تفكك أوراسيا الجاري

مقال رأي

تواجه أوراسيا ‒الممتدة من إيبيريا لشبه الجزيرة الكورية- احتمال تغيُّر تاريخي. لا تتصدر تلك الاضطرابات دائمًا عناوين الصحف، إذ تغمُر مساحات شاسعة من الاستقرار حيث يكون التغيير تدريجيًا وليس مفاجئًا. ولكن في الوقت الذي يشهد تحولات سريعة في مجال التكنولوجيا والديموغرافيا الحضرية، من المتوقع وقوع تحوّل في نوع الهويات السياسية الذي يؤدي إلى تعديلات إقليمية. وبينما يكون التوق إلى الديمقراطية الليبرالية هو القوة الدافعة للثورة في بعض الحالات، تكون المشاعر العرقية والطائفية الإقصائية الراسية في مناطق جغرافية محددة هي القوة الدافعة في أغلب الأحيان الأخرى. تغطي المعارك الفكرية صفحات الرأي الرائدة في العالم، ولكن في أوائل القرن الواحد والعشرين، فإن الدم والأرض يمكنهما أن يكونا مؤشرات أكثر دقة من الجغرافيا السياسية ما بعد الحداثية. 

ساعد قيام الاتحاد الأوربي العابر للقومية، والتدهور الاقتصادي الذي شهده هذا الاتحاد، على المزيد من إشعال الدعوات الانفصالية في كاتالونيا وسكتلندا، في طلبهما لنيل الاستقلال عن أسبانيا وبريطانيا، بالترتيب. فمجرد تصاعد الحديث عن دعوات تقرير المصير تلك يؤدي إلى اهتزاز سمعة أسبانيا وبريطانيا على الساحة العالمية. وفي حين أن حالات الانفصال تلك -في حال حدوثها- من المرجح أن تكون ناعمة، فإن إعادة الترتيب الإقليمي التي تجرى في الشرق الأوسط لن تكون كذلك.

بصرف النظر عمّا تقوله الخرائط الحالية، لم تعد ليبيا موجودة كدولة، وبالمثل سوريا والعراق. اليمن لا يكاد يكون دولة على الإطلاق، أما كردستان فهي في طريقها إلى أن تصبح دولة. عادة ما تحدث تلك التغييرات الخرائطية الكبرى على مدى عقود وقرون – باستثناء في حالات الحرب العالمية- لكنها تحدث في هذه المرة خلال بضع سنوات فقط. ورغم أن التدخلات العسكرية التي تقودها الولايات المتحدة قد لعبت دور العامل المحفز لفشل الدولة في ليبيا والعراق، فإن شيئًا أكثر أهمية سبب هذا التوتر الهائل. هذا الشيء هو الديكتاتورية المطلقة الخانقة، التي شهدتها بلاد كانت يومًا ما تسير في طريق حداثي وتتبع منهجًا علمانيًا صارمًا، مثل سوريا والعراق، وبدرجة أقل ليبيا. تحت سطح مثل تلك الأنظمة الاستبدادية المركزية كان هناك فراغ مطلق في المجتمع المدني. لذا، في اللحظة التي بدأت فيها تلك الأنظمة الاستبدادية في التهاوي، قفزت الطاقات العرقية والطائفية والقبلية الأكثر رجعية إلى الواجهة.

في الحقيقة، حين ننظر إلى كل هذا، يصبح من الواضح أن ما بعد الحداثة لا تعني بالضرورة مرحلة من القيم العالمية الأكثر تقدمًا من الحداثة. تمثل ما بعد الحداثة على الأرجح تراجعًا إلى الأشكال الضيقة القاتلة للهوية، التي يدعمها التدين المتشدد، بالإضافة إلى أحدث التقنيات في مجال الاتصالات وصنع القنابل. في هكذا عالم، يصبح التفاؤل طيبًا طالما أنه يقوم على تحليل على الأرض، لا على التجريد الفلسفي.

على الشرق من بلاد الشام، لدينا شبح من المنتظر ظهوره قريبًا، وهو قيام أفغانستان وباكستان دون عامل الاستقرار الذي يمثله الجيش الأمريكي، للمرة الأولى منذ ١٣ عامًا. لنتذكر أن الديمقراطية لا تعني فقط إجراء انتخابات، بل الأهم هو وجود مؤسسات قوية، وهو الأمر الذي تفتقده أفغانستان بشكل واضح. إذا أصبحت أفغانستان في السنوات المقبلة دولة أضعف مما هي عليه في الوقت الراهن، سيزيد هذا من تآكل معنى الحدود بين أفغانستان وباكستان، بحيث تختفي تلك الحدود في حد ذاتها في النهاية من خرائط المستقبل. تستحق الدولة أن تكون ممثلة بشكل كامل في الأطلس فقط إذا كانت تحتكر استخدام القوة داخل حدودها، وإلا فإن الخريطة تعد كاذبة.

لا تزال آسيا الوسطى مكونة من لفيف من الدول –يتم حكمها إلى حد كبير على الطراز السوفيتي- ذات الاستعداد للاضطراب، فبينما يزيد عمر قادتها، وتزيد التوترات الداخلية، تبقى الحدود السياسية معارضة للحدود العرقية والديموغرافية. ثمة حالة مماثلة تنطبق على النظام العسكري المتحجر في ميانمار، وهي بلد تتكون من جماعات عرقية على أساس إقليمي، لها في بعض الحالات جيوشها الخاصة. أينما ينظر المرء، على ما يبدو، لا يمكن أن تؤخذ الحدود الداخلية والخارجية كأمرٍ مسلم به.

في الوقت نفسه، في العصر الذي يشهد تقددمًا سريعًا في مجال الاتصالات الإلكترونية، لا يمكن للنظام في كوريا الشمالية أن يكون ذا آفاق جيدة على المدى الطويل. في القرن العشرين، انقسمت الدول إلى قسمين، مثل ألمانيا، وفيتنام، واليمن، وكلها توحدت في ظروف سريعة مضطربة، لم يتوقعها مسؤولو الشؤون الخارجية قبل حدوثها. لذا من المتوقع أن يتم في مرحلة ما توحيد شبه الجزيرة الكورية، وحكمها من سيول، الأمر الذي سيعيد ترتيب ميزان القوى في شمال شرق آسيا، ويؤثر على موازين القوى في جميع أنحاء شرق آسيا.

في النهاية، هناك بلدان يمثلان معًا المساحة المهيمنة على أوراسيا، وهما روسيا والصين. فلديهما مناطق كبرى مأهولة بالأقليات القومية، والتي تتميز في كثير من الأحيان بارتفاع معدلات المواليد عن مثيلاتها للمواطنين الروس أو صينيي الهان. لدى روسيا مناطق مسلمة ليست بالقليلة، لا سيما في شمالي القوقاز. وبالنسبة لأوكرانيا، من يدري كيف سيصورها صانعو الخريطة في السنوات التالية! أما الصين فلديها مواطنون ذوي عرق منغولي في الشمال، ومسلمو أتراك الأويغور في الغرب، وسكان التبت في جنوب غرب البلاد. في جميع تلك الحالات، ترتفع أجواء الاستياء ضد موسكو وبكين. وبينما تدعو النخب السياسة الغربية لمزيد من التحرر لتهدئة تلك التوترات، قد تكون الحقيقة أن السلطوية هي بالذات التي تحافظ على تلك الدول العظمى دون تفكك. إن الإصلاح السياسي في فترة ما بعد بوتين التي يصعب تصورها -أو في حقبة ما بعد الحزب الشيوعي في الصين- قد لا يجلب المزيد من الديمقراطية ولكن المزيد من الفوضى، فضلًا عن رسمٍ جديد للخرائط. علاوة على ذلك، إذا تناقص مقدار الاستقرار السياسي في روسيا أكثر من مثيله في الصين، ستكون مساحات واسعة من سيبيريا والشرق الأقصى الروسي مهيأة للاستعمار غير الرسمي من قبل الصين التي تفوقها بكثير في عدد السكان، مما يؤدي مجددًا لخريطة جديدة.

الأمر الأساسي الذي علينا إدراكه عند فهم أوراسيا هو أننا لا نعرف الكثير عن الحقائق على الأرض. فعصر الاتصالات الإلكترونية من شأنه أن يؤدي إلى الوهم بالمعرفة بدلًا من المعرفة ذاتها. فكم من النخب السياسة يعرف، على سبيل المثال، إلى أي درجة تؤثر الفوضى في اليمن على استقرار منطقة عسير المجاورة التابعة للسعودية؟ ومع ذلك، إذا أصبحت السعودية في المستقبل غير مستقرة –الأمر الذي سيؤثر في أسواق النفط والمال العالمية– سيكون لمنطقة عسير يد في ذلك. كم نعرف عن حقيقة الوضع في وادي فرغانة كثيف السكان غير المستقر، الذي تتشاركه العديد من بلدان آسيا الوسطى؟ ومع ذلك، فإن وادي فرغانة هو المفتاح لمستقبل آسيا الوسطى. كم نعرف حقًا عن الميليشيات العرقية في ميانمار أو حول علاقة روسيا بالأقليات العرقية في دولة مولدوفا الهشة؟ إذا علّمنا تفكك ليبيا وسوريا والعراق أي شيء، فهو درجة جهلنا بشأن الوقائع المحلية والقبلية، لا معرفتنا أو حكمتنا.

يبدأ التنبؤ بالجغرافيا بما تحمله الكلمة من روح القرن التاسع عشر: تقدير للمناظر الطبيعية، والأنثروبولوجيا الثقافية، والموارد الطبيعية، وطرق التجارة، وهكذا. الجغرافيا الآن هي أكثر أهمية من أي وقت مضى. وذلك لأن التكنولوجيا لم تبطِل الجغرافيا، ولكنها بتقليص الجغرافيا جعلت منها أكثر أهمية. كلما نعتمد على مبادئ مجردة من السياسة الخارجية، ويقل اعتمادنا على خبراء المجال الثقافي على أرض الواقع، ستكثر مفاجأت أوراسيا لنا. في قول آخر، كلما كنّا أكثر تواضعًا حول ما نعرفه، ستقل احتمالات وقوعنا في أخطاء.

 
مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب