الانهيار الأبدي لروسيا

مقال رأي

روسيا - أو كما يقال عنها دائمًا - هي البلد التي يمكنها بالكاد أن تتململ على السرير ثم ترتدي جوارب متماثلةً في الصباح. لقد أعلن الإعلام الأمريكي فترة التحضير لدورة الألعاب الأولمبية الشتوية في "سوتشي"وما يتلوها خلال استمرار ألعاب الدورة موسمًا مفتوحًا للشعب. قيل للأمريكيين أن روسيا بلدٌ لا تحسن شيئًا سوى تشغيل المصاعد ودورات المياه. وربما إعداد الأطعمة القومية "التي قد يُستثنى منها السوشي السيئ." فشعبها "قد أصبح لا يكاد يعرف نفسه" وهي بلد اعتاد انتهاك حقوق التأليف و"غيرها من مختلف أنواع الفساد." وباختصار، روسيا هي "البلد الذي ينهار"، كما ادعت صحيفة "نيو ريبابليك" على غلاف عددها الصادر في فبراير الماضي. 

وعلى الرغم من أن هذا الطرح شديد الوقاحة، فضلًا عن كونه عاريًا عن الصحة تمامًا، فإن ذلك لم يمنع الإعلام من ادعائه مرارًا وتكرارًا.

فقبل ثلاثة عشر عامًا، على سبيل المثال، نشرت صحيفة "ذا أتلانتيك" موضوعًا عنوانه أن "روسيا قد انتهت"، وعلّقت قائلةً "الهبوط الذي لا يمكن إيقافه لما كانت يومًا قوةً عظمى نحو كارثةٍ اجتماعية"،وأخيرًا "نحو الظلام." وقد كان ذلك في عامٍ هو الأبعد عن أن نتوقع موت روسيا فيه، إذ أنه كان العام الذي بدأ فيه تعزيز الانتعاش الاقتصادي. وفي هذه الأيام، تقدم روسيا نفسها كلاعبٍ على الساحة الجيوسياسية باعتبارها أي شيء سوى أن تكون "منتهية"، وذلك باستيلائها العنيف على شبه جزيرة القرم وتسليحها للانفصاليين الموالين لروسيا شرقي أوكرانيا - والذين يبدو أنهم المسئولون عن حادثة إسقاط طائرة الركاب التابعة للخطوط الجوية الماليزية في يوليو الماضي، حيث أنها كانت تحلق فوق المنطقة التي يسيطر عليها المتمردون.وكذلك لا يوحي دعم روسيا -  الصارم والناجح حتى الآن - لبشار الأسد في سوريا، ولا تحالفها الناشئ مع الصين القائم على اتفاقية تاريخية متعلقة بالطاقة، بأنها لم تعد لاعبًا حيويًا على الساحة العالمية. فروسيا لا تزال بلدًا محبًا للمخاطر - بل ويمكننا القول أنها على قدرٍ من التهور، وقد ببدو ذلك من بعض رهاناتها، كما هو الأمر في دعمها للمتمردين شرقي أوكرانيا، إلا أن هذا ليس سلوك دولةٍ غير مؤثرة. وعلى الجانب الآخر، فبالرغم من وجود قدرٍ كبيرٍ من المشكلات، التي تتراوح بين ترهل بنية مواصلاتها التحتية ونظامها الرديء للرعاية الصحية، فإن هذه الأزمات - الشائعة في العديد من البلدان بما فيها الولايات المتحدة - لا تكفي على أن تكون دليلًا على وجود ركود قاتل.

والسؤال المثير للاهتمام، إذن، هو ما الذي يكمن في العقلية غير المتزنة - التي قد تكون مصابةً بمتلازمة يمكن تسميتها "روسيا محكومٌ عليها بالفشل". ما هو مصدر هذا التفكير المبالغ في عناده - ولماذا يتم دائمًا تشخيص روسيا خطأً بهذا الشكل؟

يبدو أنه من المناسب - كمرحلة أولى للفهم - أن نستدعي الدكتور فرويد. فربما تكون الفكرة الغريبة بأن "الدراما تميل للتحقق"، والتي دفعت "ذا أتلانتيك" إلى الإعلان النزِق عن انتهاء التاريخ الروسي، هي في الحقيقة تعبيرٌ عن رغبة اللاوعي الجمعي الغربي - الرغبة الصامتة للـ"هو". فبنهاية المطاف، تؤثر الارتدادات الفرويدية كثيرًا في رغباتنا السياسية، ويمكننا إحالة قلقنا الحالي - في القرن الواحد والعشرين - تجاه روسيا إلى المخاوف الأوروبية القديمة بشأن روسيا الاستبدادية التي تمثل حالة الإنسان البدائي، وتقاوم بغضبٍ  القيم الأوروبية السامية التي تم التوصل إليها بشق الأنفس، بما يمثل خطرًا على هذه القيم. فقد قال الارستقراطي الفرنسي "ماركيز دي كاستن" - في كتاب الرحلات الشعبي والمتعصب الذي كتبه في القرن التاسع عشر - أن "قشرة الحضارة الأوروبية في روسيا كانت على قدرٍ من الضعف لا يجعلنا نثق بها." واستمرت رؤيته المتعسفة معنا منذ ذلك الوقت وحتى الآن. 

لقد كانت روسيا في الحقيقة أقل تقدمًا من أوروبا - وفقًا لمعايير الحداثة المتمثلة في العلم والتكنولوجيا والصناعة - ولكن كان هناك عنصر تفوقٍ آخر يتمثل في سياسات القوة والاستعلاء الثقافي خلف هذا التحقير. فليس مستغربًا أن فكرة تمثيل روسيا والروس للـ"آخر" - في مقابل "نحن" الغربيين - كانت هي السائدة بشكلٍ لافت للنظر في إنجلترا الفيكتورية في القرن التاسع عشر. فقد كان ذلك وقت الصراع الأكبر، أي المنافسة بين بريطانيا وروسيا على بسط النفوذ وحصد الغنائم في رقعةٍ تمتد من شبه القارة الهندية إلى البحر الأسود في آسيا.

فأثناء حرب القرم التي دارت في خمسينيات القرن التاسع عشر، حرّض الفرنسيون والبريطانيون ضد الروس، الأمر الذي أثار عداءً شديدًا بين البريطانيين على وجه الخصوص والدب الروسي المغير، الذي حرّض بدوره على الأسد الملكي البريطاني، كما أظهره رسامو الكاريكاتير السياسيون في ذلك الوقت. (أو الأسد الوديع، كما عرض المشهد رسامون آخرون. ونرى في إحدى هذه الرسومات دبًا ضخمًا يرتدي قبعة الجندي الروسي ويجلس على رأس قطٍ فارسيٍ ساجد، بينما ينظر أسدٌ بلا حولٍ ولا قوةٍ في الخلفية.) كذلك تسربت الصور السلبية عن روسيا إلى الأدب البريطاني. إذ كتب جورج ستوكر كتاب رحلاته المعادي للروس "مع من لا يصح ذكرهم"، المأخوذ من الحرب الروسية التركية (١٨٧٧-١٨٧٨). وقد يكون ذلك الكتاب بدوره هو ما ألهم أخاه الأكبر، برام، الذي كتب جزئين من الرواية الخيالية "دراكولا وسيدة شرود" التي يمكن قراءتها كاستحضارٍ للخطر "الشرقي" أوالسلافى على إنجلترا. وتنتهي الرواية، بالطبع، بموت السيد دراكولا مذبوحًا ومطعونًا في قلبه.  

ومن المعروف أن الامبراطورية البريطانية كانت تشهِّر بخصومها بشكلٍ لا أخلاقي - ولنأخذ الطعن الذي يُوجّه بانتظامٍ للفرنسيين بعين الاعتبار. فالمشاعر البريطانية تجاه الروس كانت لا تزال باردةً إلى حدٍ كبير. وقد وصف المؤرخ جي إف جليسون، في كتابه الصادر عام 1950 "نشأة فوبيا الروس في بريطانيا العظمى"، ما كان يكنه الرأي العام الإنجليزي في القرن التاسع عشر من "كراهيةٍ تجاه الروس" بأنها "العنصر الأوضح والمستمر في النظرة القومية للعالم الخارجي." وخلص جليسون إلى أن هذا الشعور ارتبط بالنخبة ذات العقلية الاستغلالية والإمبريالية، ولم يكن له قاعدة حقيقية. وعلى أي حال، فقد اتفق الآخرون على أن السياسة الخارجية البريطانية كانت فعليًا "أنشط وأكثر إثارةً من نظيرتها الروسية" في هذه الفترة. وقد لاحظ مارتن ماليا، في كتابه الصادر عام ١٩٩٩ تحت عنوان "روسيا بعيون غربية"، أن "البريطانيين - أكثر إمبرياليي العالم في التاريخ الحديث - كانوا في حالةٍ هيستيريةٍ دائمة تتعلق بوهم التقدم الروسي من جبال الهيمالايا إلى الهند".

وبالرغم من ذلك، فقد صمد التصنيف البريطاني لروسيا حتى بين المراقبين الأكثر عقلانية. لذلك تساءل جون ماينارد كينيز، بعد رحلةٍ قام بها لروسيا البلشفية عام ١٩٢٥، عما  إذا كان "نظام القمع" هناك "ثمرةً لبعض الصفات السيئة في الطبيعة الروسية".  

وانتقل الموقف البريطاني، حتمًا، عبر الأطلنطي إلى أمريكا. وبالرغم من أن أمريكا وقارتها تبعد بلا شكٍ عن روسيا وقارتها آلاف الأميال، فقد خطط المستعمرون الروس - في لحظةٍ ما أوائل القرن التاسع عشر - أن يؤسسوا مستعمرةً في "فرونت روس" شمالي كاليفورنيا. ومع ذلك فإن الخطر المتصور لم يكن متعلقًا بالأرض بقدر تعلقه بغرابة وقبح الأساليب الروسية. فقد كتب الرئيس ثيودور روزفلت عام ١٩٠٥، بينما كانت الحرب الروسية اليابانية تقترب من نهايتها، أنه "لا يوجد أي إنسانٍ - أسمرًا كان أو أصفرًا أو أبيضًا - باستطاعته أن يكون كاذبًا وخائنًا ومتكبرًا - وباختصارٍ غير جدير بالثقة على الإطلاق - مثلما يمكن للروس أن يكونوا." وعلى النقيض، فقد قال أن اليابانيين كانوا "شعبًا رائعًا ومتحضرًا". (في العام التالي، فاز روزفلت بجائزة نوبل للسلام تقديرًا لجهوده في المفاوضات لإنهاء الأعمال القتالية بين الروس واليابانيين.)

ومن الصحيح أن جورج إف كينان – يد أمريكا المبكرة في روسيا - قد حظي بجاذبيةٍ قوية وغامضة لدى الروس. وقد كتب في مذكراته: "كان هناك انجذابٌ غامضٌ لم أستطع تفسيره حتى لنفسي". ولكن موقف كينان كان استثناءًا  يؤكد القاعدة  بين الطبقة السياسية الأمريكية. وقد اتضح ذلك أثناء الحرب الباردة، عندما أصبح توجيه الاتهامات العشوائية للروس جزءًا من الخطاب الوطني - ذلك أن الروس قد اُعتُبروا دائمًا الممثل النشط للاتحاد السوفيتي - بالرغم من أن زعيمه "جوزيف ستالين" والذي بقي في منصبه حتى وفاته عام ١٩٥٣ كان من أصلٍ جورجي (وُلد في جوغاشفيللي). إذن فقد توجهت الطعنات للروس من طيفٍ سياسيٍ واسع. فحتى جي. روبرت أوبينهايمر - عالم الفيزياء النووية والمعجب بقداس الأناشيد لإيجور سترافينسكي والرحالة العالمي ودارس البهاغافاد غيتا [الكتاب المقدس في الديانة الهندوسية] بلغتها السنسكريتية الأصلية  ومدير معهد الدراسات المتطورة في برنستون - وقع في شرك الأحكام المسبقة شديدة الإجحاف، وقال في عام ١٩٥١، مرددًا الأصداء البعيدة لكينيز وماركيز دي كاستن، "إننا نتعامل مع شعبٍ همجيٍ ومتخلف لا يوالي حتى حكامه". 

فالأمريكيون، بالتالي، لديهم قدرٌ هائلٌ من الشجاعة التي تمكنهم من رؤية أنفسهم ملائكة تحارب في صراع "مانوي" [ديني] ضد الروس المتوحشين. وقد أوضح أليكسي دي توكوفيل - في سياق نبوءته الشهيرة بأن أمريكا وروسيا يتوجهان لاقتسام العالم، وبالتحديد في خاتمة الجزء الأول من كتابه "الديمقراطية في أمريكا" المنشور في منتصف ثلاثينيات القرن التاسع عشر - أين تكمن عواطفه. فقد أصّر، في محاولةٍ للتستر على المعاملة القاسية التي لاقاها الأمريكيون الأصليون من قبل مستوطنين أوروبيين يحملون البنادق البدائية، أن "الفتوحات الأمريكية تم إنجازها بالمحراث؛ بينما تلك الروسية قد أُنجِزت بالسيف." وما أكثر من ذلك هو أن "الأنجلو أمريكي"، كما كان توكوفيل يصف القادمين لأمريكا، "يقدّم منظورًا جديدًا للقوة غير الموجهة وللاعتماد على الحس السليم للشعب؛ بينما يركّز الروس سلطات المجتمع كلها في ذراع واحدة."

وبالرغم من أن افتراض توكوفيل – والذي ينص على أن المجتمع الديمقراطي مثل أمريكا سيثبت أنه بطبيعته أقل ميلًا للحرب من نظيره الاستبدادي مثل روسيا- يبدو معقولًا من الناحية الظاهرية، فإنه لم يمثل أكثر من أملٍ في أن المستقبل سيكون للشعوب الديمقراطية حول العالم. وبالتالي، فقد نُظِر للدور القدري الذي تلعبه روسيا بوصفه التهديد المحتمل لهذه الرؤية السعيدة التي صيغت بواسطة جون لوك وتوماس جيفرسون وغيرهم من ذوي الأفكار الليبرالية التي لم تزهر سوى براعم صغيرة في التربة الروسية الجرداء. وللمفارقة - ورغم أن تبصرات توكوفيل على قدرٍ كبير من الأهمية وإن كانت تحتاج لبعض المراجعات - فإن الخطر الفاشي بزغ من قلب أوروبا. 

وأدّى انهيار الاتحاد السوفيتي في ١٩٩١ - الذي يمثل نهاية، إن لم يكن لروسيا نفسها، فعلى الأقل للمشروع اليوتوبي الهائل الذي تبنته موسكو لفترة تقترب من ثلاثة أرباع قرن - إلى تهدئة مثل هذه المشاعر تجاه روسيا. فمن الأسهل دومًا أن تتعاطف مع الضعيف: فقيل أن الروس يستعيدون إنسانيتهم ولياقتهم تحديدًا عندما كانت تعاني السلطة الوطنية من انحسارٍ تاريخي. فبينما كان النيتو يتوسع شرقًا، ليضم بنهاية المطاف جمهوريات البلطيق السوفيتية سابقًا والواقعة على الحدود مع روسيا، كان المدح يُكال بشكلٍ عجيب لبوريس يلتسن - المطيع في الأغلب - من خلال وصفه بأنه شخصية محبوبة متوردة الخدين وديمقراطيٌ على الطراز الأمريكي (مع إضافة لمسةٍ بإعطائه لقب "رئيس الأزمة"). بل وحتى الحرب التي شنها يلتسن لإخضاع إقليم الشيشان الانفصالي - والتي انتهت بالتعادل معه في أفضل الأحوال - لم تنهِ هذه القصة الرومانسية.

وانقشع الغمام عن العيون الغربية بالتزامن مع صعود الرجل القوي "بوتين"، الأمر الذي ظهر - ليس بدون سبب - كردة لحقبة الحكام المستبدين المنصرمة التي حكمها السوفييت والقياصرة. وظهرت مشاعر الكراهية مجددًا في الخطاب. إذ أدلى رالف بيترز - الكولونيل المتقاعد والمعلق العسكري - عام ٢٠٠٨ في المنتدى الذي نظمه معهد المشروعات الأمريكي (AEI) بخصوص اجتياح بوتن لجورجيا، بتصريحاتٍ قال فيها "إن الروس - الذين أضعت عليهم جزءًا كبيرًا من حياتي - ليسوا إلا معاقري خمرٍ همجيين، يتقيأون أحيانًا ليُظهِروا أنهم عباقرة". فعلى النقيض من يلتسن، اعتنق بوتين - وإن كان في الأمر سخرية -التقاليد الروسية "القديمة" كالأورثوذوكسية، وأكّد بصراحةٍ شديدة أن روسيا لها طابعها الخاص وأنها لن تكون "نسخةً مكررةً" من أمريكا أو بريطانيا. فقد استقر كضابطٍ بالاستخبارات الروسية (KGB) لفترة في مدينة "دريسدن"، ورفض بشدة التصورات المسبقة والعميقة لدى الغربيين عن الروس بأنهم "لا يزالون على قدرٍ من الوحشية"، وليتهم "يهبطون من على الشجرة"، كما قال هو بالمثل لمجموعة من الصحفيين الأمريكيين في ٢٠٠٧.

والآن، بعد مرور قرن ونصف على انتهاء حرب القرم، يذكرنا الصراع الذي نشب هناك هذا العام بمدى صمود السخرية الأمريكية والأوروبية من روسيا، التي يُنظر إليها "كمحطة وقودٍ تتخفى في شكل دولة،" على حد تعبير السيناتور جون ماكين. كتبت أنّا أبلبوم - الكاتبة والصحفية المتزوجة من وزير خارجية بولندا "رادوسلو سيكورسكي - في "سليت" أن "روسيا هو قوة معادية للغرب، ذات رؤية مختلفة وأكثر تشاؤمًا للسياسة العالمية". (العنوان: "لن تكون روسيا أبدًا مثلنا.") ويتجسد التقليد البريطاني (الفوبيا من روسيا)، الذي يبدو أنه سيستمر للأبد، في محرر الـ "إيكونوميست" إدوارد لوكاس - المدير السابق لمكتب المجلة في موسكو - الذي اجتهد مجددًا، في عمود "ديلي ميل" في شهر مايو، في أن يستخلص أوجه الشبه المخيفة بين هتلر وبوتين في طموحات كلٍ منهما "التوسعية". حيث قال لوكاس أنه بالرغم من أن أفعال بوتين، بلا شك، أقل بكثير من فظائع هتلر، فإن "العريف النمساوي والجاسوس السابق الناطق بالألمانية يشاركه في العديد من أوجه الشبه السيئة". "قد لا يكرر التاريخ نفسه. ولكنه، كما قال مارك توين ذات مرة، يردد أصداءً متشابهة." وفي خطابٍ متخيل من ميكيافيللي إلى بوتين - ألّفه جوزيف جوف، محرر الصحيفة الألمانية الأسبوعية "دي تسايت" - يتم توبيخ الزعيم الروسي، "لقد عززت فقط من العادة الروسية: ولكن كان يجب عليك بدلًا من ذلك أن تكون المفسد والغازي الأعظم." وبالتأكيد قد شهدت أوروبا، كما ينبغي على "جوف" أن يكون مدركًا لذلك، العديد من المفسدين في حروبها الدموية التي كانت تنشب بشكلٍ دوري. فأحيانًا يبدو أن تاريخ أوروبا ليس أكثر من حلقةٍ متصلة من إلصاق عيوبٍ - تعاني هي منها بشدة – في للآخرين.

من المغري أن نخلص من ذلك - كما يسجل الفيلسوف الروسي "نيكولاس بيردياف" في ملاحظته الساخرة - إلى أن "الروس لديهم تأثير مزعج على الشعوب الغربية." وذلك حقيقي. ولكن القصة لها وجهٌ آخر، قد يكون أشد غرابة. إذ أن السبب الرئيسي الآخر لهذه الصورة النمطية السلبية عن روسيا - ومن ثم الرغبة البادية في التخلص من روسيا "التقليدية" - ينبع من قلب الداخل الروسي نفسه.

فالحقيقة أن روسيا قد كانت مصدر قلقٍ دائمٍ لشريحة معينة من الروس المتعلمين (ولا أعني هنا بـ"الروس" الإثنية الروسية فحسب، وإنما كل من يعزون أنفسهم إلى روسيا ويعتبرونها وطنًا أصليًا لهم.) فهناك هاجسٌ دائمٌ - كما هو الحال في الغرب - من أن التخلف في روسيا متجذرٌ ويبدو أنه لا مفر منه، حيث تعبر عن ذلك عبارة "جوجول" الافتراضية الساخرة التي تدعي بأن روسيا لديها مشكلتان فقط: duraki i dorogi (الحمقى والطرقات). فقد عاد لينين - أو فلاديمير إيليتش أوليانوف المولود في قلب روسيا والدارس النابه للثقافة اليونانية واللاتينية - ليجد أن المؤسسات والمعتقدات الروسية المتهالكة - الاستبداد القيصري والأرض المرتبطة بأكواخ الفلاحين الخشبية والأورثوذوكسية التي تقدّس الرموز - على قدرٍ من التخلف لا يمكن معه الحديث من منطلقٍ إصلاحي. فقد كان الحل هو الهدم الكامل. حيث وجّه لينين نقده "لذلك الرجل الروسي حتى النخاع، أو الشوفيني الروسي الأعظم" واعتبره "وضيعًا وطاغيةً بطبعه." وقد كان حلمه اليوتوبي بالطبع أن تختفي روسيا لتذوب في اندماجٍ للبروليتاريا العالمية يتجاوز الحدود الوطنية.

فهنا، إذن، تكمن الدينامية البائسة - التوتر القائم بين انتلجنسيا روسية لديها نقدٌ ليبرالي أو راديكالي أو ثوري للبلاد من جانب، وجماهيرٍ ونخبة سياسية تقبل التقاليد الروسية في الأغلب، وتتبناها بحماسٍ أحيانًا من جانبٍ آخر. ولا يميل النقد للتوقف عند الزعيم في اللحظة التي يتم توجيهه فيها - في حالتنا الراهنة، بوتين، الذي يبدو دومًا غير مكترثٍ وبلا قلب، كما حدث في جهوده الرامية لإخلاء ساحته من أي مسئوليةٍ تتعلق بإسقاط طائرة الركاب الماليزية - وإنما يتجاوز ذلك ليشمل الشعب الروسي نفسه. ففي ٢٠٠٢، عندما شرع بوتين في شن ثاني الحروب الروسية - بعد انهيار الاتحاد السوفيتي - على الشيشان، بتأييد شعبيٍ واسع، كتبت الصحفية الروسية "أنّا بوليتيكوفسكايا" في "لوس أنجلس تايمز" أنه:

من المعروف جيدًا أن الشعب الروسي غير عقلاني بطبيعته. إذ لا تطلب غالبيته من المرشحين للمناصب العليا أن يقدموا برامج اقتصادية واضحة المعالم. بل - في الواقع - تبدي الجماهير امتعاضًا بسيطًا - كما تظهر استطلاعات الرأي - عندما يكون المرشح على قدرٍ كبيرٍ من الذكاء، أو على الأقل أذكى من الجموع. وفي الوقت نفسه، يحب الشعب الروسي "مفتولي العضلات"، إنهم يحبون الوحشية والتعبير عن سياسات اليد الغليظة والتحركات القاسية التي تُتخذ للاستعراض.

لم تكن بوليتيكوفسكيا بالطبع مخطئة في تأكيد العنصر العدواني لروسيا في عهد بوتين - وقد تم اغتيالها هي نفسها في موسكو عام ٢٠٠٦ في يوم عيد ميلاد بوتين، مما يثير الارتياب. (فرجال العصابات في روسيا لديهم عادة تقديم "الهدايا" - طُلبت أم لم تُطلب - "لزعمائهم" في أعياد ميلادهم.) ولكن الأمر الذي لا يزال يطرح نفسه هو التعميمات الكاسحة التي لا تقوم على دليل - ففكرة أن الروس "غير عقلانيين بطبيعتهم" لا تستقيم - على سبيل المثال - مع مجتمعٍ أخرج علماءً عالميين بدءًا من ميخائيل لومونوسوف في القرن الثامن عشر وحتى أندري سخاروف في القرن العشرين. يمكننا فهم هذه التصريحات بأنها جلدٌ مازوكي للذات - ويبدو أنها تخلق لدى الروس أنفسهم وعيًا جمعيًا يستتبع بروز قادةٍ موتورين.

ومع ذلك، فهؤلاء النقاد مؤثرون في الغرب - إذ وجدوا ترحيبًا في المطبوعات الأمريكية الرئيسية. فقد بدأت "ماشا جيسين" - وهي روسية أمريكية ولدت بموسكو السوفيتية وتعيش حاليًا في الولايات المتحدة -مقالًا لها في "ذا نيويورك ريفيو أوف بوكس" قائلةً "لقد قال الروس العديد من الكذبات بشأن أنفسهم، حتى أنهم لا يكادون يعرفون من هم الآن،" وواصلت "فهذه الأيام ...":

يتحدث بوتين برطانةٍ غامضة حول أن روسيا لديها "شفرة ثقافية"، ويبدو أنه يتصورها نوعًا من الشفرات التي تخترق الروح. كان ينبغي عليهم أن يبدأوا بالغذاء. إذ لا يوجد مقابل روسي لعبارة "إنك تُعرّف بما تأكله،" ولكن ليس من قبيل المصادفة أن الروس ليست لديهم فكرة تقريبًا عن الأطعمة الروسية المميزة.

ومن السهل الرد على العبارات المبالغة. فمن واقع تجربتي الشخصية في الحياة في روسيا والسفر حول مناطق متعددة فيها، لم أشعر بمشكلةٍ في إيجاد روس لديهم تعريف واضح لهويتهم. وأذكر أنني ذات مرة سألت صديقًا في موسكو - كان أستاذ تاريخٍ صغير - إذ ما كان يستطيع أن يشير إلى "جوهرٍ" واضح لروسيا. وفي الحال أشار بدوره إلى الكنيسة الأرثوذوكسية القديمة التي تُعرف بـ "بوكروفا" وتقع عند التقاء نهري "النيرل" و"كليازما" بالقرب من عاصمة القرون الوسطى "فلاديمير". وإذا رأيتها عن بعدٍ، فإن الكنيسة تبدو كأنها تطفو على بركة ماءٍ، والسحب تنعكس على سطحها. صحيحٌ أنها رمزٌ ديني، ولكنها تُعد أيضًا - كما أكّد صديقي - رمزًا لانغماس روسيا العميق في الطبيعة. كما أنني أيضًا لم أجد صعوبةً في إيجاد الأطعمة التي يؤكد الروس (بما في ذلك زوجتي الروسية الأوزباكستانية) أنها روسيةً بشكلٍ مميز وحصري، مثل الحساء البارد "أوكروشكا" - الذي يتم إعداده عادةً من الكريمة المخضوضة والخل والبطاطس والخيار والبيض والشبت - وهو الطعام المفضل في فصول الصيف، لا سيما جنوب غربي روسيا. (أجل، من الصحيح أيضًا أنه ينتشر في أوكرانيا، التي قد كانت أجزاء كبيرة منها - على مدار تاريخها - جزءًا من روسيا العظمى.)

قد يكون من المبالغة أن نقول أن الدافع الذي يجعل نقاد بوتين داخل روسيا - بعضهم، وليس كلهم - يرفضون روسيا "وروسيتها" هو شعورهم بالاشمئزاز تجاهها، حيث أن هؤلاء النقاد لديهم نموذج مثالي عما يجب أن تكون روسيا الخاصة بهم عليه: نموذجًا يرقى لجعل روسيا أكثر شبهًا بأوروبا وأمريكا. ويؤدي التطلع إلى هذا النموذج المثالي البديل إلى المشهد الحالي الذي تُغاقب روسيا فيه على مواقفها الرجعية في قضايا كحقوق المثليين - القضية التي تبرز في طليعة نشاط الحريات المدنية في أمريكا وأوروبا، ولكن ليس لها أي أصداء خاصة في روسيا خارج بعض الأماكن التقدمية في بعض المناطق كموسكو. لقد لاقت قضية "ذا بوسي ريوت" شهرةً واسعةً في الغرب، حيث ألقت السلطات الروسية القبض على المعارضات من أعضاء الفرقة النسوية الجريئة بتهمة التخريب بعد ما قُمنَ به من عملٍ مثير في كاتدرائية المسيح المخلص بموسكو قبل عامين، إذ توجهت الفرقة بالدعاء قائلة "يا مريم العذراء، يا أم الله، خلّصينا من بوتين." وذكرت "ماشا جيسين" الحادثة في كتابها الأخير "سوف تكسر الكلمات الأسمنت"، الذي مدحته "أنّا أبلباوم" في عرضها له بالواشنطن بوست. ولكن في روسيا، أظهر استطلاع رأيٍ أن نسبة خمسة بالمائة فقط من الروس تعتقد أن "بوسي ريوت" لم تكن تستحق "العقاب" ونحو خمسون بالمائة رأوا أنه يجب أن يُحكم بإلزامهم بعملٍ إجباري أو دفع غرامة كبيرة.

وفي هذا السياق، فإن المحاضرات التي يتم توجيهها لروسيا حول كيف يجب أن تكون خصمًا قد تكون أكثر من التعليمات التي تتلقاها الصين اليوم بشكلٍ دوري حول كيفية تحسين نفسها.  فقد وجهت "جوليا لوف" - الكاتبة الرئيسية في الشأن الروسي بصحيفة "نيو ريبابليك" - النصح في فبراير قائلةً أن روسيا تحتاج إلى "تجاوز مشاكلها النفسية بشكلٍ ما" بما في ذلك "الرغبة المجنونة في الصعود" و"عقدة النقص" و"تأخر سن المراهقة". (وكان عنوان مقالتها "هل يظن الروس أن لدي فوبيا من روسيا؟ أجل هم محقون.") وقد كانت لوف أيضًا - الروسية الأمريكية المولودة في موسكو - هي من كتبت الموضوع الذي ظهر على الغلاف حول كيف أن روسيا "تتهاوى".

وقد تجدر الإشارة هنا إلى أن لوف - كما يحلو لبعض ناقديها ذكر ذلك على سبيل السخرية - يهودية (الأمر الذي قد يعني في بعض الدوائر الروسية القومية - بشكلٍ حاسم - أنها ليست روسية). كما أن ماشا جيسين أيضًا يهودية، وهناك من الخبرة الواسعة لليهود في روسيا ما يجعل أي يهودي أن يشعر بالاحتقار والخوف تجاهها - فكلمة مذبحة (بالإنجليزيةpogrom) ذات أصلٍ روسي. (أنا شخصيًا يهوديةٌ ولكن أجدادي عاشوا في الأراضي الروسية.) كذلك فإن جيسين سحاقية. وبالرغم من أن كونها ليست روسية من الناحية العرقية قد يساعد في دفعها لنقد روسيا البوتينية [بوتين] - كما أن كونها مثلية يزيد الطين بلّة - فإن هذه الأشياء لا تكفي لفهم الحماس الذي يظهر في إلقائها اللوم على البلاد. ويبدو أن العنصر الأساسي في هذا النقد المحموم هو ما يتخذه - مثل أي شيء آخر - من معاييرٍ جمالية. فروسيا - وهذا أمرٌ واضح - لا تتفق مع ذائقة الجميع. 

ولكن الدولة ليست قطعةً فنية يستطيع المرء أن يختار ببساطة ألا يعلقها على الحائط ولا ينظر إليها أبدًا. والسبب في نقد فكرة أن "روسيا محكومٌ عليها بالموت" هو أنها تستند إلى وهمٍ. ولا يبدو أن موقع روسيا سيتغير. ولكن يميل بعض النقاد للمبالغة في رؤية مشكلاتها أو يخفقون في وضعها في السياق المناسب. خذ الفساد على سبيل المثال؛ فمن الصحيح أن الفساد المنهجي - من قاعدة المجتمع لقمته - مستشرٍ في روسيا - وقد ارتبط ذلك بوضع روسيا بعد انهيار الاتحاد السوفيتي إذ عادت مجددًا للصفقات المشبوهة التي تعقد بين "الكريملن" وحكومات الأقليات الصاعدة. ولكن الفساد أيضًا متوطن (وينمو بازديادٍ) في الصين القائمة على الحزب الواحد (والمرضي عنها)، وفي الهند الديمقراطية. وفي النصف الثاني من القرن التاسع عشر - في العصر الذهبي "للبارونات اللصوص" - كانت أمريكا أيضًا مستنقعًا للمخالفات، حيث كانت الحكومة الغنية والقوية خاضعةً لإرادتهم. أي أنه لا يوجد سببٌ للظن أن الفساد سيضر روسيا أكثر مما يفعل بالمجتمعات الأخرى.

وحيث أن روسيا أكبر قليلًا من أن تكون "محطة وقود" - بتعبير ماكين - فإن موارد البلاد من النفط والغاز تعد بلا شكٍ أصولًا اقتصادية مهداة لروسيا في اللحظة الراهنة. فروسيا هي أكبر مصدّر للغاز الطبيعي في العالم ولديها أكبر مخزون من الغاز المكتشف حتى الآن. ولكن الطاقة تعني لروسيا ما هو أكبر بكثير من مجرد مصدرٍ للأموال النقدية: فالكريملن يستخدم وقوده الصخري بمهارة لتحقيق أهداف جيوسياسية، كما حدث في الصفقة الضخمة لشحن الغاز الطبيعي عبر خطوط أنابيب إلى الصين. قد لا تصبح بكين وموسكو أبدًا صديقتين مقربتين، ولكن الطاقة تمنحهم سببًا عمليًا للعمل المشترك. وفي الوقت نفسه، قد أقرّت الصفحة الافتتاحية في "وول ستريت جورنال"، والناقدة باستمرارٍ لروسيا البوتينية بأن الولايات المتحدة ينبغي عليها أن تستخدم احتياطاتها من الطاقة "كأصولٍ استراتيجية" لمساعدة أوروبا في تقليل اعتمادها الحالي على الغاز الروسي. ويعد ذلك اعترافًا ضمنيًا بأن قدرة روسيا على استغلال مواردها البترولية في السياسة الخارجية من المرجح أن تستمر خلال القرن الحادي والعشرين.

وماذا عن الوضع الديموغرافي القاتم لروسيا؟ لقد وصف نيكولاس إبيرستاد - المحلل بمعهد أمريكان إنتربرايز - روسيا بـ"الدب المحتضر" في مقاله بـ"فورين أفيرز" عام 2011. إذ كتب: "إن عدد سكان البلاد في تراجعٍ مستمر، كما لا يمكن وصف معدل الوفيات سوى بأنه كارثي، ويبدو أن مواردها البشرية تتآكل بشكلٍ خطير". وقد تم الرد على هذا الفكرة بالإشارة إلى أن معدل الوفيات في روسيا عام 2010 قد كان أقل منه عام٢٠٠٠، واستمر هذا التقدم [أو التراجع في المعدل]. وقد أقّر إبيرستاد في مقاله بـ"وول ستريت جورنال" في بدايات هذا العام بأن:

تناقص عدد السكان في روسيا ما بعد الاتحاد السوفيتي قد توقف. وبفضل الهجرات القادمة في أغلبها من "الخارج القريب" لدول الاتحاد السوفيتي سابقًا، وانتعاش معدل المواليد مجددًا بعد الوضع السيء الذي كان فيه عام ١٩٩٩، وتراجع معدل الوفيات بشكلٍ ملحوظ، فقد قُدّر أن عدد السكان في روسيا اليوم  ازداد مليون نسمة عما كان عليه منذ خمسة أعوام. وللمرة الأولى في فترة ما بعد الاتحاد السوفتي، شهدت روسيا عدد مواليدٍ أعلى من عدد الوفيات العام الماضي.

ويبدو أن المخلوق "الدبّي" لن يموت بعد كل ذلك.

وعلى أي حال، لا يجب أن ترسم ذائقتنا - محببةً كانت أو غير ذلك - لدولةٍ ما معالم سياستنا الخارجية، التي تم تشكيلها بدقةٍ وفق حساباتٍ باردة تراعي مصالحنا القومية. وبهذا المعنى، تكون أمريكا محقة في مجابهة روسيا إذا ما بدا أن بوتن عازمٌ بالفعل على فرض أسلوبه بالقوة لإعادة رسم خريطة أوروبا، ولكن من الصواب أيضًا أن نحاول العمل مع روسيا على القضايا ذات الاهتمام المشترك كالتشدد الإسلامي على سبيل المثال. وسيظل العمل بتلك الحسابات عندما يغادر بوتين - كما يجب أن يحدث في نهاية المطاف - الكريملن - طوعًا أو كرهًا - سواءًا حل محله مستبدٌ جديد أو شخصية أكثر ديمقراطية.  فتصاعد التوتر اليوم بين الولايات المتحد وروسيا - الأمر الذي يمكن تصوره كفصلٍ أول لحربٍ باردةٍ جديدة، مع وضع ارتباك أوروبا بشأن دورها أكثر من أي وقتٍ مضى في الاعتبار - يؤكد أن روسيا في الأغلب ستظل واحدة من أكبر تحديات الولايات المتحدة وأكثرها إرباكًا لفترة طويلة قادمة.

وبالتالي، فإن المستقبل القائم على إظهار روسيا كمزيجٍ من الصور النمطية المجحفة يبدو مشرقًا. إذ يتم ترسيخ الفكرة الليبرالية الساذجة حول أن العالم يتحرك بشكلٍ غائي نحو نهايةٍ تقدمية - والتي إن كانت حقيقية، لكانت روسيا نجحت في ذلك. وستظل عناوين المقالات المتعلقة بروسيا - والتي تتحدث عن فساد النخب الحاكمة أو تفاهة الاستخبارات الروسية وسيطرتها على الأطراف السياسية - تغذي النقد الأعمى للروس - من قادتهم لقواعدهم - بوصفهم بدائيين ومرضى نفسيين. إذ يبدو أنه لا توجد دولة أخرى يمكن السخرية منها بسهولة شديدة (أو بشكلٍ مأمون الجانب).

كما يبدو أن متلازمة "روسيا محكومٌ عليها بالموت" ستبقى بشكلٍ حتمي، إذ أن روسيا لا تزال - للأسف - مهمة. فالموضوع الذي يحظى بهذا القدر من الاهتمام المترقب على مر القرون - بوضوحٍ لا يعتريه قدرٌ من الغموض - سيظل قوةً عالمية من المستحيل تجاهلها. لذلك ستستمر المخاوف جنبًا إلى جنب مع الرغبة المحمومة بمحو روسيا من الوجود. ولكن ربما يكون الخبر السعيد لهؤلاء النقاد تحديدًا أن روسيا ليست على وشك الموت. إذ سيكون لديهم كمية وفيرة من الطحين الكافي لإدارة رحاهم لعقودٍ قادمة.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب