة مصر ضد الميليشيات لا تزال أمامها الكثير.

يستمر لاعبون جهاديون جدد – مثل مجموعة أجناد مصر – والذين يعملون في نطاق العاصمة القاهرة في الافلات من السلطات. ترفع الهجمات الإرهابية الأخيرة في صحراء مصر الغربية من المخاوف حول التهديد النابع من ليبيا المنهارة. أحرزت الحكومة المصرية بعض التقدم ضد جماعات الميليشيات، ومن بينهم أنصار بيت المقدس، لكن صدور تقارير أخيرة حول التنسيق بين أنصار بيت المقدس والدولة الإسلامية في العراق والشام، أو داعش، قد أثارت قلقا. ويقدر أن آلاف المصريين يحاربون بالفعل في صفوف داعش، وقد دعا المتحدث باسم المجموعة مؤخرا لتنفيذ هجمات في مصر.

في المئة يوم الأولي له، جعل الرئيس السيسي الأمن أولوية عليا لديه. لكن يبقي أن نري إذا كانت مصر ستنفذ إصلاحا شاملا لمؤسساتها الأمنية، متضمنة الشرطة وقطاعات العدالة، وهو أمر جوهري في المعركة ضد التطرف. ويتطلب قتال فعال ضد المجموعات الإرهابية تدريب علي مكافحة الإرهاب والتمتع قدرات شرطية، وهي ما تفتقده بشدة عدة مؤسسات أمنية مصرية. ويمثل برنامج المساعدة الأمنية الأمريكي الحالي والذي يولي أهمية خاصة للمعدات العسكرية المعقدة – المناسبة أكثر لحرب تقليدية – فرصة ضائعة لمساعدة مصر في استعادة القانون والنظام والتعامل مع التهديدات الجديدة التي تشكلها المجموعات المتطرفة. علاوة علي ذلك، فإن المبالغة من المؤسسات الأمنية وسجن الحكومة المصرية لعدة أفراد من غير المرجح أن يحسن الوضع الأمني. كما أن وجود تركيز قوي علي إصلاحات جوهرية في الشرطة، والقانون والعدالة، وقطاعات الحكم، هو أمر مطلوب. إلى جانب الحاجة إلى تعاون أمني وبرامج مساعدة مع دول أخري لجعل تلك القطاعات أهمية عليا من أجل مساعدة مصر في التعامل مع عدم الاستقرار الداخلي.

إن بعض تحديات مصر الأمنية متصلة مباشرة بتحديات إقليمية – خاصة الاضطراب المجاور في ليبيا والموقف الأمني الغامض في شبه جزيرة سيناء وقطاع غزة. اتخذت مصر تحت حكم السيسي، بعض الخطوات نحو مواجهة تلك التحديات، لكن تلك الجهود تظل غير مكتملة. في ضوء التحديات الضخمة التي تواجهها مصر داخليا، يظل محل تسائل إلى أي حد تستطيع مصر المساعدة في القتال ضد داعش. لكنه من الواضح أن مصر تحتاج لفعل المزيد لتأمين حدودها المباشرة، والذي يعني جهد أقوي نحو تحسين مراقبتها للحدود.

التحول السياسي المصري غير المكتمل

تظل مصر مقيدة داخل صراع داخلي بين مراكز عديدة للقوى والتي ظهرت بعد الإطاحة بالرئيس مبارك في فبراير ٢٠١١. استخدم الرئيس السيسي أول مئة يوم له لتعزيز سيطرته الخاصة علي مؤسسات الحكومة وتقوية سلطته. تبقي أسئلة كثيرة حول بذل جهد أوسع لوضع أساسات سياسة وظيفية، والحوار المفتوح، والتعددية. ويمثل ذلك تحديا خاصا في دولة مازالت يسيطر عليها استقطاب عنيف ونقص العمق في الحوار السياسي. كما يوضح الأمر السياسي العلماني جورج إسحاق، كانت مصر تمر بفترة "خالية من السياسة" منذ انتخاب السيسي.

بعد أكثر من ثلاث سنوات من بداية التحول السياسي المصري، يظل الحوار الوطني عديم الجدوي، إن قادة مصر منفصلون بشكل كبير عن حاجات ومصالح المصريين العاديين. تقدم الانتخابات البرلمانية القادمة، والمتوقعة في بداية العام القادم، فرصة أخري للقادة والأحزاب السياسية لتنظيم وخلق نطاق من الأصوات لتمثيل المصالح العديدة المختلفة للمجتمع المصري الأوسع. لكن الأمثلة المبكرة لجودة وطبيعة الخطاب المحيط بالانتخابات القادمة ليست مشجعة.

المشهد السياسي المصري الجديد غير مكتمل وأكثر فوضوية من أي وقت مضي. الأحزاب السياسية ضعيفة والفصائل تتنافس لتكون مراكزا للقوة بعيدا عن الجيش وهو ما يقيدها بشكل صعب. زاد عدد الأحزاب فعليا منذ ٢٠١١: حوالي ٨٠ مقيدين، ويتم تكوين العشرات غيرهم.

لكن بعد الإطاحة بالرئيس مرسي في ٢٠١٣، فشل المصريون غير الإسلاميون في تنظيم أنفسهم أو أفكارهم. العديد منهم غارق في خلافات تافهة حول أسماء التحالفات والأولوية علي قوائم الانتخابات. تلك التحالفات السياسية الناشئة لديها اختلافات عادية في رؤيتهم الفكرية لمستقبل مصر. علاوة علي ذلك، فإن قوانين الإنتخابات البرلمانية المصرية الجديدة في مصلحة المرشحين المستقلين؛ ٧٨ بالمئة تقريبا من العدد الكلي - ٥٤٠ عضو- سيتم تخصيصه للمستقلين الذين يخوضون الانتخابات في دائرة ذات عضو واحد.

وبالتالي فقد ظهرت حتي الآن ثلاثة تحالفات انتخابية: تحالف الوفد المصري، التيار الديمقراطي، تحالف الجبهة المصرية. الاثنين الأوائل علمانيين بشكل كبير، ويدعمون المبادئ الديمقراطية لثورة ٢٥ يناير، لكن الأحزاب نفسها مازالت مختلفة علي كل شئ آخر بشكل جوهري. من جانبه، لا يخفي تحالف الجبهة المصرية احتوائه لأعضاء سابقين من الحزب الوطني الديمقراطي المحظور حاليا والخاص بمبارك. ولا يخفي أيضا معارضته لثورة ٢٥ يناير. تدين الجبهة المصرية منافسيها بوصفهم بأنهم "معادون للدولة" – متضمنين مجموعات رائجة مثل حزب الدستور الليبرالي والذي أسسه الحاصل علي جائزة نوبل محمد البرادعي.

في هذا السياق، تتشكل انتخابات ٢٠١٥ البرلمانية لتمثل منافسة أساسية علي السلطة، بدلا من المنافسة على الأفكار. ونتيجة لذلك، ستكون نتيجة الحملة البرلمانية علي الأرجح العودة إلي الماضي، عندما تم استخدام الفصائل المتنافسة ضد بعضها البعض دون أن يمثلوا مواقف واضحة أو برامج انتخابية. الآفاق السياسية لبرلمان يمارس الشكل القديم للسياسة المصرية غير مبشر بالنسبة لأنواع من الإصلاح التشريعي والذي تحتاجه البلاد بشدة.

الحاجة لمناقشة حقوق الإنسان والحكم الجامع لجميع الأطياف السياسية

تستمر الحكومة في تقييد المساحة السياسية في حملتها لإسكات نشطاء المجتمع المدني وحقوق الإنسان، والاعتقالات تتصاعد. تتضمن واحدة من الحالات الأكثر إثارة للجدل محاكمة نشطاء بارزين لتحديهم قانون التظاهر الجديد. اتخذت الحكومة تلك الإجراءات بشكل ظاهري باسم الاستقرار، لكنها بدلا من ذلك أغرقت نفسها في حملة مكلفة سياسيا ضد نشطاء غير عنيفين. يقضي العديد من هؤلاء النشطاء أحكام طويلة بالسجن في ظروف سيئة وقد لجأوا للإضراب عن الطعام لرفع الوعي. ويهدد ذلك بإثارة مجموعات شبابية والذين قد تؤدي عودتهم للتظاهر للمزيد من عدم الاستقرار في البلاد.

لم يظهر الرئيس السيسي بعد رغبة في اتخاذ خطوات جريئة لتخطي المأزق السياسي مع الإخوان المسلمين. لكن في نفس الوقت، لم تشير الأصوات المتبقية من الإخوان المسلمين لأي رغبة في المشاركة في البيئة السياسية الجديدة التي ظهرت تحت حكم السيسي. وتستمر المواجهة مع الإخوان المسلمين، لكن الحركة منقسمة وينقصها الدعم الشعبي الواسع بعد سقطاتها في السلطة.

استنتاج

تقترب مصر من الذكري الرابعة لتحولها، وقد ثبت إحساس ضعيف بالاستقرار – خصوصا بالمقارنة بالثلاث سنوات الماضية لمصر أو بالأحداث المضطربة التي تحدث الآن في سوريا، العراق، ليبيا، واليمن. لكن عوامل مصر الإقتصادية، الأمنية والسياسية الأساسية مقلقة. 

يتطلب الاقتصاد إصلاحات كبيرة لجذب المستويات المطلوبة من الاستثمار الخاص والأجنبي لخلق فرص عمل كافية لبناء تأسيس جديد للنمو الاقتصادي. ويظل الموقف الأمني غامضا، مع ظهور أنواع جديدة من التهديدات واحتمالية امتداد عدم الإستقرار من المنطقة إلي أكبر دولة في العالم العربي. وأخيرا، تظل بيئة مصر السياسية منقسمة ومستقطبة بشدة: فالأصوات المتعددة التي ظهرت منذ 2011 باقية إلي حد كبير، لكن النظام بصورة شاملة يبدو غير قادر علي دمج تلك الأصوات بشكل ملائم ولا يبدو مستعدا لفتح مسار لحكم أكثر على جمع مختلف الأطياف السياسية.

تظل كذلك العلاقات بين مصر والولايات المتحدة علي أساس غير مستقر. يمكن للقاء بين الرئيسين أوباما والسيسي أن يتنبئ بفصل جديد، لكن الكثير من هذا يعتمد علي كيفية معالجة مصر لتلك التحديات الاقتصادية، الأمنية، والسياسية الكبيرة. في الوقت الذي ترغب فيه الولايات المتحدة في شركاء قادرين ويمكن الاعتماد عليهم في منطقة تعاني من التطرف، ونزاعات إثنية وطائفية متعددة المستويات، وتحديات مستمرة من إيران، ستشهد مصر زيادة دورها الإقليمي القيادي.

لكن بالنسبة للآن، تبنت إدارة أوباما أسلوب الانتظار والترقب نحو مصر. لقد سمحت بإعادة بدء بعض برامج المساعدة الأمنية، لكنها تعلق صور أخري من المساعدة. كان يقصد باجتماع أوباما مع السيسي إرسال رسالة بأن الولايات المتحدة جاهزة لإعادة مشاركة مصر وبناء أساس جديد للعلاقات الثنائية علي شروط جديدة أكثر تحفظا. من المحتمل حدوث حوار جديد بين البلدين والذي يتضمن حوارا استراتيجيا يضع شروطا جديدة وبناءة للعلاقة.

لكن ذلك الأساس الجديد لن يبدأ علي الأرجح مالم يتخذ السيسي المزيد من الخطوات لمعالجة المشكلات التي تواجه البلاد. تقدم المئة يوم الأولي للرئيس السيسي إشارات مختلطة جدا بالنسبة إلى إذا كانت مصر قادرة علي إنقاذ نفسها من أن يتم تركها خلفا ويمكن أن ترسم مسار لإعادة الظهور كقائد إقليمي.

ستكون المئة يوم القادمة محورية بقدر المئة يوم الماضية.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب