اخفاق الاستراتيجية الأمريكية في حرب "الدولة الإسلامية"

مقال رأي

رغم أنه من السابق لأوانه القول بأن استراتيجية الولايات المتحدة لمواجهة "الدولة الإسلامية" تخفق، فإن التساؤل عما إذا كان هذا جائزا لا يعد مبكرا. وفي الواقع، فإنه ليس من الواضح إذا الاستراتيجة الأمريكية الأصلية قد خططت أبدا للتعامل مع التعقيدات التي نشأت منذ الوقت الذي أعلن فيه الرئيس أوباما جزءا مما كان يجب أن تكون عليه تلك الاستراتيجية فعليا.

عدم وجود استراتيجية للتعامل مع "الدولة الإسلامية"

بادئ ذي بدء، إن سخرية دائمة كانت تتاخم الهدف الأساسي بإنهاك وتدمير "الدولة الإسلامية". فقد كان دوما واضحا أن صيغة ما من التطرف الإسلامي العنيف من شأنها أن تتجاوز أي شكل للعمل المشترك بين الهجمات الجوية الأمريكية والجهود العراقية لتطهير العراق على الأرض والإمكانات المحدودة للجيش السوري الحر. وفي الواقع، لقد أوضح كبار مسئولي الدفاع والضباط العسكريون ذلك بشكل متكرر من خلال قصر الهدف على "الإنهاك" والإشارة إلى أن المعركة ضد التطرف الديني العنيف من شأنها أن تستغرق أعوما إن لم يكن أكثر من عقد كامل.

وقد جعلت البيانات الأمريكية لمكافحة الإرهاب الطبيعة الممتدة لهذه المعركة واضحة جلية وإن لم يظهر ذلك حقيقة أن الولايات المتحدة تعمل مع حلفائها الإقليميين للتعامل مع حركات التطرف في كل البلاد التي تقطنها أعداد كبيرة من المسلمين تقريبا. ومثلما كانت اللحظات السيئة في فترة الإصلاح المسيحي ومواجهة هذا الإصلاح، فإن هذه المعركة تتجاوز أي دولة أو حركة بعينها.

وتظهر قاعدة بيانات التقارير الصادرة مؤخرا عن وزارة الخارجية بشأن الإرهاب تزايدا في الحوادث الإرهابية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ليرتفع عددها من أقل من 300 حادثة أساسية في العام الواحد، في الفترة بين ١٩٩٨ و٢٠٠٤، إلى ١٦٠٠ حادثة عام ٢٠٠٨، ومن ١٥٠٠ حادثة عام ٢٠١٠ إلى ١٧٠٠ عام ٢٠١١ و٢٥٠٠ عام ٢٠١٢ و ٤٦٥٠ عام ٢٠١٣ – زيادة بخمسة عشر ضعفا منذ عام ٢٠٠٢، وثلاثة أضعاف منذ ٢٠١٠. ورغم ذلك، فإن ما أسوأ من هذه النسب هو أن أشد حالات الإرهاب كانت خارج المنطقة، وفي باكستان وأفغانستان.  

وقد كشفت دراسة صدرت مؤخرا عن "رند" عن زيادة بنسبة 58 بالمائة في عدد الجماعات السلفية الجهادية في الفترة من 2010 وحتى 2013، كما أن عدد السلفيين الجهاديين وصل إلى أكثر من الضعفين في الفترة ذاتها، وفقا لكل من تقديراتها العالية والمنخفضة. وعلاوة على ذلك، من أجل كل المخاوف الأمريكية والغربية بخصوص الإرهاب، فقد وجدت "رند" أن "99 بالمائة تقريبا من الهجمات التي شنتها القاعدة والمجموعات التابعة لها عام ٢٠١٣ كانت ضد ‘العدو القريب‘:" أي المسلمين الآخرين في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بالأساس.

لا يجب أن يتجاهل أحد أن "الدولة الإسلامية" تشكل تهديدا كبيرا. فقد كشفت "راند" عن زيادة ملحوظة في الهجمات التي شنتها المجموعات التابعة للقاعدة في الفترة بين عامي ٢٠٠٧ و٢٠١٣، رغم أن معظم أحداث العنف في العام ٢٠١٣ كانت راجعة إلى الدولة الإسلامية (٤٣ بالمائة) التي انفصلت عن القاعدة لاحقا. ومع ذلك، فإن المجموعات الأساسية الأخرى كانت تابعة للقاعدة؛ حركة الشباب المجاهدين (٢٥ بالمائة) وجبهة النصرة (٢١ بالمائة) والقاعدة في شبه الجزيرة العربية (١٠ بالمائة).

وتجدر الإشارة أيضا إلى أنه حتى إذا لم تستطع "الدولة الإسلامية" الاستمرار ككيان في كل من سوريا والعراق، فإن التقديرات الاستخباراتية لأحد الحلفاء العرب تزعم بوجود نحو ثلاثين فصيل متمرد في سوريا، وأكبر هذه الفصائل وأوسعها نفوذا هي التنظيمات الإسلامية المتطرفة. ويحصي بعض الخبراء الأمريكيون قائمة تتجاوز سبعين فصيل ومجموعة فرعية متمردة. ومع ذلك، فإن كلا المصدرين يتفقان على أن أقرب هذه المجموعات إلى الصعود، إذا ما انهارت "الدولة الإسلامية" في أي وقت، هي "جبهة النصرة"، التابعة لتنظيم القاعدة.

ويعني هذا، بتعبيرات بسيطة، أنه حتى في حالة "انهيار"، وليس "إنهاك"، "الدولة الإسلامية"، فإن استراتيجية تستند إلى ذلك الهدف – في مقابل صياغة استراتيجية شاملة وتأسيس مجموعة من الشراكات الهادفة إلى مواجهة التطرف الديني العنيف – لا تعني أي شيء حتى في سوريا، ويصبح الأمر أكثر لامعقولية عندما يتعلق بقوة عالمية – لاسيما تلك التي تخوض فعليا معارك عسكرية أخرى ضد حركات مثلها في أفغانستان وباكستان والصومال واليمن. إن لدينا، في اللحظة الراهنة، استراتيجية جزئية – إن لم يكن لدينا استراتيجية من الأساس – حتى عند مواجهة عدونا المعلن، ولا توجد استراتيجية واضحة لما أسميناه يوما "الحرب على الإرهاب"، حيث تشير كل المعايير إلى أننا لسنا على طريق الانتصار.

فإننا لسنا فقط بحاجة إلى إيضاح كل جزئية مما نحاول فعليا القيام به في العراق وسوريا لمحاربة "الدولة الإسلامية"، وإنما نحتاج أيضا إلى الانطلاق من تعريف أنماط عالمية للإرهاب، والانخراط في المعركة الحالية بمجموعة واضحة من الأولويات والشراكات المعرفة بدقة مع الدول الإسلامية وغيرها من الدول الهامة، وخلق استراتيجية عالمية من شأنها تحديد شكل الإجراءات الواجب اتخاذها وحجم الموارد اللازمة لتنفيذ هذه الإجراءات ومعايير صادقة لقياس التقدم – وهي الأشياء التي لم نقم بأي منها بكفاءة على مدار عقد من الزمان منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر.

عدم وجود استراتيجية للتعامل مع سوريا

للإنصاف، لقد كان معظم أولئك الذين وضعوا استراتيجية التعامل مع "الدولة الإسلامية" مركزين اهتمامهم على العراق، ومن المؤكد أنهم ظنوا أنهم كانوا يستيطيعون فصل حملة إنهاك "الدولة الإسلامية" وطردها خارج المناطق المأهولة في العراق عن أية أهداف كبيرة في سوريا، سواءا لهزيمة الأسد أو لخلق قوة مؤثرة من بين معتدلي المتمردين.

ونظرا للقيود الصارمة على حجم واستخدام القوة الجوية، باعتبارها عامل يساعد ويعزز الوجود على الأرض، علاوة على القرار الاستراتيجي الواقعي المبكر بترك الأزمة السورية تتفاقم، فمن المعقول بدرجة ما أن نتحدث عن مستوى رمزي من التدريبات الجديدة التي تلقاها نحو خمسة آلاف من المتمردين السوريين كل عام، وكميات الأسلحة غير المعروفة والتمويل، وتجاهل سوريا باستثناء جهود الإغاثة الإنسانية والتعاون الأفضل مع الحلفاء العرب الأساسيين كالأردن والسعودية والإمارات. 

ولكن لم يجد أي من ذلك، فالولايات المتحدة لم تقدر الدرجة التي استطاعت بها "الدولة الإسلامية" استغلال القضايا الإنسانية في سوريا، مثل الأيزيديين والأكراد. ويبدو أنها فهمت بالكاد ما أدركته "الدولة الإسلامية" بوضوح شديد: تركيز حكومة أردوغان في تركيا على تدمير الأسد واستعدادها للتعامل مع المتطرفين الإسلاميين من السنة مثل "الدولة الإسلامية". ويبدو أن الحكومة التركية قد نسيت كيف كان عادة من السهل على الأجانب استغلال الفصائل الكردية، وكيف أن حجم المعاناة والتمييز الحقيقيين اللذين يواجههما الأكراد كفيلان بإشعال حماستهم.

والنتيجة النهائية هي فوضى استراتيجية، فقوات الأسد تستغل الحملة التي تشنها الولايات المتحدة وحلفاؤها على "الدولة الإسلامية" للمضي بخطوات متقدمة في ضرب المتمردين الآخرين من خلال الغارات الجوية التي بلغت نحو مائتي غارة في العشرين من أكتوبر. والأتراك حصروا بين مشكلتهم الكردية والتهديد المتمثل على الأكراد العراقيين والسوريين، فسعوا إلى فرض منطقة عازلة وناشدوا الولايات المتحدة بتصعيد دورها في سوريا ضد الأسد، بينما اكتشفوا أن "الدولة الإسلامية" تستطيع استغلال تركيا بشكل أكثر فعالية بكثير مما تستطيع تركيا استغلالهم به.

وقد تحولت الحملة الجوية الأمريكية إلى فوضى مشتتة، فالولايات المتحدة قد وجهت الموارد المحدودة للهجمة الجوية للتركيز على سوريا وعلى جيب كردي سوري صغير ومعزول ولا قيمة عسكرية له في كوباني على حساب دعم القوات العراقية في الأنبار وتكثيف الحملة الجوية ضد أهداف "الدولة الإسلامية" الأخرى في سوريا. وبحلول العشرين من أكتوبر، كانت الولايات المتحدة قد شنت 310 غارة جوية في أكثر من شهرين ونصف من النشاط الجوي في العراق، و٢٣١ غارة في سوريا. ورغم أنها بدأت غاراتها في العراق في الثامن من أغسطس، فقد صعدت هجماتها الجوية الأساسية على "الدولة الإسلامية" وعناصر القاعدة في سوريا في الفترة بين الثاني والعشرين من سبتمبر وحتى  الثالث من أكتوبر، ثم سمحت للأزمة الكردية في كوباني بالسيطرة على مشهد الحملة الجوية بعد الخامس من أكتوبر.

ورغم ذلك، فإن هذه الحملة الجوية، التي توضح بياناتها القيادة المركزية الأمريكية، حملة متناهية في الصغر ونادرا ما بلغت خمس وعشرين ضربة، في اليوم الواحد في كل من العراق وسوريا، ضد "الدولة الإسلامية" التي يزداد تناثر عناصرها وتصبح أكثر قدرة على الاحتماء بالمناطق المأهولة بالسكان، مستخدمة الدروع البشرية بغير تحفظ. لقد قامت الحملة الجوية، في المتوسط، بما هو أقل من عشر غارات في اليوم الواحد في كلا البلدين، وكانت هذه الضربات، في أفضل الأحوال، أكثر فعالية في ضرب المركبات القتالية الواضحة كونها مرئية ومعزولة بما يكفي كي تصبح أهدافا سهلة – وإن كان ذلك في ظل ظروف تجعل تكلفة الضربة الجوية أعلى بكثير من أهمية الهدف الذي تضربه.

ووفقا لتحليل "بي بي سي" لبيانات القيادة المركزية الأمريكية، فقد نجمت الهجمات عن ضرب ثلاثمائة مركبة قتالية خلال الثامن من أكتوبر، ولكن تم توجيه خمس وعشرين ضربة فقط لمقاتلي "الدولة الإسلامية" الظاهرين. علاوة على نحو عشرين ضربة لمعامل التكرير وخمس وسبعين لمواقع إطلاق النيران وخمس وثلاثين للقواعد والمقرات المختلف وخمس وثلاثين لنقاط التفتيش والحاميات ومعسكرات التدريب. ولا يعمل إصدار قسم العلاقات العامة بالقيادة المركزية الأمريكية لبيانات يومية بخصوص نجاحاتها في إطار الأثر الكلي الواقع على كل من "الدولة الإسلامية" والعراق على صنع فارق كبير في الوصول إلى الغرض الأصلي.

إلا أن ذلك لا يشرح الأسباب الجذرية لما أشار إليه راجيف تشاندراسيكارن، في تقريره المنشور في واشنطن بوست في الثالث والعشرين من أكتوبر، من أن مهمة تدريب قوات معتدلة من المتمردين السوريين تهدف إلى بإنهاء تدريب قوة قوامها خمسة آلاف أخرى من المتمردين في المملكة العربية السعودية للدفاع عن الوطن في المناطق التي تخضع بالفعل لسيطرتهم. حقا! دفاع ضد من إذن؟ قوات الأسد أم قوات المتمردين الآخرين؟ وهل سيكون ذلك في جيوب معزولة بغير خطة تكتيكية واضحة للدفاع، وبدون هدف استراتيجي أو فرصة في بسط السيطرة على سوريا ما لم تدمر القوى الأخرى نفسها بيدها؟

ما هي الفكرة إذن؟ وأين هي القوة التي ستنقذهم إذا ما دحروا؟ وهل يتعلق ذلك بحقيقة أن الجنرال ديمبسي قد ناقش "فرض" منطقة عازلة في سوريا؟ وكيف؟ ما هي الطرق التي سيؤثر بها ذلك على حلفائنا العرب وتركيا؟ ما هو الأفق الذي تقدمه لسوريا – إن كان ثمة ما تقدمه لها – للخروج من هذا الكابوس الإنساني الذي، وفقا لتقديرات الأمم المتحدة، وصل إلى تسعة ملايين شخص يعيشون تحت الخطر مما يجمد ويقوض تنمية البلاد؟ وكيف؟ وإن كانت هذه الاستراتيجية فعليا هي "استراتيجية دع سوريا تموت،" فكيف نستطيع إذن إيقاف تداعي ما كنا نقوم به خلال أكتوبر؟

تواجه الولايات المتحدة العديد من التحديات الاستراتيجية والأولويات الأخرى، ولكنها تحتاج أن تتخذ قرارات أكثر حزما ووضوحا فيما يتعلق بدورها الاستراتيجي المستقبلي في سوريا، لتصبح قادرة على تحديد مستوى التصعيد في المستقبل وفقا لذلك. فأن تعمل مع الحكومة العراقية والفصائل الهامة لفترة من الزمن مع وجود فرصة معقولة للنجاح، أمر مختلف عن أن تقدم أملا كاذبا ثم تترك الفوضى الناجمة عنه للرئيس القادم.  

الاستراتيجية المترددة للتعامل مع العراق

لقد أصبحت الاستراتيجية الأمريكية للتعامل مع العراق، بالفعل، هي المحور الأساسي الثالث للحملة العالمية ضد "الدولة الإسلامية"، كما إنها – في الواقع –أهم محاور الاستراتيجية الأمريكية حتى الآن. ومنذ خلق المالكي والمجموعة المحيطة به فوضى سلطوية أشعلت حربا أهلية جديدة على مستوى منخفض وأفسدت ودمرت، إلى حد بعيد، قوات الأمن العراقية، وبعد ذلك خسرت معظم الأجزاء السنية في البلاد لصالح "الدولة الإسلامية"، فقد تمحورت تلك الاستراتيجية حول دفع المالكي للرحيل، على الرغم من أن ذلك لم يشار إليه أبدا بشكل سياسي لأسباب واضحة. وكان على الولايات المتحدة بعد ذلك أن تخلق حكومة وطنية فعالة، من شأنها إعادة الأكراد والسنة لتشكيل واسع مع الحكومة المركزية، وأن تعيد بناء القوات العراقية، لتصبح قادرة على إحراز النصر في الحرب البرية واستعادة البلاد في وجود الدعم الجوي الأمريكي.

وفي الوقت نفسه، كان ينبغي عليها تأمين الأردن ودول الخليج العربية الأخرى في مواجهة توسع "الدولة الإسلامية" في منطقة مصدرة للنفط وشديدة الأهمية لعمل واستقرار الاقتصاد العالمي، فضلا عن مصالح الأمن القومي الحيوية للولايات المتحدة. كان ينبغي عليها أن تعيد بناء العراق كدولة قوية ومستقلة تكون بمثابة المعادل الموضوعي لإيران الذي يمتلك روابط صلبة مع جيرانه العرب، وأن تجد حلولا – إلى أقصى درجة ممكنة – للقضية الكردية العراقية، بطرق تمنح الأكراد الأمن وشكلا من الاستقلالية الفيدرالية، مع إبقائهم مرتبطين بالحكومة المركزية العراقية بطريقة تحافظ على علاقاتهم الوثيقة مع تركيا.

هذه هي مجموعة من الأهداف الاستراتيجية "الممكنة"، ولكنها مفرطة في طموحها أيضا، فليس كل ما هو ممكن مرجح الحدوث في كل الحالات، رغم أن هذه هي المساحة التي كانت الولايات المتحدة قد أحرزت فيها بالفعل بعض المكتسبات. ومع ذلك، فهناك بعض الأمل في حكومة وطنية حقيقية، وفي إحراز بعض التقدم الذي بدأ بتقوية الجيش العراقي وقوات البشمركة.

تعد الحكومة العراقية الجديدة مزيجا حرجا من الشيعة العرب والسنة العرب والأكراد، ولكنها على الأقل تحظى بمقدار كاف من الوحدة الوطنية التي اتفقت على وجود وزير دفاع سني ووزير داخلية شيعي. كما يشارك الأكراد في الحكومة كذلك. وبعض ساسة السنة أكثر نشاطا في دعمها، ويبدو أن هناك بضعة عناصر قبلية بدأت تقترب من الحكومة مبتعدة عن "الدولة الإسلامية". ورعم أنه من السابق لأوانه أن نتحدث عن نجاح ملموس، فإن ذلك يظل تقدما كبيرا عن المالكي – الرجل الذي تحول، في نهاية المطاف، إلى منافسة صدام على إضعاف وتقسيم بلاده. 

الولايات المتحدة لديها حوالي ١٦٠٠ إلى ١٩٠٠ فرد على الأرض، ويمكن للعديد منهم أن يرتدوا الأحذية العسكرية ويشاركوا في الحرب. وقد ساعدت العراق في تأسيس مراكز لقيادة العمليات في بغداد وإربيل، وحظت بالموافقة، على الأقل، على مبدأ "الحرس الوطني السني" في المحافظات ذات الأغلبية السنية، وهو ما قد يؤدي لإضعاف "الدولة الإسلامية" وطردها، وكذلك فقد دفعت الحكومة المركزية على قبول أهمية قوات بشمركة قوية، وإن لم تقبل فكرة الاعتراف بالسيطرة الكردية على المناطق المتنازع عليها وحقها في تصدير البترول لحسابها الخاص.

وفي نفس الوقت، لم تقدم الولايات المتحدة بشكل واضح الدعم الجوي بالمستوى الذي كانت تخطط له في البداية، حيث أنها غيرت وجهة حملتها الجوية لهدف ثانوي في كوباني. رغم أنها قد اكتشفت أن قوات الجيش العراقي أضعف حتى مما أشارت إليه التقديرات الأولية. وقد أشارت هذه التقديرات إلى أن حوالي نصف الألوية الخمسين المقاتلة في القوات العراقية ستكون بحاجة إلى الإحلال أو إعادة التنظيم بالكامل، والنصف الآخر سيستغرق من عام إلى عدة أعوام ليكون قادرا على الانتظام في وحدات قتالية كاملة الفعالية.

لا تزال إيران تتمتع بنفوذ كبير على الميليشيات الشيعية المعادية للولايات المتحدة إلى حد كبير، وعلى عناصر هامة في الحكومة العراقية والأجهزة الأمنية. وفي الواقع، لا يزال لديها فرصة لاستغلال الجهود الأمريكية الرامية لبناء القوات العراقية بالاستفادة من وجود قوات شيعية أقوى وقوى كردية معادية للسنة، وفي تقديراتها أنها ستكون دائما مستعدة على الأرض عندما تتغول الولايات المتحدة في المناطق الآمنة في العمق. كما أنها قد يكون لديها شعور بأنها قادرة على الاستفادة من تردد الولايات المتحدة في سوريا في حين تدعم هي الأسد بقوة، وليس واضحا إذا كانت الولايات المتحدة قد أدركت أن حاجتها إلى الحزم في مفاوضات "مجموعة الـ5+1" بخصوص البرامج النووية الإيرانية يجب أن تكون جزءا من استراتيجية شاملة وحازمة في التعامل مع الدور الإيراني بمجمله في المنطقة.

ليس من المنطقي أن نطلب المستحيل على المستوى السياسي، فالولايات المتحدة لا تستطيع فرض الوحدة السياسية والإصلاح على كل الأطراف العراقية، إنها فقط تقوم بما يبدو جهدا فعالا قدر استطاعتها. ولكن هناك حاجة، مع ذلك، لأن يكون الأمر واضحا للجميع بأن الدعم الأمريكي مشروط بالتوصل إلى حكومة عراقية مركزية تتواصل مع السنة، وتعمل بشكل فعلي على إصلاح وإعادة هيكلة الأجهزة الأمنية. 

ومن الضروري، بنفس القدر، إيضاح أن الدعم الأمريكي لكل الفصائل مشروط بشكل مباشر بالحكومة المركزية وقدرتها على الوصول إلى الأكراد والاتفاق معهم على مجموعة من التسويات. ولن تستطيع الولايات المتحدة أن تقدم تورطها في حالة الفوضى السياسية التي يصنعها العراقيون بأنفسهم، وإذا لم يخطوا خطوات للأمام بأنفسهم، فإن الولايات المتحدة عليها أن توضح بقوة أنها سوف تركز اهتمامها على الدول العربية الأخرى وتتركهم لعواقب أفعالهم. 

ومع ذلك، فإن الولايات المتحدة ينبغي عليها تطوير استراتيجية أكثر واقعية على المستوى العسكري. فالحملة الجوية الحالية ببساطة بالغة التواضع وغير مركزة. وتحتاج حملة التدريب والإعداد إلى المزيد من المستشارين والقوات البرية لدعم القوات العراقية الحالية للمساعدة في القيادة والتنسيق بجانب استخدام القوة الجوية، ومساعدة القوات البرية العراقية التي تمر بمرحلة إعادة تنظيم وإعادة إعداد لتصبح قوات مقاتلة. وإذ بدا أن العراق من المرجح أن يفشل على المستوى السياسي، فإن الجهود الأمريكية تبدو متواضعة وبطيئة ومحدودة للغاية على المستوى العسكري. 

كما يسلط ذلك الضوء على الحاجة إلى الشفافية في التصريح بالعامل الرئيسي في "الحرب على الدولة الإسلامية" للشعب الأمريكي والكونجرس والإعلام وحلفائنا. فإذا كان هناك درس يتفق كلا الحزبين على أنه كان ينبغي علينا تعلمه من الإخفاقات في حربين في ظل إدارتين مختلفتين من كلا الحزبين، فهو أن قرار خوض حرب استنادا لفكرة ما يجب أن يحظى بالنقد الأمين والاستراتيجية الفعالة والتنفيذ الدقيق، إذا ما كنا نريد إحراز النصر.   

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب