السعوديون وأسواق النفط: من يلاعب من؟

مقال رأي

هبطت أسعار النفط أكثر من ٢٠ % في الشهرين الماضيين. ويتم تداول خام برنت حاليا بقيمة تقل ٣٠ دولار عن سعره الذي قفز في الصيف إلى ١١٥ دولار للبرميل، وقد ترك ذلك العديدين يتسألون حول ما يرمي إليه السعوديون. بناءا على الحكمة التقليدية، والتحركات والدوافع الماضية، يجب على السعودية أن تخفض إنتاجها لتوقف هبوط أسعار النفط.

لكن ليس هناك ما هو تقليدي فيما نشهده في السوق. أكبر مستورد صافي في العالم للنفط الخام الآن هو الصين، وهو مركز كانت الولايات المتحدة سعيدة بالتخلي عنه مبكرا من هذا العام. كان مقصودا من رفع الإنتاج المحلي أن تشتري الولايات المتحدة مقدارا أقل من السوق العالمي تاركة الصين بنفوذ وقوة تفاوضية أكبر. والأسوء من ذلك، أن طلب الصين حاليا لا يساوي ما اعتاد أن يكونه في السابق. كما يؤدي الدولار الأقوى إلى انخفاض سعر النفط أيضا.

في هذا المناخ الغير تقليدي، أثارت "أرامكو،" شركة النفط الوطنية السعودية، الأمور في وقت سابق من هذا الشهر ليس عبر خفض الانتاج، لكن عبر خفض سعر النفط العربي الخفيف الخام الخاص بها للمتعاقدين الآسياويين بقيمة ١ دولار للبرميل. ورغم سخط الإيرانيين، إلا أنهم تبعوا منافستهم الكبيرة في منظمة أوبك في تخفيض السعر أيضا.

بينما ركز العالم على تراجع سعر خام برنت ومؤشر "وست تكساس إنترميديات،" انخفض مؤشر "سلة أوبك المرجعية" لاثنتي عشرة من الزيوت الخام من دولها الأعضاء من ٨٩.٣٧ دولار في ٧ أكتوبر (قبل أيام من الخطوة السعودية) إلى ٨١.٦٧ دولار للبرميل في ٢٣ أكتوبر. يبدو من الخطاب الشائع حول الدوافع السعودية أن وزير النفط السعوديعلي النعيمي لا يريد أن يشهد إعادة للثمانينيات عندما أدي الخفض في الإنتاج إلى خسارة بلده لحصة السوق العالمي.

يظن الكثيرون أن السوق يدفع السعوديون للتصرف بالطريقة التي يتصرفون بها. وذلك تفسير أكثر بساطة من أن يتم قبوله. على العكس تماما، أظن أنه ليس السوق هو من يلاعب السعوديين، إنهم السعوديون هم من يلاعبون السوق ببعض الرشاقة. قد يكون الحفاظ على الذات هو الدافع، لكن لذلك عدة جوانب وليس الهدف الوحيد هو الحفاظ على الحصة السوقية.

أعتقد بشدة أن السعوديون يتخذون خطوة قصيرة المدي لدعم هدفهم طويل المدي وهو البقاء مهمين بشكل قوي في أسواق النفط العالمية. كان يمكن للنعيمي أن يتصرف وكأنه يحافظ على أدني سعر عند ١٠٠ دولار، والذي تحتاجه السعودية لتوازن ميزانيتها لكنه لم يشعر بالحاجة لذلك. فيمكن لبلاده أن تعتمد على مخزون كبير من الأصول والتي ستسمح لها بأن تتحمل أسعار النفط المخفضة لفترة ممتدة دون الحاجة بالضرورة لاستعارة أو تضييق السياسات، وذلك وفقا لروبرت بورجس، وهو محلل في مصرف "داتش بانك."

وداخل أوبك، تستطيع دول الكويت (تحتاج لسعر تعادل ٧٥ دولار)، قطر (٧١ دولار)، الإمارات العربية المتحدة (٨٠ دولار) فقط أن يتحملوا خفض أسعار النفط الحالي إلى جانب السعوديون. ورغم ذلك فسيتم ترك الآخرين يعانون. على سبيل المثال، تحتاج فنزويلا سعر غير واقعي وهو ١٦٢ دولار. وتحتاج إيران سعر ١٣٤ دولار، ونيجيريا سعر ١٢٦ دولار، أما روسيا - منتجة النفط غير العضوة في أوبك - فتحتاج سعر حوالي ١٠٠ دولار. من بين هؤلاء الأربعة، تستطيع روسيا أن تتحمل خفض السعر بالنسبة للآن، لكن بشكل مستمر ستبدأ الأسعار المخفضة في أن تصبح مشكلة.

إن النمو الاقتصادي راكد في ظل العقوبات الموقعة على البلاد. إضافة إلى ذلك، يمثل النفط والغاز الطبيعي ٧٠ % من صادرات روسيا و ٥٠ % من ميزانيتها الفيدرالية. ويمثل رصيدها من الاصول، في حالته الجيدة، حوالي ثلث ما تحتفظ به السعودية. علاوة على ذلك، فإن قرار السعودية بعدم خفض الإنتاج يفتح الباب لاحتمالية أن يضرب النفط الصخري ويضيق التنقيب عن النفط في الولايات المتحدة والتنقيب عن الرمال النفطية في كندا.

تشير ردود فعل المصادر الصناعية في شمال أمريكا إلى أن مشغلات النفط الصخري تظل مربحة عند سعر ٩٠ دولار للنفط، بينما تظل الرمال النفطية الكندية مربحة عند حوالي ٧٥ دولار. أما أسعار العقود الآجلة لخام برنت ومؤشر "وست تكساس إنترميديات" فهي أقل كثيرا من ٩٠ دولار وليست بعيدة عن ٧٥ دولار. وفي حالة النفط الصخري، يجب أن تبقي على الحفر لتحافظ على مستويات الإنتاج حيث أن معدل خفض الإنتاج لا يتبع أنماط المشغلات التقليدية. 

علاوة على ذلك، فإن خفض الأسعار يضر أرباح شركات التنقيب والإنتاج الغربية بشكل مباشر، مع وصول أغلب الهبوط مباشرة إلى أدني مستوي، بسبب ضغط التشغيل العالي الخاص بهم، وفق قول ستيف وود، المدير العام بمؤسسة "موديز."

سيهبط سعر النفط لأدني من ٧٠ دولار خلال الأشهر القادمة قبل التعافي في النهاية؛ إذا فالموقف سيزداد سوءا قبل أن يتحسن.

يضيف وود: "من الصادم بشدة أن تضعف أسعار الوقود في مواجهة العرض المتنامي. لكن هبوط (منتصف أكتوبر) الحاد كان مفاجئا ويمكن إرجاعه إلى التوقعات بنمو أضعف للطلب في الصين وأوروبا في نفس الوقت الذي هددت فيه السعودية بالدفاع عن الحصة السوقية بدلا من التصرف كالمنتج المتغير الخاص بأوبك، وبالعالم."

لوضع الأمور في نصابها، أثناء الانهيار الأخير لسعر النفط في أوج الأزمة المالية في سبتمبر ٢٠٠٨، قدم ذلك المنتج المتغير أكبر إسهام في تخفيضات إنتاج أوبك ليصل إلى حوالي ٥ مليون برميل يوميا في محاولة لرفع الأسعار. لكن رد فعله حتي الآن في تصحيح الأسعار الحالي لم يكن مماثلا، وذلك لأسباب جيدة تتعلق بالحفاظ على الذات.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب