الشريك الصامت

مقال رأي

إنه لمن المهين بالنسبة للكثير من العمانيين التفكر مليا في الحياة بعد السلطان قابوس بن سعيد، المحبوب علي نطاق واسع رغم كونه ملكا بشكل مطلق والذي كان يتلقي العلاج في ألمانيا منذ يوليو. لكن ليس لدي صناع القرار في أماكن أخري من العالم خيار سوي أن يفعلوا ذلك. حيث يقال أن قابوس ذي الثلاثة وسبعون عاما مصاب بسرطان في القولون وتشير الشائعات إلي أنه قد لا يكون موجودا لفترة طويلة. وقد صرح الديوان الملكي العماني أنه يتعافي من جراحة ناجحة، ويقول البعض أنه سوف يعود إلي عمان في الوقت المناسب لحضور العرض العسكري الخاص باليوم الوطني السنوي في  ١٨ نوفمبر. لكن في ضوء أهمية قابوس كشريك استراتيجي للغرب – ولواشنطن تحديدا – من الطبيعي أن يتم التسائل عما سيحدث من بعده في مسقط.

تميل عمان للظهور أقل كثيرا من الدول الأخري بالمنطقة في المباحثات الدولية حول الشرق الأوسط. لكن ذلك بشكل كبير انعكاس لتفضيلها المدروس لتجنب تسليط الضوء عليها. بالفعل، كان لدي عمان أهمية استراتيجية هائلة لواشنطن – رغم أن تلك الأهمية، علي غير عادة المنطقة، ليست بسبب نفطها. بل بسبب تقديمها لنموذج إقليمي نادر للهدوء، الانفتاحية، التسامح الديني، والدبلوماسية البارعة.

تنتفع عمان بشكل كبير من جغرافيتها. حيث تسيطر عمان علي النصف الجنوبي من مضيق هرمز – والذي يتضمن قنوات المياة العميقة وممرات الملاحة الرئيسية للممر المائي – والتي يمر من خلالها حوالي ٣٠ - ٤٠ بالمئة من إمدادت النفط العالمية (النصف الآخر من المضيق تتحكم به إيران). ولدي عمان أيضا شريط ساحلي واسع يطل علي المحيط الهندي، والذي سمح لها بأن تصبح مركزا تجاريا إقليميا وحفز مجتمعا أكثر انفتاحا. وبنت عمان في السنوات الأخيرة أكبر ثاني حوض جاف في الشرق الأوسط في مدينة الدقم المهمة استراتيجيا، مع امتداد أرصفة الميناء لمسافة ٢.٥ ميل. وفي ضوء موقعها، لدي الدقم ميزة كبيرة عن دبي، وهي قوة تجارية إقليمية منافسة: فالدقم ليست بطول مضيق هرمز، وهو ما يوفر بشكل هائل في مصروفات التأمين والوقود بسبب ميل إيران للتهدد بغلق الممر الملاحي لأسباب سياسية.

عمان أيضا جزيرة للإعتدال الديني والتسامح في المنطقة. فهي مميزة دينيا عن جيرانها: فهي الدولة الوحيدة في العالم العربي التي تلتزم أغلبيتها بالاباضية (طائفة من الإسلام ليست سنية ولا شيعية)؛ وهي أيضا الدولة العربية الوحيدة التي توصلت لعادات دينية متسامحة فعلا. فعلي سبيل المثال، من الشائع في عمان للمسلمين من طوائف مختلفة أن يصلوا في مساجد بعضهم. وسط العداء العنيف بين السنة والشيعة في أماكن أخري من العالم العربي، تقدم عمان نموذجا من التعايش السلمي.

إضافة إلي ذلك، تؤدي عمان جيدا بشكل نسبي في المساواة بين الجنسين. في ضوء الانتهاكات المتفشية لحقوق المرأة في أماكن أخري من الشرق الأوسط، حيث استطاعت عمان مؤخرا أن تمرر تشريعات تدعم حقوق المرأة وتعالج التمييز ضد المرأة في التعليم، القوة العاملة، والسياسة. فقد مالت المؤسسات السياسية الوطنية لتضمين عددا كبيرا من الممثلات السياسيات رغم حقيقة أنه ليس هناك نظام كوتة للوصاية علي وجودهن. علي سبيل المثال، تترأس وزارتي التعليم والتعليم العالي في مجلس الوزراء الوطني مرأتين، وكذلك سفيرة البلاد في الولايات المتحدة. ويتخطي صافي معدل إلحاق البنات العمانيات بالتعليم الأساسي والثانوي معدل الذكور. وتمثل النساء نسبة واحدة لكل ثلاثة في القوة العاملة، وهو معدل مرتفع نسبيا في منطقة تنطبق عليها الأبوية. وعلي خلاف جميع دول العالم العربي الأخري، لدي المرأة في عمان نفس حق امتلاك أرض مثل نظرائهم الذكور.

وقد شكل المجتمع والجغرافيا المميزين لعمان تعاملها الدبلوماسي، سامحين لها ببناء جسور داخل المنطقة وبين الشرق والغرب. قبل عقود من وعظ الرئيس التركي رجب الطيب أردوجان حول سياسة "لا مشاكل مع الجيران" الخارجية، أتقنتها عمان بالفعل. فقد استطاعت عمان أن تحافظ علي علاقات سلمية مع كلا إيران والعراق أثناء الحرب الإيرانية العراقية بين عامي ١٩٨٠ و١٩٨٨، ومع كلا إيران والولايات المتحدة بعد الانقطاع الدبلوماسي الذي حدث بينهما عام ١٩٧٩. واستطاعت إيران في السنوات الأخيرة أن تنظم تفاوضات حدودية ناجحة مع كلا السعودية واليمن، وأن تعزز وسيلة للتقارب بين إيران والسعودية، وأن تسهل علاقات أفضل بين اليمن وأعضاء مجلس التعاون الخليجي، ومؤخرا، أن تتوسط بين قطر من ناحية والسعودية والإمارات والبحرين من ناحية أخري، بعد خلاف سياسي مرير حول دعم الدوحة للإخوان المسلمين في المنطقة. ونجحت عمان أيضا في تسهيل محادثات مرتفعة الرهانات بين واشنطن وطهران كجزء من المفاوضات الدولية حول برنامج إيران النووي – وحول أمور أخري مثل إطلاق سراح ثلاث رهائن أمريكيين تم اعتقالهم من قبل إيران أثناء ممارسة المشي لمسافات طويلة علي طول الحدود الإيرانية العراقية.

ولعبت عمان أيضا دورا مهما في مجلس التعاون الخليجي، وهي عضو هادئ فيه. فعادة ما تري مسقط من قبل جيرانها في الخليج العربي كمنشقة ضالة بسبب علاقتها الودية مع طهران، فقد قاومت بشكل معلن جهود الرياض للسيطرة علي مجلس التعاون الخليجي وجعله أداة لمواجهة أو إضعاف إيران. وتهتم عمان كثيرا بتعزيز التعاون الاقتصادي وسط أعضاء مجلس التعاون الخليجي (رغم قولها صراحة أنها لن تنضم لعملة خليجية موحدة) بدلا من خطط الاتحاد العسكري والسياسي.

لقد أدت عمان أفضل من معظم الآخرين في المنطقة، من حيث السياسة المحلية والخارجية، وهو ما ينسب بشكل أساسي للسلطان قابوس. منذ الإطاحة بوالده بمساعدة الحكومة البريطانية عام 1970، قاد بنفسه جهدا لتحديث عمان ولرفع مستوي معيشتها ووضعها الإقليمي. وشارك دبلوماسيا بشكل شخصي بلا كلل لبناء علاقات سلمية مع جميع جيرانه ورسم جميع حدود بلاده. ووضع أيضا السياسات التي جعلت عمان أكثر انفتاحا وجعلتها أكثر جذبا للاستثمار الأجنبي المباشر.

لكن حكم قابوس خلق أيضا مشكلة: مع تحقيقه الكثير جدا بمفرده تقريبا، يبدو غير واضحا إن كان يستطيع أحد أن يتولي مكانه. مع عدم وجود إخوة، أبناء، أو وريث للعرش، ومؤسسات سياسية قليلة ذات مصداقية، ورسمية (شاملة الأحزاب السياسية) لإدارة إنتقال محتمل للسلطة بشكل فعال، من العادل أن نتسائل إذا كانت عمان قادرة علي الحفاظ علي استقرارها دون قابوس. ليس بعمان انقسامات طائفية أو دينية، وهو ما يقلل إحتمالية حدوث عنف سياسي خطير، لكن إذا رأي اللاعبون السياسيون الإنتهازيون الفرصة مواتية، من ممكن أن تعاود الانقسامات القديمة بين الشمال والجنوب الظهور. (تمرد شيوعي نظمه الاتحاد السوفيني في الظفار بالجنوب بين عامي ١٩٦٢ و ١٩٧٦ مزق البلاد تقريبا، لكن في النهاية هزمته مسقط بمساعدة عسكرية بريطانية وإيرانية.)

يجب أن تكون عمان قادرة علي الاستمرار دون قابوس، رغم صفاته وانجازاته الفريدة. فتستطيع الدولة أن تعتمد علي قدرتها الجغرافية، الثقافية والبشرية لتحقيق انتقال ناجح للسلطة وأن تستمر علي مسار التقدم. يعتقد أن قابوس قد صنع أيضا خطط مفصلة لخليفته. حيث يقال أنه قد صاغ رسالة تحدد خليفته المفضل (غالبا أحد أبناء عمومته الأربعة،) وتوجد نسخة منها في مسقط وأخري في صلالة، عاصمة منطقة الظفار في الجنوب. بافتراض أن انتقال السلطة سيمر بسلاسة، سيواجه السلطان القادم عدة تحديات مباشرة، بعيدا عن الحفاظ علي إرث سابقه. يمكن القول أن التحدي الأكبر سيكون تنويع مصادر الاقتصاد، عبر خفض اعتماد البلاد علي مبيعات النفط (والتي تشكل حاليا ٤٥ بالمئة من إجمالي الناتج المحلي،) وأيضا خفض البطالة، والتي تصل حاليا إلي 15 بالمئة.

قد تكون إحتمالية حدوث نقلة راديكالية في السياسة الخارجية العمانية صغيرة، لكن مسؤولي الولايات المتحدة قلقون بشكل مفهوم حول احتمالية أن يكون القائد العماني القادم أقل حماسة من قابوس لشراكة البلاد الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، وأكثر تقبلا لعلاقات أعمق مع إيران. قد يعرض ذلك الأصول العسكرية المهمة للولايات المتحدة للخطر (شاملة قاعدة المصيرة الجوية وقاعدة ثمريت البحرية الجوية للطائرات الدورية المضادة للغواصات) المتمركزة في عمان. يمكن أيضا رفض وصول القوات الجوية الأمريكية لمطار السيب الدولي. سيكون لأي من تلك الاحتمالات عواقب ضخمة لاستراتيجية الولايات المتحدة العسكرية في المنطقة.

لكن كل ذلك محتمل. بالفعل، هؤلاء المستشارون الذين وثق بهم قابوس لمدة طويلة والذين اتاحت لي الفرصة لقاءهم في زيارة مؤخرا، متضمنين يوسف بن علوي، وزير الشؤون الخارجية، غالبا ما سوف يظلون ذوي تأثير سياسي في مسقط وهو ما يعطي سببا للتفائل. بالتأكيد، سيكون مستحيلا التأكد حتي يتوفر بعض الوضوح حول الحالة الصحية للسلطان. وفي النهاية، إنها مهمة قابوس أن يتابع سجله الذي دام عقودا من القيادة المسؤولة عبر كونه صريحا بخصوص ما يقبع في المستقبل القريب. 

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب