انقلاب بوتين

مقال رأي

لم تعد الحرب في أوكرانيا تتعلق بأوكرانيا فقط. فقد تحول النزاع نحو روسيا. لقد أصبح القادة والدبلوماسيون الأوروبيون يعتقدون أن فلاديمير بوتين ومؤسسته الأمنية قد استخدموا ضباب الحرب في أوكرانيا للتغطية علي التأسيس الأخير لديكتاتوريته الإمبريالية الهشة في موسكو.

ومن بين هؤلاء الذين يعتقدون ذلك - ويعتقدون أن أوروبا سوف تواجه حقبة طويلة قادمة تكون فيها روسيا أكثر تهديدا - راديك سيكورسكي، والذي كان وزير خارجية بولندا من 2007 وحتي سبتمير.

"أظن أنه علي الصعيد النفسي، تغير النظام بفعل ضم شبه جزيرة القرم،" وفق قول سيكورسكي لمجلة "بوليتيكو." "كانت هذه هي اللحظة التي أقنعت أخيرا جميع المشككين ولفتت نظر الجميع. كأنه نابليون بعد معركة أوسترليتز. كأنه هتلر بعد سقوط باريس. كانت تلك هي اللحظة التي تركز أخيرا كل شئ في أيدي فلاديمير بوتين."

كان سيكورسكي شخصية مهمة سابقا في بروكسل، حيث لعب دور قيادي في تشكيل استراتيجية الاتحاد الأوروبي نحو كل من روسيا وأوكرانيا. إلا أن القادة الأوروبيون - خوفا من كاريزمته وآرائه الصريحة حول روسيا – اختاروا عدم تعيينه ممثلا أعلي لأوروبا للشؤون الخارجية في وقت سابق من هذا العام. واليوم سيكورسكي هو المتحدث المتشدد باسم البرلمان البولندي، ويقول أن الغرب كان مشتتا جدا بفعل الأزمة في أوكرانيا حتي أنه أغفل التطورات الأكثر أهمية في منطقة أبعد من الشرق.

"ما يحدث الآن هو احتضان كامل للامبريالية الجديدة،" وفق تعبير سيكورسكي. "لقد استغلوا كل رجعية فترة ما بعد انهيار الاتحاد السوفيتي والسوفيتية الجديدة وجعلوها حقيقة، لأن نسبة مقلقة من الشعب يؤمن بها. وهكذا أعادوا إمداد نظامهم بالحياة."

يتميز سيكورسكي بالجراءة، لكنه ليس وحيدا. يرى مسؤولون أقوياء داخل روسيا أيضا ملامح أكثر قتامة للنظام، مع تضاءل تأثير اقتصاديي السوق الحر بشكل كبير وأعضاء حكومة الأقلية الذين أحاط بوتين نفسه بهم في وقت ما. فقد تم إبعاد الليبراليين نسبيا: حيث يقال أن الرئيس الروسي حاليا يعمل بشكل وثيق فقط مع مسؤولين أمنيين ووزارة الدفاع. حتي أن بعض الدبلوماسيين الأوروبيين يشككون حول تحكم بوتين الكامل في الأمور، إنه مدين بالفضل للحرس القديم – وهو الجيش والمؤسسة الأمنية. " تتقلص الدائرة الحاكمة كل عام لتصبح أصغر وأصغر،" وفق قول أحد المصادر بالكرملين. "الأشخاص الوحيدون الذين يستمع لهم بوتين هم الجيش والمخابرات."

عاد الخوف إلي موسكو. وسيطر جنون الارتياب على المسؤولين ونخبة الأعمال الروسية. كما لم يعد هؤلاء المطلعون علي معلومات حساسة يحملون هواتف ذكية. بدلا من ذلك يحملون هواتف بسيطة قديمة والآن يزيلون البطارية – للتأكد من أن الهاتف لا يعمل – عندما يتحدثون عن سياسة الكرملين بين بعضهم البعض. ذلك لأنهم يفترضون أن أجهزة الأمن تسجل لهم الآن ما يقال وأن ذلك يمكنه أن يبطل جهاز التسجيل. هناك خوف حقيقي حول أن الحدث المثير التالي في السياسة الروسية سوف يثير موجة من الإقالات، أوالاعتقالات أو حتي حملات التطهير.

"تلك هي النخبة الحاكمة الجديدة – مديرية المخابرات الرئيسية العسكرية، والتي كانت رأس الحربة علي الأرض في أوكرانيا ووزارة الدفاع،" حسب قول سيكورسكي، مشيرا إلى أكبر وكالة استخبارات أجنبية في روسيا، والتي تقود قوات خاصة تابعة لها. لم تبدأ إزالة النخبة القديمة بعد، لكن تلك هي الخطوة التالية المنطقية. ... لقد أطلقوا نشوة وطنية. وأحدثوا ذلك عن طريق استغلال الاستياء النفسي والاجتماعي لجميع أجهزة الاستخبارات وأجهزة الأمن الجديدة والقديمة تجاه الطبقة المكروهة من المليارديرات بيخوتهم وقصورهم في لندن. لذلك هم شديدو الالتزام والولاء."

اعتقد كارل بيلدت أيضا - والذي كان حتي هذا الشهر وزير الخارجية السويدي صاحب المواقف المتشددة- أن فريق الإنتقاميين الخاص ببوتين يستخدم الغضب القومي الذي أثارته حرب أوكرانيا لتعزيز قوته. لكن بيلدت يشير إلى أن النظام الروسي الجديد المتشدد قد يكون أيضا هشا تحت السطح. "الحالة السائدة وفقا لمصادري الروسية هي التشاؤم والخوف الشديدين،" وفق قول بيلدت لمجلة "بوليتيكو." "ليس لديهم فكرة إلي أين يسير المستقبل. هم يخافون أن بوتين قد يحكم للأبد أو قد ينهار فجأة جدا لأن النظام له أساسات ضعيفة مثل تلك. مما يترامي إلى سمعي، أن الجيش الآن سعيد للغاية. وذلك لأنهم يحصلون علي ما تريده الجيوش، ألا وهو المكانة الخاصة وعمليات نقل الأموال الكبيرة والجديدة. ولكن القلة الحاكمة خائفة والحكام الإقليميين غاضبون. لأنهم هم الخاسرون في تلك الصفقة الضخمة بموسكو."

رسخ بوتين الخوف من الخروج عن النظام بكلام الدعائيين الخاصين به حول "الطابور السادس." فقد شوه النظام طويلا سمعة المعارضة باتهامات قياسية حول كونهم "الطابور الخامس" بروسيا. لكن الاختراع الاورويلي الجديد "الطابور السادس" يشير إلي هؤلاء داخل النظام الذين يعارضون التوسعية بسبب صلاتهم بالغرب. فقد تم الآن الترويج لأليكسندر دوجين - وهو مفكر يتحكم به الكرملين عبر موجات الأثير الرسمية - كبطل هذا الاتجاه المحافظ الجديد، بل وقد أطلق على هؤلاء المطلعون الأعداء الوجوديين الرئيسيين لروسيا. "القلة الحاكمة ذوي الأملاك في لندن يعرفون أنهم مخلفات بالية لفترة سابقة،" وفق قول أحد مستشاري الكرملين.

داخل المؤسسة كان هناك إقالات لمسؤولي استخبارات وجنرالات يعتقد عدم ولائهم. وفي تلك الأثناء، وراء حوائط الكرملين، تحركت الاستخبارات لإنهاء أمر المعارضة الروسية. عبر القمع والاختراق، لم يتبق أي نشاط معارض ذي قيمة. فقد تم إجبار القادة الرئيسيين للمعارضة علي مغادرة البلاد، أو تم عزلهم أو وضعهم رهن الإقامة الإجبارية. وفقدت حركة التظاهر الحياة. "نحن نعتقد أن معظم الذين نزلوا إلى الشوارع في موسكو عام ٢٠١١ قد هاجروا،" حسب قول مسؤول روسي مطلع. "ونعتقد أن البقية سوف يتبعوهم."

هناك تخوف متصاعد وسط المتخصصين في موسكو حول أن النظام يفكر مليا في فرض فيزا خروج، وهي ممارسة تقييدية اختفت بشكل كبير مع الاتحاد السوفيتي. يبدو ذلك في معظمه كإشاعة نشرها الكرملين لتشجيع النشطاء الليبراليين المتبقيين علي المغادرة. رغم ذلك فإنه هناك حقيقة أيضا وهي أن: أكثر من أربعة ملايين مسؤول لهم صلة بالجيش والاستخبارات ممنوعون الآن بشكل فعال من مغادرة البلاد. "هم يغلقون الحدود ببطئ،" وفق توضيح أحد مستشاري الحكومة الروسية. 

حتي بالنسبة للمليارديرات، هناك تخوف جديد منتشر: لم يعودوا يستطيعون أن يعتمدوا علي يقين الاحتفاظ بأصولهم طالما لا يعارضون بوتين. فقد أرسل اعتقال الملياردير الروسي يفجيني يفتوشينكوف - والمعروف بأنه مستقل- في سبتمبر رسالة واضحة. "تلك لم تعد أزمة،" وفق قول أحد المصرفيين لأحد المطلعين في الكرملين. "ما لدينا الآن أصبح أمر عادي جديد. كان هناك إعادة تقييم كامل لما تستطيع روسيا الآن تحقيقه. لن ننمو مجددا مثل سوق ناشئ. سنعيش في دولة تشبه كثيرا إيران أكثر مما تشبه الصين. إنهم يعلون الوطنية علي الإقتصاد."

كانت القلة الحاكمة الروسية تحاول أن تنقل مخاوفها للحكومة البريطانية، محذرة مستشاري رئيس الوزراء ديفيد كاميرون من أن أي عقوبات إضافية قد تتسبب في شن بوتين لهجوم عدواني ضد الأجزاء الأكثر حساسية في النخبة الروسية. حاول أيضا الدبلوماسيون الروسيون إقناع نظرائهم الأوروبيون أن الحركات الليبرالية والمحافظة تتصارع داخل الكرملين وأنهم لا يجب أن يفعلوا شيئا لتقوية المتشددين. لكن بيلدت وآخرون يعتقدون أن مثل هذا الصدام، إن كان موجودا، فهو قد انتهى بالفعل. "لا اعتقد أن بوتين يتم تشتيته في حرب حركات،" يوضح بيلدت، "لا يجب أن تنسي أبدا أن بوتين ينتمي للجانب المحافظ. فهو في الأساس رجل أمن من الكي جي بي."

فعل نظام بوتين أيضا الكثير في الأشهر الماضية لتضييق الخناق علي الإعلام الروسي. فقد جلب الكرملين التلفاز الوطني تحت سيطرته في الحال تقريبا بعد الوصول للحكم. لكن مصادر الأخبار دون جمهور كبير كانت طويلا بعيدة بشكل نسبي عن توسط الكرملين. كان الانترنت دون قيود وكانت الصحف الأفضل جودة تخضع لرقابة طفيفة فقط. وقد تغير ذلك الآن بشكل كبير. فالتلفاز الوطني الروسي يؤدي ما هو أكثر قليلا من التحريض والدعاية. ويقدم الآن الدعائي الوطني الهستيري ديمتري كيزلوف، والذي يترأس وكالة الأخبار الوطنية "روسيا سيجودنيا،" بث أسبوعي بتوجه الحكومة للشعب.

تم تمرير قوانين وحشية تسمح للنظام باعتقال أي شخص لقوله أي شئ علي الانترنت. واستثمر النظام في تكنولوجيات مراقبة شديدة، متضمنة واحدة تسمح بإعادة كتابة المواقع الأجنبية عندما تفتح من أجهزة كمبيوتر روسية. فروسيا الآن تجبر جميع الخوادم الذين يحملون بيانات روسية علي الانتقال إلي أراضيها ثم تمنح أجهزة الاستخبارات وصول كامل لها. يتوقع الكثير من سكان موسكو رقابة كاملة علي الإنترنت قريبا، ويخشون أنه سيتم قريبا حظر خدمات "فيس بوك" و"سكايب" و"تويتر." وفي تلك الأثناء، شهدت بعض الصحف الروسية الكبيرة مثل "كوميرسنت" اختفاء حريتهم التحريرية، بينما تعتقد أخري مثل "فيدوموستي" أو "نوفايا جازيتا" الآن أنهم يعون تحت تهديد الإغلاق بسبب قانون جديد يضيق بشكل كبير بشدة ما يمكن للأجانب أن يمتلكوه في الإعلام الروسي. 

"كان هناك تصعيد شديد علي الجبهة الدعائية،" كما يضيف بيلدت. "تلك الاستعارة لا يجب أن يتم تمديدها بعيد جدا لكن ما حدث يذكرني بتلفاز الدعائية الذي أسسه سلوبودان ميلوسيفيتش في صربيا في التسعينيات. فقد يستخدم تلفاز الدعائية الصربي ذكريات تاريخية مؤلمة مجددا ومجددا. ... الآن يفعل التلفاز الدعائي الروسي نفس الأمر."

يعتقد الكثيرون في بروكسيل أن بوتين قد اجتاح أوكرانيا لأنه خشي العولمة؛ فقد كان الانترنت وصعود الطبقة المتوسطة يضائلون أساسات نظامه. "ووجد بوتين الإصلاح شديد الصعوبة،" يقول سيكورسكي. "اتخذ بوتين الطريق المختصر للشعبية. فقد أدرك أن المضي نحو الإصلاح تضمن تخريب وقطع مصالح عدة أشخاص ذوي صلة والذين تعتمد سلطته عليهم. ورأي أن ذلك شديد المخاطرة. لكن في الواقع فإن خوفه الأكبر هو أن يكون مثل (آخر قائد سوفيتي، ميخائيل) جورباتشوف. فهو يري جورباتشوف كمغفل لأنه انبهر بالغرب ثم تخلصوا منه. وهناك بعض الحقيقة في ذلك."

***

وقد أعاد إعادة الترتيب الداخلي بروسيا، بشكل متوقع، توجيه وجهة نظر الكرملين نحو العالم بطريقة مثيرة. فالأجواء المشابهة لحرب باردة جديدة لم تعد خفية. وقد أوضح ذلك نيكولاي باتروشيف، وهو رئيس مجلس الأمن الروسي، والذي يشرف علي قوات الأمن الروسية، عندما قال في أكتوبر أن الولايات المتحدة الآن "تسعي لنفس الأهداف التي سعت لها في الثمانينيات تجاه الاتحاد السوفيتي."

وذلك الفكر متصل في بروكسل، حيث يعتقد المسؤولون أن الاتحاد الأوروبي سوف يستمر في أداء أعمال مع موسكو، لكنه لن يلتزم مجددا ببناء أي شئ مع موسكو. ويعني ذلك أن أي مشروع لبناء سواء نظام دخول دون تأشيرة أو تجارة حرة مع روسيا يعتبر الآن منتهي حتي المستقبل المنظور. لذلك يدفع نظام بوتين ذو الأسلوب الجديد بقوة نحو التقرب مع الصين، تحديدا عن طريق صفقات طاقة كبيرة جديدة. ووفقا لمستشار لنائب رئيس الوزار الروسي إيجور شوفالوف، فإن موسكو تنوي أن تحرك ببطئ تمويل الشركات الحكومية واللاعبين السياسيين بعيدا عن لندن، زيورخ وفرانكفورت ونحو هونج كونج، شنجهاي وسنغافورة. ويقول المستشار " نحن نظن أننا يمكننا مطابقة ما فقدناه من الغرب مع ما تقدمه الصين."

يجد القادة الأوروبيون ذلك خياليا. وفقا لأحد مستشاري كاميرون، تري الدائرة الداخلية للحكومة البريطانية المحور الشرقي الخاص بروسيا وهما. إنهم يعتقدون أن إعادة بناء بنية تحتية كاملة للنفط والغاز موجهة نحو أوروبا سوف يستغرق عقود وأن البنوك الصينية ليست في موقف يسمح لها باستبدال القروض الغربية. "الصينيون لا يستطيعون ولن يعطوهم تلك الأموال،" قال المستشار.

وبالفعل، كان هناك قليل من القروض الصينية الجديدة نحو الشركات الروسية غير القادرة علي التأثير في الغرب. اعتبارا من مطلع سبتمبر كان للبنوك الحكومية الصينية الرائدة – وهي بنك الصين وبنك البناء الصيني وبنك الصين الدولي والتجاري – محافظ إقراض بقيمة ١٧٠ مليون دولار فقط في روسيا. وهي لا شئ مقارنة بالديون الأجنبية بقيمة ١٣٤ مليون دولار والتي يجب أن تدفعها البنوك والشركات الروسية في الأغلب لبنوك أمريكية وأوروبية قبل نهاية ٢٠١٥.

"ما نسمعه من الصينيين هو نظرة شديدة السخرية لروسيا،" كما يضيف بيلدت، "وماذا يستطيع الصينيون أن يفعلوا لهم. إنهم يصلون إلي بكين ويحدثون زوبعة كبيرة لكن هناك حقيقة صغيرة جدا للعديد من هؤلاء المصافحين. فهم يقولون أنهم قد وقعوا بالفعل بعض العقود لكن ذلك سيستغرق وقتا طويلا جدا ونحن حتي لا نصدق أن الكثير منه سيحدث."

والآن وقد تلاشت صدمة الحرب في أوكرانيا، يحاول العديدون في بروكسيل اكتشاف منذ كم من الوقت تم التخطيط للعملية في القرم. لذلك يعمل الدبلوماسيون الروس بجد لإقناع القادة الأوروبيون أن الحرب في أوكرانيا كانت ببساطة مجموعة مؤسفة من الأحداث بداية بالمظاهرات العفوية في كييف في وقت سابق من هذا العام، والتي أدت إلي الإطاحة برئيس الوزراء في حينها فيكتور يانوكوفيتش، وهو حليف متقلب للرئيس الروسي.

بدأ الحشد للحرب فعليا في وقت مبكر منذ ٢٠٠٨، وفقا لسيكورسكي. ويقول أن النوايا الروسية أصبحت ظاهرة بحلول قمة الناتو عام ٢٠٠٨ في بوخارست. "حيث ألقي (بوتين) خطابه الاستثنائي قائلا أن أوكرانيا كانت دولة اصطناعية وأن الجزء الأكبر من تلك الأراضي ينتمي تاريخيا إلي روسيا." وقد حذر الكرملين في القمة من أنه سيرد عسكريا علي أي تحركات من أوكرانيا أو جورجيا للإنضمام لحلف الناتو: ونفذت القوات الروسية ذلك بعدها بأشهر إثر استفزاز من تبليسي واجتاحت جورجيا.

تشير الاستخبارات الأوكرانية إلى بدء تحرك العناصر الروسية في القرم من ٢٠١٢ بل ويحتمل منذ ٢٠١٠. كان هناك تقارير أيضا عن عناصر تابعة للكرملين يناقشون صراحة مشروع ضم الإقليم بداية من صيف ٢٠١٣. ويقول سيكورسكي أن النوايا الروسية نحو القرم بدأت في تنبيهه أول مرة في ٢٠١١ و٢٠١٢، عندما بدأ بوتين في زيارة مهرجانات عصابات راكبي الدراجات الروسية الوطنية في شبه الجزيرة. رغم أن ذلك الإنتباه لم يبدأ داخل وزارة الخارجية البولندية حتي صيف ٢٠١٣.

"علمنا أن روسيا تجري حسابات حول أي المحافظات سيكون انتزاعها مربحا،" يضيف سيكورسكي، والذي يزعم أن بولندا أصبحت مدركة أن الكرملين قد توصل إلي أنه سيكون من المربح ضم مناطق زابوروجي، دنيبروبيتروفسك وأوديسا، مع تقدير أن منطقة دونباس التي يسيطر عليها حاليا ثوار بوتين لن تكون، بمفردها، مربحة عند دمجها مع روسيا.

"في الوقت الذي كانوا بالفعل يجرون فيه حسابات حول كيفية الاستيلاء علي القرم كطريقة لابتزاز فيكتور يانوكوفيتش،" يقول سيكورسكي، "أعلم من محادثاتي ومقابلاتي مع يانوكوفيتش أنه أراد إبرام اتفاقية شراكة (الاتحاد الأوروبي-أوكرانيا). لكن في نوفمبر ٢٠١٣ حدث أمر ما، شيء ما انكسر. بناء علي محادثاتنا، أحسست أنه شيء قاله له بوتين في سوشي. أظن أن بوتين كان لديه مادة لابتزاز يانوكوفيتش: نحن الآن نعلم أنه كان هناك شاحنة تخرج بشكل أسبوعي أو مرتين أسبوعيا بالمال (المسروق من الميزانية الأوكرانية) في تحويلة نقدية. وأظن أنه قال له: "لا توقع اتفاق الشراكة؛ وإلا سوف أستولي علي القرم." ولذلك سقط."

منذ ذلك الحين، حاولت روسيا أن تورط بولندا في اجتياح أوكرانيا، وكأنها كانت إعادة ما بعد حداثية للتقسيمات التاريخية لبولندا. "لقد أرادنا أن نكون مشاركين في هذا التقسيم لأوكرانيا،" يضيف سيكورسكي. "يريد بوتين أن تلتزم بولندا بجنود تجاه أوكرانيا. كانت تلك هي الإشارات التي أرسلوها لنا. ... لقد عرفنا كيف يفكرون لسنوات. وعرفنا أن ذلك هو ما يفكرون فيه لسنوات. كان ذلك أحد أول الأمور التي قالها بوتين لرئيس وزرائي، دونالد تاسك، (والذي سيصبح قريبا رئيس المجلس الأوروبي) عندما زار موسكو. فقد استمر في القول بأن أوكرانيا دولة مصطنعة وأن ‘لفوف’ مدينة بولندية ولماذا لا نسوي المسألة سويا. لحسن الحظ أن تاسك لم يجب. فقد عرف أنه يتم التسجيل له."

راهن الكرملين علي أنه كان يلعب بخيالات بولندا الاستعمارية المكبوتة: وموسكو مدركة تماما أنه من بين أعلي الروايات مبيعا للبلاد رواية خيال تاريخي حول تحالف بولندا مع ألمانيا النازية لغزو الاتحاد السوفيتي. وقد حققت نجاحا في في موسكو حتي أن سيكورسكي نفسه أشاد بالرواية، في أكثر من مناسبة. لذلك أرسل الكرملين اقتراحات لوارسو مع رسالة من المتحدث باسم الرئيس الفظ للبرلمان الروسي، فلاديمير جيرينوفسكي، عارضا علي بولندا خمس محافظات من غرب أوكرانيا. كان الاعتقاد في وارسو أن تلك الرسالة كانت اقتراح يمكن انكاره من دوائر الكرملين الأعمق. "لقد أوضحنا الأمر لهم بشدة – لم نكن نريد أي شيئا من ذلك،" يقول سيكورسكي.

لا أحد يعلم أين سيتوقف بوتين. لكن هناك تخوف في بولندا ودول البلطيق من أنه عاجلا أم آجلا سوف يحاول أن يغزو بقية ما يطلق عليه "نوفوروسيا،" أو روسيا الجديدة: وهي أراضي كبيرة تمتد من دونيستك وحتي حدود مولدوفا. "ما أخشاه،" يضيف سيكورسكي، "هو أن الروس ببساطة لا يستطيعون قبول وجود أوكرانيا كدولة. لا يستطيعون الاعتراف بوجود دولة منفصلة. وإذا أرادوا تحدي القومية الأوكرانية، إذا فليتفضلوا. عندها ستتعلم روسيا أن أوكرانيا بالفعل دولة وستواجه موقف من الحرب الحزبية لمدة ٢٠ عاما. يستطيع الروس أن ينتزعوا منطقة "نوفوروسيا" بسهولة، لكن سيكون لديهم عجز بتسليح أوكرانيا لها، وتزويدها بالأسلحة، والتي سيراها العالم كله كأوكرانيا الحقيقية، بدعم قدر ضخم من السكان لأوكرانيا الحقيقية. يستطيعون أن يكسبوا المعركة. لكن هزيمة تلك المساحة الشاسعة سيتطلب قوة بين ٢٠٠٠٠٠ إلي ٣٠٠٠٠٠ من القوات و ١٠ سنوات من الالتزام. ولن يستطيعوا أبدا أن يحافظوا عليها دون تعبئة وطنية دائمة."

يظن قادة أوروبا أنه لذلك سيجمد الكرملين الآن النزاع في شرق أوكرانيا. لكنهم ليسوا متأكدين. يخمن الكثيرون أن بوتين سوف يحاول أن يستقطع جسرا بريا إلي القرم، وآخرون يظنون أنه سوف يقطع الغاز الأوكراني هذا الشتاء. أيا كان ما يحدث، من الواضح أن ماكينة سياسة أوروبا الخارجية قد تم كشف جهلها. لدي الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء أكثر من 57,000 دبلوماسي حول العالم، لكنهم فشلوا في توقع كل من الحرب في أوكرانيا والربيع العربي. ويرثي بيلدت: "معظم طاقم العمل في سفارات الاتحاد الأوروبي لا يستطيعون حتي التحدث باللغة المحلية."

يري بيلدت وسيكورسكي المتشددون روسيا كتهديد حقيقي للدول الأوروبية الأخرى، لكن معظم القادة الأوروبيون يختلفون معهم. مثلما أوضح الخلاف أحد وزراء الخارجية الأوروبيون من دولة شرقية صغيرة: "هناك نوعين من تقديرات التهديد في الاتحاد الأوروبي حاليا. هناك هؤلاء مننا الذين يرون التهديد الوحيد لدولتنا قادما من ألمانيا إذا انهار اليورو والاتحاد الأوروبي، ويأتي بعد ذلك أي شئ آخر، داعش، وأوكرانيا وكل ذلك، لكونها تهديدات تبدو حقيقية في التلفاز فقط؛ ثم هناك من هم مننا مثل البولنديين، ودول البلطيق، والذين يعتقدون فعلا أن روسيا تهدد دولتهم بشكل وشيك."

ومع ذلك، يتم اتخاذ بيلدت وسيكورسكي بشكل جدي جدا في بروكسل: فالقادة الأوروبيون يستمعون إليهم حول جميع الامور المتعلقة بروسيا. وكلاهما يرى حربا بتحريض من الكرملين في أوروبا خلال العقود القادمة. "لقد تحدث مع جنرالات الناتو،" يتابع سيكورسكي. "وهم يرون ما أري: أنه قادر علي الدفع بنا إلى (الوصول إلى) آخر ما نحتمل. ويدفعنا إلي الحد الأقصي قبل سقوطنا. أظن أن بوتين قد كشفنا تماما. هو يظن أنه يواجه مجموعة من الضعفاء المنحطين. وهو يظن أننا لن نحارب للدفاع عن دول البلطيق. أتعرف، ربما هو محق."

رغم ذلك ففي النهاية، قد يزداد التهديد من روسيا بنفس المقدار نتيجة لعدم استقرارها بسبب طموحاتها. يبدو بوتين محصنا جدا عن أن يتم عزله دون إراقة دماء أو انقلاب. يشير الدبلوماسيون الأوروبيون بجدية إلى اعتقادهم بأن العقوبات لا تستطيع أن تسقط النظام: فإن نجحت، فإنها ستجعل الاجتياح في الخارج أكثر تحفظا، علي حساب أن تصبح أكثر قمعية علي أراضيها. يعني ذلك أن الخطر الحقيقي هو أن بوتين سوف يحاول أن يكرر نجاحه في القرم في كل مرة تضعف فيها شعبيته – بل وقد يكون هناك خطر أكبر من هذا الآن وهو أن سعر النفط يسقط، ويسقط معه ازدهار روسيا.

"إذا انخفض بشكل قاطع إلي أقل من ٨٠ دولار للبرميل وبقي علي ذلك لسنتين فسيكون (بوتين) في مشكلة،" يحذر سيكورسكي. "لكن ما هو سئ له ليس بالضرورة جيد لنا. إنه مغامر. ولديه إحساس منخفض بالخطر. سوف يقبل بتلك الرهانات الكبيرة لأن الخطر الحقيقي لبوتين هو حياته نفسها. فلا يستطيع الاستسلام. لا يستطيع أن يغادر الكرملين. فبعد إراقتك للدماء، وبعد تفجيرك لمحلات سكن، وبعد إرسالك لفرق موت خارجا، وبعد حصولك علي جورجيا، وأوكرانيا، وكل أولئك الأمهات، ومع التخلص من كل جثث الجنود الذين قضوا في حروب سرية... لا يمكنك الاستسلام ببساطة."

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب