الوهم المصري

مقال رأي

بينما تشرع بروكسل في تجديد سياسة الجوار الأوروبية، فإن مصر هي المكان الذي تبدو فيه الروح الأساسية للجوار المشترك في طريقها للزوال بشكل أكثر وضوحا. فسياسة الاتحاد الأوروبي هناك قد أصبحت - على نحو متزايد – مجرد حماية محدودة ودفاعية للمصالح الأوروبية الأساسية.

تتجه مصر نحو سلطوية أكثر خشونة واكتمالا مما كان عليه الأمر في عهد الرئيس السابق حسني مبارك. لكن لا يزال رد فعل الاتحاد الأوروبي فاترا.

سعى الاتحاد الأوروبي لاستخدام بعض من مساعداته التنموية كوسيلة ضغط. وعطل مرة أخرى مساعدات كانت تهدف إلى دعم الموازنة، والمساعدة الاقتصادية الكلية، وبعض مشروعات المساعدات التي تستفيد الحكومة منها مباشرة. ينتظر الاتحاد أيضا حتى بعد الانتخابات البرلمانية في مارس 2015 قبل أن يجدد خطة عمل سياسة الجوار الأوروبية مع مصر. وعلقت جميع الدول الأعضاء مبيعات الأسلحة والمساعدات الأمنية بعد الانقلاب الذي حدث في 2013.

وكانت هذه الاستجابات السياسية أكثر ضعفا من أن يكون لها تأثير على النظام. وثمة عامل تعقيد الآن هو دور المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، وكليهما توجهان كميات هائلة من الأموال إلى مصر بطريقة تقوض قدرة أوروبا على التأثير. وهناك إجماع قوي في القاهرة أن هذا قد عرض الاتحاد الأوروبي (والولايات المتحدة) لمنافسة خطيرة.

وعلى الرغم من القمع واسع النطاق على نحو متزايد، يتفاوض الاتحاد الأوروبي على حزمة مساعدات جديدة هامة في 2014-2015 مع النظام المصري. وقد تأكدت الحكومة أن مطالبات الإصلاح السياسي سيتم استبعادها إلى حد كبير من قائمة الأولويات التي ينبغي معالجتها في إطار هذا البرنامج. وتعثرت حفنة من مشاريع الاتحاد الأوروبي المتعلقة بالحكم حيث لم تأذن بهم السلطات المصرية. كما تكافح العديد من الدول الأعضاء من أجل تنفيذ المشاريع بشكل فعال في إطار صناديق الإصلاح المختلفة الخاصة بها.

لا يزال التركيز الأساسي للاتحاد الأوروبي في مصر هو تعزيز قدرات وزارات الدولة لتتماشى مع التنسيق الفني للاتحاد وعلى تعزيز الاعتراف المتبادل بالمعايير. أوقفت الحكومتان الهولندية والدنماركية برامجها للمعونة بعد انقلاب 2013 ولكنهما أعادتا تشغيل الأنشطة الآن. ويشاع أن العديد من الدول الأعضاء تفكر في استئناف مبيعات الأسلحة. ويبدو أن النظام المصري لا يهتم كثيرا بالتفاوض على اتفاقية التجارة الحرة التي قدمها الاتحاد الأوروبي في عام 2011.

وعلى عكس المعطيات غير المواتية حاليا، يتعين على الاتحاد الأوروبي التركيز على أربعة تحديات وشيكة في مصر.

أولا، سوف يحتاج الاتحاد الأوروبي لتقييم ما إذا كان يمكنه أن يوفر الحماية الأساسية للمجتمع المدني المحاصر في البلاد، وكيف يمكنه ذلك. بينما يحد النظام من المساحة المتاحة لمنظمات المجتمع المدني، حيث أصبحت جميع المنظمات غير الحكومية ملزمة بالتسجيل وفقا لشروط تقييدية للغاية بحلول  10نوفمبر، 2014. ويبدو أن النظام مصمم على نزع احشاء أي مجتمع مدني مستقل حقا.

كان إجراء جولة من الاجتماعات في القاهرة الأسبوع الماضي تجربة حزينة. وقد فر العديد من الناشطين في مجال حقوق الإنسان من مصر، بعد أن تلقى العديد منهم تهديدات بالقتل. أولئك الذين ما زالوا موجودين أخبروني بعصبية عن خطط طوارئ في حال سماعهم الدقة المرتقبة على بابهم. حتى لو لم تتحقق الحملة الأمنية المتوقعة، فإن النظام قد نجح بالفعل في ترهيب هذه الجماعات بما فيه الكفاية للحد من النقاش المدني.

وقد تأثر التمويل الأوروبي بالفعل. وسحب عدد من جماعات حقوق الإنسان المصرية عروضها للحصول على أموال الاتحاد الأوروبي. وتفيد العديد من السفارات أن شركاء مشاريعهم قد واجهتهم مشاكل.

من محادثاتي في القاهرة، يبدو أن الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء فيه ليست لديهم فكرة واضحة عن كيفية الرد. وغني عن القول أن قطع التعاون مع مصر سيكون خطوة جذرية. يميل الدبلوماسيون الأوروبيون لرؤية مصر حصنا للاستقرار في المنطقة التي تموج بالاضطراب اليوم.

ولكن يتساءل المرء ما إذا كان يمكن للاتحاد الأوروبي أن يغض الطرف حقا عن ما يحدث دون الإضرار بمصداقيته بشكل خطير، وبالتالي قدرته لتعزيز المصالح الاستراتيجية على المدى الطويل. تعاني مصر بكل ما يمكن للمرء من تصوره من انتهاكات الحرية النقابية. ولا يمكن للاتحاد الأوروبي أن يتجاهل هذا دون جعل خطاب حقوق الإنسان الخاص به أجوفا يثير السخرية.

ويتعلق السؤال الثاني المهم بالانتخابات البرلمانية المقبلة. حول هذه القضية، يتمتع المجتمع الدولي بالنفوذ. من دون انتخابات، يمكن للحكومات أن تستبعد من مؤتمر الاستثمار الدولي المقرر له مارس- أي حرمان النظام المصري من 120 مليار دولار من الاستثمارات الداخلية التي تقول انها بحاجة ماسة لها. في حين أن شروط الاتحاد الأوروبي تناضل الآن بشكل عام لكسب بعض الجاذبية، فهذه المسألة تهم النظام.

ومع ذلك، من غير المرجح أن يكون البرلمان الجديد اختبار فعال للسلطة التنفيذية. تعيد الحكومة تعيين المناطق الانتخابية، وتضع قواعد للسيطرة على انتخابات قوائم المرشحين. كما حظرت حزب المعارضة الأساسي – حزب الحرية والعدالة - من المشاركة في الانتخابات. سوف يهيمن على البرلمان المستقلون- وهم "العائلات" البارزة الموالية للنظام-  بدلا من ممثلي الأحزاب.

ويتساءل المرء إذا كان الاتحاد الأوروبي سيتخذ من الانتخابات الصورية وإعادة عقد البرلمان بمثابة ضوء أخضر ليسارع في تقديم عروض الاستثمار. يجب على أي بعثة مراقبة أوروبية الحرص على عدم إضفاء الشرعية على هذه الانتخابات.

أما التحدي الثالث فهو أن يجعل للاتحاد الأوروبي من انخراطه الاقتصادي أمرا في محله. فلكونه غير قادر أو غير راغب في مواجهة القضايا السياسية، حولت الجهات الفاعلة الدولية اهتمامها إلى المجال الاقتصادي. يبدو أن ما يشجعهم على هذا هو خطاب الجيش حول دعم الإصلاح الاقتصادي.

إلا أن النموذج الاقتصادي للنظام يعتمد بشكل كبير على المشاريع العملاقة التي يسيطر عليها الجيش. تعمقت ديناميكيات الاستيلاء على الدولة بواسطة المحسوبية حتى أصبح أباطرة رجال الأعمال أكثر قوة. ويقول كثيرون في الاتحاد الاوروبي انهم متفائلون للغاية بشأن التقدم الاقتصادي من دون الإشارة إلى هذه الاتجاهات السلبية في الحكم. ينبغي أن يركز الدعم الاقتصادي الأوروبي أكثر بكثير على تشكيل قطاع خاص مستقل حقا.

والسؤال الرابع الذي يبقى دون حل هو ما يحدث للإسلام السياسي. فلا يعني التجريم الفعال لجماعة الإخوان المسلمين أن الإسلام السياسي كظاهرة اجتماعية سوف تختفي ببساطة. وحتى يتم معالجة هذه القضية من المرجح أن يظل الاستقرار في مصر هشا وسريع الزوال.

وبالكاد كانت الحكومات الأوروبية قادرة على الحفاظ على الروابط مع الإسلاميين الرئيسيين ويبدو أنهم قد رموا تلك المسألة خلف ظهورهم. ينبغي عليهم إيجاد سبل لتضمينهم مرة أخرى في مبادرات المجتمع المدني الخاصة بهم.

بالتأكيد لا يكفي الوضع الحالي كوصفة للاستقرار على المدى الطويل. فوقوع تفجير آخر في مترو القاهرة يوم 13 نوفمبر وخطف شخص بارز في المدينة خلال الأسبوع نفسه يبين كيف أن الاعتقاد بأن الحكم العسكري الصارم يضمن الأمن هو اعتقاد قصير النظر.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب