تحت سفن قناة السويس

مقال رأي

أعلن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي هذا الصيف أنه سيتم توسيع قناة السويس إلي حوالي الضعف. القناة هي أسرع طريق ملاحي من آسيا إلي أوروبا، وطريق مختصر يجلب لمصر دخل سنوي مقداره 5 مليارات دولار. لكن علاوة علي استضافتها لعشرة بالمئة من حركة الملاحة العالمية، تمثل القناة المعبر الرئيسي للأنواع المجتاحة.

تمثل الأنواع المجتاحة واحدا من أعظم التهديدات للتنوع البيولوجي واستقرار النظم الأيكولوجي. ورغم ذلك فإن توسيع قناة السويس يتم دون أي مراجعة بيئية من أي نوع. 

نشر 18 عالم في سبتمبر ورقة بحثية في جريدة "بيولوجيكال إنفيجنز" واصفين عملية التوسيع ونقص الإشراف البيئي "بما لا يحمد عقباه" لأن "قناة السويس هي إحدي الآليات الفعالة والممرات لإجتياحات أنواع بحرية معروفة عالميا." وقد أخبرتني الكاتبة الرئيسية، بيلا إس. جليل، من المعهد الوطني لعلم المحيطات في إسرائيل، "نحن نغامر، ليس بخليج أو بنهر، ولكن بالبحر المتوسط بأكمله."

تتدفق معظم المياة في قناة السويس من البحر الأحمر إلي البحر المتوسط. وسيتضمن المشروع الجديد حفر قناة جديدة موازية تقريبا للممر المائي الحالي، وتوسيع وتعميق القطاعات الموجودة بالفعل. سيسمح ذلك أيضا لكمية أكبر كثيرا من مياه البحر – والكائنات البحرية – بالتدفق إلي البحر المتوسط. وقد وثق العلماء بالفعل أكثر من 350 كائن حي غير أصلي عبر قناة السويس وكون مجموعات في البحر المتوسط، والعدد يتزايد. والبحر المتوسط أكثر برودة من البحر الأحمر، لكنه يصبح أدفئ، ما يعني أنه يصبح أكثر احتوائا لكائنات البحر الأحمر الاستوائية.

يغزو الآن قنديل البحر المرتحل، والذي ينتمي في الأساس إلي البحر الأحمر، شرقي البحر المتوسط. بلونه الأزرق الشاحب وعرض حوالي قدمين والآلاف من المخالب اللاذعة، تتجمع تلك القناديل البحرية في أسراب ضخمة كل صيف – وقد يمتد السرب الواحد إلي أكثر من 60 ميلا. فلا يستطيع الصيادين أن يصطادوا أثناء موسم تجمعهم لأن القناديل تفسد معداتهم ويغطي المخاط صيدهم. ويمتنع مرتادي الشواطئ عن ارتيادها، ما ينتج عنه خسائر سياحية تقدر بعدة ملايين دولار سنويا. تسد تلك الأنواع ايضا أنابيب السحب في مصانع تحلية المياة والطاقة.

عبر السمك البخاخ ذي الشريط الفضي قناة السويس، وتم رصده في البحر المتوسط عام 2003. وهو مفترس وعدواني، ويتم تصنيفه الآن وسط أكثر 10 أسماك غزارة في شرقي البحر المتوسط حسب الوزن. تحوي تلك الأسماك التي تشبه الصندوق "سم الأسماك رباعية الأسنان،" والذي يسبب الشلل، وبشكل محتمل، الموت. المحليون الذين ليسوا علي دراية بوجوده يصيدونه، يبيعونه ويأكلونه. وقد تم الإبلاغ عن حالات تسمم تتطلب رعاية طبية في مصر، اليونان، تركيا، إسرائيل ولبنان.

وقرب تركيا، أزال نوعين من أسماك أرنب البحر الأحمر مئات الأميال من غابات العشب البحري. والعشب البحري موطن للعديد من الأنواع، متضمنة العديد من اللافقاريات، والتي هي فريسة للأسماك آكلة اللحوم. وعبر تدمير تلك الموائل، سيؤدي سمك الأرنب إلي إنهيار الشبكة الغذائية المعقدة للبحر المتوسط.

في منطقة عادة ما تعاني من تأخيرات، تبدو سرعة تقدم حفر القناة مذهلة. حيث تم بيع السندات اللازمة لتمويل المشروع بقيمة 8.5 مليار دولار في ثمانية أيام فقط. وتم حفر ستون مليون متر مكعب من أصل 140 مليون متر مكعب بحلول أكتوبر. وتم تدمير 1500 منزل وتهجير آلاف المصريين لإفساح المجال لتوسيع القناة، وفقا لتقارير محلية. فيمكن أن يكتمل الحفر بحلول العام المقبل.

لن توقف المخاوف البيئية هذا المشروع. ويزداد حجم السفن والحركة الملاحية حول العالم. حيث تضاعف قناة بنما حجمها، وتخطط نيكاراجوا لبناء قناة أخري توصل المحيط الأطلنطي بالمحيط الهادئ. وتلعب القنوات العابرة للمحيطات دورا ضروريا في العولمة، وقناة السويس حيوية للاستقرار الاقتصادي المصري.

ولكن عند التخطيط لمشروع بهذا الحجم، تكون أول خطوة هي إجراء تقييم للتأثير البيئي، متبوعا بتحليلات للمخاطر وتقييم للوسائل التي يمكنها بشكل محتمل أن تخفف الأضرار. ويجب اتخاذ تلك الخطوات في قناة السويس.

توجد حلول لمشكلة الأنواع المجتاحة التي تسافر عبر القنوات. تصنع الستائر الهوائية – هي في الأساس حوائط من الفقاعات – حقولا مضطربة تتجنبها الكائنات المائية، رغم أن بناء ستارة هوائية بحجم قناة السويس قد يكون مشكلة. يمكن أيضا استخدام انبعاثات صوتية منخفضة التردد لردع الحيوانات، رغم أن ضوضاء الحركة الملاحية قد تتداخل معها. وقد سبقت فيما مضي التكنولوجيا الأكثر وعدا لقناة السويس. فقد قسمت البحيرات المرة شديدة الملوحة والتي تحدث بشكل طبيعي قناة السويس في بدايات القرن العشرين، مصعبة عبور الأنواع للقناة. فيمكن إعادة إنشاء حاجز ملوحة عبر وضع هويس للملوحة العالية في القناة. يجب أن نبدأ علي الفور في استطلاع قابلية تنفيذ وفاعلية تكنولوجيات تخفيف الضرر تلك وغيرها.

ويجب أن تضغط الأمم المتحدة علي مصر للبدء في مراجعة بيئية. فهي تشرف علي ثلاث اتفاقيات – اتفاقية التنوع البيولوجي، خطة عمل البحر المتوسط، شعبة شؤون المحيطات وقانون البحار – والتي لديها سلطة الاختصاص علي النشاطات التي تؤثر علي صحة النظم الإيكولوجية للبحر المتوسط والأنواع المجتاحة. فمصر موقعة علي كل تلك الاتفاقيات. لكن رغم نداءاتي المتكررة ورسائلي الإلكترونية لمسؤولي الأمم المتحدة، رد علي اثنين فقط، ورفض الاثنين التعليق.

الدعم المالي الضخم وراء هذا المشروع دليل علي أن تكلفة المراجعة البيئية لن تكون مرهقة. فغيابها ليس مجرد خرق لالتزام قانوني؛ لكنه يعرض نظاما بيئيا للخطر، والذي سيظل مألوفا لأول من درسوه، أرسطو وبليني الأكبر. فالمحيط الذي أطلق عليه طويلا "بحرنا" يستحق حمايتنا.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب