السعي خلف الثروة والاستيلاء على السلطة

مقال رأي

في مطلع العام ٢٠١٤، أعلن المجلس الأعلى للقوات المسلحة أنه سيسمح لعبد الفتاح السيسي بالترشّح للرئاسة، مادشّن حقبة جديدة في الدور السياسي للمؤسسة العسكرية في مصر. فمع حظر جماعة الإخوان المسلمين وانكفاء أفرقاء سياسيين منظَّمين آخرين، تقدَّم الجيش إلى واجهة الساحة السياسية لحماية مصالحه الاقصادية. بيد أن هذه المصالح تشكّل العائق الأساسي أمام التغيير السياسي الحقيقي والموثوق في مصر.

في الأعوام الماضية، حافظت المؤسسة العسكرية على مكتسباتها الاقتصادية وأبقت على النفوذ التي تمارسه بحكم الأمر الواقع من دون أن تتسلّم زمام السلطة. لكن في العام الماضي، وبغية الحفاظ على مصالحها الاقتصادية، عمدت إلى فرض سيطرتها مباشرةً على الدولة، وازداد تدخّلها في الاقتصاد من خلال المشاريع المدنية، الأمر الذي يحول بدوره دون الحد من تدخّل المؤسسة العسكرية في السياسة، مايجعل مصر عالقةً في منظومة حيث تقتضي المصالح الاقتصادية للجيش المصري زيادة سيطرته على السياسة.

على الرغم من أن الجيش لعب دور في الاقتصاد المصري من العام ١٩٧٩ بعدما تدفّقت أموال المساعدات الأميركية نتيجة توقيع معاهدة السلام مع إسرائيل، ففي حين حرص  أنور السادات على أن يكون دور المؤسسة العسكرية غير سياسي. في الأعوام اللاحقة، عزّز الجيش المصري احتكاره لمساحات شاسعة من الأراضي، وزاد عديده من المجنّدين ذوي الأجور المتدنّية من أجل تطوير مشاريع وأعمال ناجحة. وفي نهاية عهد مبارك، كانت الأمبراطورية الاقتصادية للمؤسسة العسكرية قد تضخّمت كثيراً.

لكن صعود نخبة اقتصادية مرتبطة بجمال، نجل مبارك، وبالحزب الوطني الديمقراطي في الأعوام الأخيرة من حكم مبارك، شكّل تهديداً للمصالح الاقتصادية والنفوذ السياسي للجيش. وبلغت خصخصة الشركات المملوكة من الدولة وتيرة غير مسبوقة، فبرزت مخاوف لدى الضباط من أن تكون مسألة وقت فقط قبل أن تُعرَض شركات الجيش وأعماله للبيع. وقد اكتسب رجال الأعمال المقرّبون من جمال مبارك نفوذاً سياسياً واسعاً وشاركوا في وضع الخريطة السياسية. وهكذا أتاحت ثورة ٢٠١١ فرصةً أمام المؤسسة العسكرية كي تحتوي هذا التحدّي. خلال المرحلة الانتقالية، وجّه الجيش رسالة واضحة بأنّ أمبراطوريته الاقتصادية ليست خاضعة للنقاش في أي منظومة سياسية جديدة. فقد أعلن اللواء محمود نصر، مساعد وزير الدفاع للشؤون المالية، في بيان صريح ومباشر أن الجيش "سيقاتل على مشروعاته" التي وصفها بأنها "عرَق وزارة الدفاع". وكذلك مارس مسؤولون عسكريون كبار نفوذهم من أجل أن يتضمّن الدستوران اللذان وُضِعا بعد العام ٢٠١١ بنوداً تنص صراحةً على حماية سرّية الحسابات المالية للمؤسسة العسكرية.

لم يعد الجيش المصري ببساطة يكتفي بالبقاء خارج السياسية في مقابل بعض الامتيازات الاقتصادية. فالصيغة القديمة التي كان يعتمدها في السابق على أساس أنه "يحكم من دون أن يكون في السلطة" واجهت رفضاً متزايداً مع الاتّجاه إلى الاستحواذ على حصّة أكبر في السياسة تحمي مكتسباته الاقتصادية. ومن أجل ضمان هذا التوسّع الاقتصادي، عيّن الجيش أشخاصاً مرتبطين بالمؤسسة العسكرية في مناصب حكومية أساسية. فعلى سبيل المثال، بعد يومَين من إطاحة الجيش لمحمد مرسي في الثالث من تموز/يوليو ٢٠١٣، اختير مرشد السيسي، محمد فريد التهامي، مديراً لجهاز المخابرات العامة. وقبل بضعة أيام من فض اعتصام رابعة العدوية عن طريق اللجوء إلى العنف، دعم الجيش تعيين محافظين هم بمعظمهم جنرالات متقاعدون من المؤسسة العسكرية. والشهر الماضي، عُيِّن خالد عبد السلام الصدر، جنرال متقاعد آخر أميناً عاماً لمجلس النواب، أي مسؤول عن تسيير العمليات اليومية للهيئة التشريعية وعن إدارة جدولة القوانين التي ستُطرَح على النقاش.

وفي غضون فترة قصيرة بعد سيطرة الجيش على السلطة في ٣ تموز/يوليو، أصدرت الحكومة المدعومة من الجيش مرسوماً تنفيذياً يمنح الوزراء صلاحية توقيع عقود من دون إجراء مناقصات تنافسية. وهكذا جرى تكليف شركات تابعة للجيش بتنفيذ مشاريع في البنى التحتية تشكّل جزءاً من رزمة حوافز قدرها ٤.٩ مليارات دولار أميركي - مموَّلة خاصةً من الإمارات العربية المتحدة. ومؤخراً، وقّع الجيش مشروعاً سكنياً بقيمة مليارات الدولارات مع شركة عقارية إماراتية كبيرة "أرابتك"، ويجري تداول شائعات بأنه سيتم بيع حصة الشركة المصرية للاتصالات المملوكة من الدولة إلى "جهات سيادية"، وهي عبارة تُستخدَم للإشارة إلى الاستخبارات العسكرية. لكن المشروع الأبرز بين كل المبادرات الجديدة هو مشروع تنمية محور قناة السويس الذي يتضمّن حفر قناة موازية وبناء العديد من المناطق الصناعية والمراكز اللوجستية بمحاذاتها. هذا المشروع هو تحت إشراف وإدارة فرقة المهندسين في الجيش وهيئة قناة السويس التي يرأسها عضو متقاعد في المجلس الأعلى للقوات المسلحة.

لكن نظراً إلى التحديات الاقتصادية الكثيرة التي تواجهها مصر، قد يحتاج الجيش إلى السماح للاعبين اقتصاديين آخرين، مثل الشركات الخاصة أو التعاونيات، بتأدية دور أكبر. فالدولة لم تعد قادرة على استيعاب الأعداد الكبيرة من الشباب العاطلين عن العمل، ويزيد التوظيف في الاقتصاد غير النظامي من حدّة اللامساواة الاجتماعية والاقتصادية، الأمر الذي يمكن أن يهدّد تأثير الأمبراطورية الاقتصادية للجيش. لذلك فإن الاستراتيجية المنطقية تقتضي القبول بصعود قوى سياسية أخرى مرتبطة بالشركات والأعمال الخاصة بدلاً من تحمُّل الأكلاف السياسية التي يمكن أن تترتّب عن الركود الاقتصادي وازدياد البطالة في صفوف الشباب. وإلا إذا فشلت الدولة وصلبها العسكرية في إعادة إرساء الاستقرار السياسي والأمن الاقتصادي وبناء الثقة من جديد، فقد تخسر قبضتها على السلطة.

بغض النظر عن النتيجة، لم يواجه توسيع الجيش لأنشطته الاقتصادية (خلافاً لقبضته الثقيلة في السياسة)، أية معارضة جدّية، بما في ذلك من الأحزاب السياسية العلمانية التي طالبت بإقامة دولة مدنية خلال السنة التي أمضاها مرسي في الحكم. على النقيض، لقي دور الجيش الاقتصادي، لاسيما في مجال البنى التحتية، ترحيباً كبيراً باعتباره عامل إنقاذ موثوقاً للاقتصاد المتعثِّر والدولة الفاشلة. بيد أن صعود سلطة سياسية منظَّمة وقابلة للحياة يتطلّب مساحة سياسية أوسع وفترة زمنية أطول؛ وكلتاهما غير متوافرتَين في المستقبل المنظور. في نهاية المطاف، فإن التغيير الحقيقي نحو منظومة سياسية لامكان فيها لتدخّل الجيش قد يقتضي كبح أمبراطوريته الاقتصادية.

مصدر الترجمة: 
Carnegie Middle East Center