السؤال الأهم: من يهتم بهزيمة داعش أكثر، إيران أم الولايات المتحدة؟

مقال رأي

واجهت رسالة أوباما، حسبما أفادت بعض التقارير، إلي المرشد الأعلي لإيران عاصفة شديدة من الإنتقادات من قبل المعارضين المتشددين لأي تعامل مع إيران، والمعارضين لأي تصرف يتخذه أوباما؛ لكن تلك الانتقادات أمكن دحضها بسهولة لعدة أسباب. ففي البداية لدينا النقاد الذين غضبوا وثاروا حول رسالة لم يعلم محتواها أي شخص خارج الإدارة، ولا حتي المنتقدون أنفسهم. لدينا فقط شعور عام حول غرض الرسالة، نستشفه من تقرير صحيفة "وال ستريت جورنال" الذي أشعل القصة.

وهناك أيضا تلك الفكرة الرجعية التي توحي بأن مجرد التواصل مع طرف آخر، سواء بعقد لقاءات أو التواصل كتابيا، يظهر بشكا ما ضعف موقف الراسل و/أو يمثل تعزيزا لموقف الطرف الآخر، وهو ما ليس صحيحا. فالتواصل أداة لنعبر ونسعي لتحقيق خياراتنا وتفضيلاتنا وأهدافنا، ولاستكشاف وسائل تحقيق تلك الأهداف. وقد شددت فريدة فارحي علي أهمية ذلك التواصل خلال السنوات الماضية، فهؤلاء المعترضون علي تبادل الرسائل بين المرشد الأعلي الإيراني والقيادة الأمريكية سلكوا نفس المنحي من قبل تجاه العلاقات الدبلوماسية مع إيران، وقد شهدنا تحقيق تلك العلاقات الدبلوماسية لقيود قوية تحكم البرنامج النووي الإيراني، وهو ما لم تستطع سنوات من عدم التواصل تحقيقه.

ثم تبدو السذاجة وتتجلي عند التسرع بإلصاق صفة "عدو" بأحد الأطراف، والتصرف علي أساس أن مجرد الوصف سبب كافي لعدم القيام بأي أعمال تجارية مع ذلك الطرف، وقد تبلغ تلك السذاجة أحيانا قطع الصلات المشتركة، دون إبداء أي اهتمام بأفضل الوسائل لتحقيق أهدافنا الخاصة. وبشكل عملي، نري جون ماكين، المهووس بقصف إيران، قائلا: "إيران تمثل عدو لنا" وأن أي سياسة خارجية أمريكية تتعامل مع إيران هي بالتأكيد "مبتعدة عن مسارها." ولدينا أيضا ميت رومني الذي اعتبر رسالة أوباما تجاوزا للحدود، قائلا: "لقد صدمت، وعجزت عن التعبير. فالأسلوب الصحيح للتعامل مع إيران هو نبذها، ومقاطعة قادتها..." يغذي ذلك الأسلوب في تناول السياسة الخارجية، والذي تمثله تلك التعليقات، أقاويل الذين يحتاجون دائما لوجود عدو ما، وقد مثلت إيران هذا العدو طويلا، ولكنه بالتأكيد ليس أسلوبا جيدا لتقدم مصالح الولايات المتحدة.

قبل الخوض في المزيد من تلك السذاجة هناك درس يجب الانتباه إليه حول التواصل، الامتيازات، والاستفادة من موارد الولايات المتحدة علي أساس توازي مصالح الولايات المتحدة مع مصالح الدول الأخري؛ فعندما بدأت الولايات المتحدة مع شركائها في مجموعة "بي٥+١" مفاوضات جادة مع إيران بعد تولي حسن روحاني للرئاسة، اتفق الطرفات بشكل حكيم علي التركيز بصورة محددة علي برنامج إيران النووي والعقوبات المتعلقة به. فلدي الطرفين نزاعات عديدة في مجالات أخري، وإذا بدأت أجندة الأعمال في التوسع فستسمر بلا نهاية لتصل إلي عدد لا نهائي من المشكلات الغير قابلة للحل. لكن كلا الطرفين يدركان، وبالتأكيد يجب أن يدركا، أهمية إتمام اتفاق نووي يفتح الباب للقيام بأعمال مربحة بشكل مشترك في مجالات أخري بالمنطقة حيث تتوازي مصالح الولايات المتحدة وإيران ولا تتقاطع.

وقد علق أحد المسؤولين الإيرانيين منذ فترة بشكل معلن حول أهمية استكمال اتفاق نووي من أجل عمل إيراني وأمريكي أكثر فاعلية ضد أحدث تهديد شرق أوسطي، وهو الجماعة المعروفة باسم "داعش." وفتح ذلك التعليق الباب لخصوم إدارة أوباما في واشنطن مرة أخري لاتهام الإدارة بالضعف واتمام اتفاقات خاسرة. رغم عدم وجود أي إثبات علي صحة ما يتم تداوله علنا عن المفاوضات وسلوك الولايات المتحدة التفاوضي. إلي جانب أن التعليق الإيراني لم يكن محاولة صريحة للضغط علي الولايات المتحدة وإنما إقرار ببعض الإحتمالات المرجحة التي قد يقود إليها إتمام الاتفاق.

رغم عدم علمنا بمضمون الرسالة تحديدا، إلا أن تقرير صحيفة "وال ستريت جورنال" أشار إلي جهد لحث خمانئي علي تقديم التنازلات الإيرانية الإضافية الضرورية لإتمام الاتفاق. وقد ألمحت الرسالة أيضا وفق تقارير، وكجزء من الدفع نحو تقديم التنازلات، إلي الفوائد المباشرة المرتبطة بالاتفاق وإلي احتمالية القيام بعمل أكثر فاعلية ضد داعش؛ أي نفس سياق التعليق الإيراني السابق لكن في الاتجاه المعاكس. لابد أن يسعد الخصوم المحليون للولايات المتحدة، الذين استغلوا التعليق الإيراني، أن يقلب أوباما الطاولة علي الجميع، وأن يمارس ضغوطا ضمنية، إن وجدت، لتحقيق مصلحة الولايات المتحدة.

يتوقف نجاح أحد الاطراف في تلك المناورات علي أي الطرفين أكثر اهتماما بالمشكلات المحورية. فقد خسرت الولايات المتحدة الحرب الفيتنامية لأن خصومها الفيتناميين، والذين كانوا يتلبسون روحا وطنية من أجل توحيد بلدهم وذاتهم من الهيمنة الأجنبية، اهتموا بالنتيجة النهائية لأفعالهم أكثر مما فعلت الولايات المتحدة.

ويبدو حتي الآن عند عقد مقارنة معقولة (ويمكن عقد تلك المقارنة بشكل غير مباشر فقط، أي من حيث التأثير، لأن المقارنات المباشرة بين الدول ليست عملية بشكل كافي.) أن إيران هي الطرف الذي يريد بشكل أكبر التوصل لاتفاق نووي، وأقوي مؤشر علي ذلك خطة العمل المشتركة التي تم الوصول إليها العام الماضي والتي قدمت فيها إيران بشكل واضح معظم التنازلات، حيث جمدت أو تراجعت عن الأجزاء الأكثر أهمية من برنامجها النووي مقابل تخفيف العقوبات بشكل طفيف نسبيا.

ويبدو أيضا أن إيران تهتم أكثر بإيقاف وصد داعش. فقد كان الإيرانيون أكثر نشاطا بكثير علي الأرض في مساعدة الحكومة العراقية في مواجهة داعش، وبشكل أكثر تكلفة ومخاطرة. وهو ما لا يمثل مفاجأة، فالايرانيون لديهم أسباب أقوي للقلق حول داعش. فخطر داعش مجاور لإيران ويهدد المصالح الإيرانية بشكل مباشر أكثر مما يهدد مصالحنا. وتهديد مصالحهم سيكون علي الأرجح نتيجة مشاركتنا في التحرك ضد داعش وما سينتج عنه من رغبة في الانتقام.

تؤدي مجموعة الحقائق السابقة إلي وضع يفترض أن يسعدنا. فنحن لسنا في وضع أفضل للضغط بشكل ضمني فقط؛ بل ويمكن أيضا أن نشهد تقديم إيران للمزيد من الجهد ضد داعش، الآن وبعد التوصل لاتفاقية نووية، ومع المزيد من الفرص لتنسيق فعال للجهود المضادة لداعش في صحوة الاتفاقية. إلا أن استخدام الأسلوب التصنيفي والخوف من إيران في السياسة الخارجية يقود بعض الأمريكيين نحو الوقاحة مع الإيرانيين.

كما أننا نخسر بعض أفضليتنا في كل مرة نفعل فيها ما يدل علي اهتمامنا بثروات داعش أكثر من الإيرانيين. فالرئيس أوباما يستحق النقد لقول بعض الأمور وتحريك القوات بطرق تعزز الانطباع بأن داعش أهم لدينا من إيران، وليس لإرساله رسائل لخامنئي وذكر داعش بها. وكذلك المتشددون الأمريكيون يستحقون الانتقاد كلما ضغطوا علي أوباما بهذا الصدد، وهو ما يضعف زعمهم بالقلق حول تحسين القوة التفاوضية أمام إيران، ويضرب مثال آخر لميل السياسة الخارجية الأمريكية إلي الإصرار علي وضع الولايات المتحدة في المقدمة لمواجهة أي مشكلة، وهو ما يحرر الحلفاء وأيضا الأعداء من القيود والإلتزامات بدلا من أن ينفذوا ما عليهم تجاه المشكلة.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب