حصري: مستقبل العسكرية الأمريكية في الخليج العربي

مقال رأي

 

قبل خمس سنوات، كان العدد الإجمالي لأفراد الجيش الامريكي في الخليج العربي أكثر من 230 ألف. اليوم، هذا العدد أقل بكثير من 50 ألف. الخروج السريع لهذا العدد الكبير من المقاتلين من الرجال والنساء الأمريكيين تسبب في خوف العديد من المراقبين على مستقبل الخليج. وكما قال أحد المحللين، إن التوقعات في المنطقة تملؤها غيوم من "العنف، يليه العنف المتقطع، ثم تجدد العنف."1 فما وراء مشكلة انعدام الأمن على المدى القصير تقبع مجموعة من الكوابيس على المدى الطويل، ومنها عدم الاستقرار السياسي والصدمات النفطية والانتشار النووي. ويشارك صناع القرار والمسؤولون العسكريون في واشنطن والخليج العربي في هذه المخاوف. فالاعتقاد بأن الانسحاب الأميركي السريع يخلق فراغا أمنيا وانهيارا سياسيا هو اعتقاد بديهي.

يستشهد المسؤولون بشكل روتيني بالانسحاب البريطاني من الخليج على أنه سابقة خطيرة. قررت شركة الهند الشرقية البريطانية الإقامة في بلاد فارس في عام 1763، وظلت الحكومة البريطانية تبني نفوذها في المنطقة طوال القرن اللاحق. واستمرت الهيمنة البريطانية حتى بعد الحرب العالمية الثانية بينما ينهار ما تبقى من الإمبراطورية. ولكن، في عام 1968، أعلن رئيس الوزراء هارولد ويلسون أن المملكة المتحدة ستنهي التزاماتها العسكرية "شرق السويس"، وفي عام 1971 تركت البحرية الملكية الخليج  العربي رسميا. كان البريطانيون بمثابة الأولياء الفعليين على الخليج لربع قرن. ثم ذهبوا. وشهد العقد الذي أعقب ذلك عداءات إقليمية حادة، ونموا للقوة العسكرية في إيران والعراق، وأول استخدام مهم لسلاح النفط ضد الغرب. وبناء عليه، فإن غياب الهيمنة الخارجية، وفقا لهذه الرواية للأحداث، يعني أنه لم يعد هناك من يستطيع وقف القوى الإقليمية عن التنافس على النفوذ.

لكن القياس على المثال البريطاني تبسيط مُخل، والمخاوف بشأن انسحاب القوات الامريكية اليوم مبالغ فيها. فالمثال البريطاني يظهر في الواقع أنه يمكن، في بعض الحالات، توفير الاستقرار باستثمار بسيط. فعلى الرغم من الاعتراف واسع النطاق بالهيمنة البريطانية في فترة ما بعد الحرب، لكن لندن لم تحافظ في الخليج إلا على قوة صغيرة لدرجة مثيرة للاستغراب. لم تكن بريطانبا تحتاج الى أكثر من ذلك بكثير، فبيئة الخليج كانت متساهلة للغاية في معظم سنوات الخمسينات والستينات. فلم يكن لدى أي دولة إقليمية القدرات العسكرية لتغيير موازين القوى في المنطقة. وبالإضافة إلى ذلك، كان النفط وفيرا والطلب العالمي عليه منخفضا، وهذا يعني أن الحكام الإقليميين لا يستطيعون استخدام النفط كأداة للإكراه. بدأت هذه الأوضاع الإيجابية في التغير قرب نهاية الستينات، بالضبط في نفس الوقت الذي قرر فيه القادة البريطانيون أنه لا مستقبل لهم في منطقة الخليج. وبالتالي، حتى لو أراد البريطانيون الاستمرار في الهيمنة من أجل الاستقرار، لكانوا قد اضطروا لاستثمار قوة أكبر بكثير في المنطقة.

ولكن، لحسن الحظ، الوضع بالنسبة للولايات المتحدة اليوم هو أشبه بالخمسينات منه بالسبعينات. تعاني كل القوى الإقليمية الكبرى من أوجه قصور خطيرة في القوة العسكرية التقليدية، وهذا يعني أنه لا توجد قوة قادرة على تهديد التوازن الإقليمي بشكل جدي في المستقبل المنظور. فقد عانى الجيش الإيراني بشكل كبير من عقود من الحرب والعقوبات. وتركز الأجهزة الأمنية الوليدة في العراق بشكل حصري تقريبا على المشاكل الداخلية. وتبدو المملكة العربية السعودية، أغنى دولة في المنطقة، قانعة باعتمادها على شبكة كثيفة من الدفاعات ومن الوكلاء بدلا من أن تسعى لأن تعكس قوة ذاتية حقيقية. وفي حين أن هناك أسباب للقلق بشأن الاستقرار الداخلي، لا سيما في ظل المعركة المستمرة ضد داعش، إلا أن فرصة قيام حرب بين الدول الكبرى ضئيلة جدا. وعلاوة على ذلك، فإن التهديدات لشَحن النفط في الخليج هي حقيقية ولكنها ليست ضخمة. كل هذا يشير إلى استنتاج بسيط ومتفائل: يمكن للولايات المتحدة حماية مصلحتها الرئيسية في التدفق الحر للنفط دون الحاجة إلى الالتزام بتواجد كبير ودائم لقوات بحرية أو برية في الخليج.

 

باكس بريتانيكا

نظرة إلى الوراء في تجربة المملكة المتحدة ما بعد الحرب ستساعدنا على فهم السبب في أن الولايات المتحدة هي في مثل هذا الموقف الإيجابي اليوم. مصلحة بريطانيا التقليدية في الخليج  العربي كانت في دوره كطريق للتجارة الى الهند؛ ولكن بعد الحرب العالمية الثانية، تحول تركيز بريطانيا إلى ضمان أمن النفط وتعزيز الاستقرار الإقليمي باعتبارهما حصنا ضد الاتحاد السوفيتي. وكان المسؤولون الأمريكيون سعداء بتفويض دور الهيمنة البحرية الإقليمية إلى لندن، بينما كانوا مشغولين بمتطلبات تحقيق الاستقرار في غرب أوروبا وشرق آسيا وفي حين كانوا يقومون بعملية تسريح عسكري ضخمة. وكانت القوات البريطانية أيضا، وبطبيعة الحال، في حالة تمدد مجهد، وكانت الاستراتيجية البريطانية مقيدة بالظروف الاقتصادية العصيبة في الداخل. ومع ذلك، كانت بريطانيا قادرة على توفير الاستقرار في الخليج لأكثر من عقدين.

اعترف القادة الإقليميون على نطاق واسع بالهيمنة البحرية والعسكرية البريطانيتين، على الرغم من أن الوجود البريطاني الفعلي كان صغيرا جدا. فقد حافظت بريطانيا على مركز قيادة إقليمي في عدن، فضلا عن اثنين من كتائب الجيش وقواعد لسلاح الجو الملكي. وكان في كل قاعدة من قواعد سلاح الجو الملكي البريطاني سربين مقاتلين، جنبا إلى جنب مع سرب ونصف من أسراب النقل، وسرب واحد من طائرات هليكوبتر الدعم، ورحلة واحدة من طائرات استطلاع بحري طويلة المدى. ولم يزد كامل عدد القوات البرية عن حوالي 6 آلاف جندي بريطاني. وقد وُصفت القاعدة البريطانية في البحرين بأنها "معقل مصغّر للبحرية الملكية"، ومصغر هو التوصيف الدقيق.2  فلم يوجد في الخليج في أي وقت من الأوقات سوى حفنة من السفن، ورأى المسؤولون في البحرية أن في وسعهم إرسال سفن من أماكن أخرى في حالة حدوث أزمة. وللمقارنة، كان الانتشار النموذجي في الستينات يتطلب أربع كاسحات ألغام وفرقاطة واحدة وطائرتي إنزال وحوالي عشرين مقاتلة وحفنة من طائرات الدورية.

أسست بريطانيا وجودها الخفيف على الاعتقاد بأنها تستطيع ردع الأعمال العدائية باستثمار بسيط طالما أنه مدعوم باستخبارات جيدة. وعند تلقيها تحذيرا من أزمة تلوح في الأفق، تقوم بسرعة بإرسال مفرزة عسكرية صغيرة كاستعراض للقوة، بينما تقوم بحشد قوات أكبر للمتابعة إذا لزم الأمر. وقد تم تصميم هذه الإجراءات للتدهئة من قلق الحلفاء الإقليميي وفي نفس الوقت لردع أي شخص يحلم بإرباك الوضع الراهن. فكان التزام بريطانيا بالدفاع عن حلفائها يعتمد على سرعة تحريك السفن الحربية والقوات إلى الخليج، وليس على تمركز كبير ومكلف.

وقد وُضع هذا النهج البريطاني في موضع الاختبار أكثر من مرة. في الخمسينات، خشي مسؤولون بريطانيون من أن الأنظمة الوليدة في الشرق الأوسط كانت عرضة لتزايد القومية العربية، والتي قد تفتح بدورها الباب أمام زحف سوفيتي. في يوليو من العام 1958، تسبب انقلاب في العراق في خسارة لندن قواعدها العسكرية هناك، وأخرج موردا رئيسيا للنفط من المدار الغربي. وفي وقت لاحق من ذلك الشهر، جاءت التقارير بأن العاهل الاردني الملك حسين يتعرض لهجوم من القوميين العرب ومن القوى الموالية للجمهورية. ردا على ذلك، نشر البريطانيون بسرعة 2200 مظلي في عمان من أجل دعم الحكومة وردع متحدي العرش. ونجا النظام الهاشمي.3

وحدثت أزمة ربما كانت أكثر جدية في عام 1961، بعد أن أعلنت الكويت استقلالها رسميا. خشي بعض المسؤولون البريطانيون أن بغداد سوف تستخدم هذا الإعلان كذريعة لغزو الكويت ولتفعيل ادعاءاتها التاريخية بأن الكويت ومواردها تخص العراق. في أواخر يونيو، أفاد السفير البريطاني أن العراق كان يراجع ميزانيته بالفعل تحسبا لدمج الكويت، وأنه تم اتخاذ الاستعدادات لنقل الوحدات المدرعة الى البصرة. في حين لم تتأكد أي من هذه التقارير، لكن لندن سارعت إلى إرسال قوات إلى الكويت. وبعد أقل من أسبوع، طلبت الكويت رسميا مساعدة بريطانا، وبالفعل وصل حوالي 8 آلاف فرد. ولم يقع أي هجوم عراقي، مما تسبب في تكهن البعض بأن العراق لم يكن أبدا جادا في نيته غزو الكويت. ومع ذلك، ينظر المسؤولون البريطانيون لهذه الواقعة كمثال ناجح على الردع. ورأى السفير البريطاني أن الدبابات العراقية لم تظهر لأنها استدارت لمواجهة القوة البريطانية.4

كما هو الحال في جميع حالات الردع، فإنه من الصعب هنا أن نرسم خطا سببيا مستقيما بين الإجراءات البريطانية وبين استمرار الوضع الراهن. ومع ذلك، ظلت منطقة الخليج مستقرة نسبيا خلال هذه الفترة، في حين هز العدوان والحرب مناطق أخرى. وعززت الأنظمة الوليدة قوتها، وصمدت الحدود الدولية، واستمر النفط في التدفق. وبكل تأكيد، اعتقدت دول الخليج أن بريطانيا كانت تلعب دور المهيمنة من أجل الخير. فعندما أعلن البريطانيون في عام 1968 أنهم لن يفوا بالتزاماتهم الدفاعية شرق السويس، كان رد فعل قادة الخليج مشوبا بالحزن، وليس الارتياح. وعبر أمير البحرين عن أسفه بقوله: "بريطانيا الضعيفة الآن كانت في يوم من الأيام قوية جدا. أنت تعرف أننا كلنا كنا سنرحب ببقائها."5 حتى أن قيادات أبو ظبي ودبي والمملكة العربية السعودية عرضت الاستمرار في دفع ثمن الوجود العسكري البريطاني، ولكن دون جدوى.

كيف كانت بريطانيا قادرة على لعب مثل هذا الدور المهم بمثل هذا الحد الأدنى من القوة؟ يرجع ذلك أساسا لاستقرار واعتدال البيئة الأمنية الإقليمية في معظم تلك الفترة. لم يكن لأي من القوى الإقليمية الإمكانات العسكرية للقيام بعمل من الأعمال التي يخشاها زعماء الغرب. فلم تتمكن هذه القوى من تدمير بنى النفط التحتية لمنافسيها في المنطقة، ولم تستطع عرقلة نقل النفط أو شحنه. والأهم من ذلك أنها لم تتمكن من اللجوء للحرب بغرض الاستيلاء على أجزاء مهمة من موارد المنطقة. ونتيجة لذلك، واجهت دول الخليج عددا قليلا نسبيا من التهديدات الخارجية، وكان الوجود البريطاني الخفيف أكثر من كاف للمساعدة في حمايتهم من التهديدات الداخلية.

عانت البلدان، التي ستنمو لاحقا إلى قوى عسكرية هائلة، من الضعف العسكري الشديد والاضطراب الداخلي ما أجبرهم على االتركيز على الداخل. فعلى الرغم من طموحات الشاه لتطوير إيران إلى قوة إقليمية هائلة، لكنه كان غير قادر على أن يعكس بأي قوة جدية بالنسبة لمعظم الخمسينات والستينات. وكافحت إيران ما بعد الحرب للحفاظ على جيش صغير، وازداد الوضع سوءا نتيجة للصراع على السلطة، ما دفع رئيس الوزراء لخفض ميزانية الدفاع وتطهير سلك الضباط. ثم استعاد الجيش عافيته بشكل متقطع وغير منتظم على مدى العقد المقبل، ولكن إيران لم تستطع التفكير جديا في أن تعكس قوتها.. وركزت القوات الجوية الإيرانية على الدفاع الجوي وعلى الدعم الجوي القريب بدلا من الضربات بعيدة المدى، وظلت قواتها البحرية قوة ساحلية تافهة.

وبالمثل، افتقر العراق إلى القدرة على أن يعكس قوة ذات معنى. وكان جيش النظام الهاشمي بالغ الصغر ولم يتمكن من أن يرسل أكثر من اثنين فقط من ألوية مشاته مع لواء مدرع واحد إلى الحرب العربية الإسرائيلية عام 1948. وقد نما جيش العراق وقواته الجوية ببطء وكان يتمتع بوصول محدود للأسلحة البريطانية على مدى العقد اللاحق، ولكن انقلاب عام 1958 أنهى تلك العلاقة. في حين سعى النظام العراقي الجديد لتعويض هذا الفارق من خلال فتح الأبواب أمام الأسلحة السوفيتية، إلا أنها كانت أقل جودة. وفي الوقت نفسه، اضطر العراق للحفاظ على حامية عسكرية كبيرة على أرضه للتعامل مع تهديد المتمردين الكرديين المتقطع، وهو ما قيد بشدة قدرته على العمل خارج حدوده.

وخلاصة القول، افتقرت القوى، التي ستصبح فيما بعد قوى الخليج العسكرية، إلى الموارد التي تمكنها من أن تمثل تحديا جديا للوضع الراهن في المنطقة، وهذا يعني أن بريطانيا استطاعت الحفاظ على السلام من خلال مزيج من الذكاء والبنية التحتية الهيكلية التي يمكن أن تستوعب قوات إضافية حسب الحاجة. كانت إيران والعراق على حد سواء تتطلعان لنفوذ إقليمي أكبر، ولكن خلال هذه الفترة كان الطلب على النفط منخفضا بينما العرض وفيرا بحيث لم ينمكنا من ترجمة احتياطيات نفطيهما إلى سيولة لأغراض الإنفاق العسكري. وبينما كان يحلم القادة العراقيون والإيرانيون بتوسيع نفوذهم خارج حدود دولتيهم، إلا أن الاضطرابات الداخلية المستمرة أجبرتهم على تكريس اهتمامهم بالشؤون الداخلية.

كل هذه الظروف تغيرت في السبعينات. فالارتفاع الكبير في الطلب العالمي على النفط أدى إلى ارتفاع الأسعار. وفجأة أصبح المصدرون الخليجون غارقين في المال. وهذا ما سمح لهم بتحديث جيوشهم وبتطوير قدرات عكس قوة حقيقية. إيران، التي أنفقت 1.5 مليار دولار على المشتريات من 1950 إلى 1972، زادت هذا المجموع إلى أكثر من الضعف في عام 1973 وحده. وزادت ميزانية دفاعها من 900 مليون دولار في 1970 إلى 9.4 مليار دولار في عام 1977. فقد أنفقت إيران ببذخ على الدبابات البريطانية والطائات الأمريكية المقاتلة، وحصلت على أسطول ناقلات للتزويد بالوقود خلال المعارك، ما زاد من مدى مجموعة من طائراتها وقاذفاتها المقاتلة. كما أنها اشترت العشرات من المقاتلات البحرية واستثمرت جديا في طيران بحريتها في محاولة للسيطرة على الساحل الخليجي.

كما أسرف العراق في الإنفاق خلال هذه الفترة. فبدلا من الجلوس خاملا بينما تبني جارته آلتها العسكرية الهجومية، واصلت حكومة البعث التوسع العسكري الواسع. ارتفع إجمالي الإنفاق على الدفاع، بالقيمة الحالية للدولار، من 252 مليون إلى 1.66 مليار في الفترة من 1969 إلى 1979، كما تضاعفت الطاقة البشرية العسكرية ثلاث مرات خلال الفترة نفسها. أدى تضاعف أسعار النفط أربع مرات بعد عام 1973 إلى تضاعف واردات إيران من السلاح أربع مرات، واستطاعت إيران تطوير شبكة من الموردين من كل من الاتحاد السوفيتي وأوروبا الغربية. فتضاعف الجيش في الحجم وأضاف ستة أقسام مجهزة بأكثر من ألف من الدبابات الحديثة ومن ناقلات الجنود المدرعة السوفيتييتين. كما اشترى سلاح الجو مئات الطائرات المقاتلة الجديدة، بما في ذلك مقاتلات سوفياتية وفرنسية حديثة.

وبينما اشترى كلا البلدين القوة العسكرية، داعب قادتهما طموحاتهم الإقليمية. أظهر الشاه ملامح من التعديلية خلال السبعينات، لكنها كانت مخففة إلى حد ما بسبب قيود الحرب الباردة. واستغل الخروج البريطاني في احتلال جزر في الخليج وفي تحدي العراق على حدود نهر شط العرب، ولكنه بقي مؤيدا بشدة للولايات المتحدة، وعلى استعداد لتحقيق التوازن ضد العراق الذي يرعاه الاتحاد السوفيتي، وراض بشكل عام عن سياسة دول الخليج الجديدة. صدام حسين، من ناحية أخرى، أصبح عدوانيا على نحو متزايد بينما هو يعزز حكمه، وخاصة بعد التعامل بنجاح مع الأكراد في منتصف العقد. جعله حلمه المبالغ فيه بأن يكون وجه العروبة على استعداد للقيام بمغامرات خارج حدود العراق، وبلغت هذه المغامرات ذروتها في غزو إيران عام 1980.

في الخمسينات والستينات كانت بريطانيا قادرة على ممارسة الهيمنة بوجود عسكري خفيف لأن الخليج  العربي كان مكانا آمنا نسبيا. لكن الوضع أصبح مختلفا جذريا في السبعينات، حيث تغير سوق النفط، وطورت قوى الخليج قوة عسكرية حقيقية، وبدأ قادة المنطقة النظر فيما وراء حدود بلادهم. حتى لو كانت بريطانيا العظمى قد قررت البقاء، فإنه لم لكن لتمارس هيمنة فعالة دون زيادة كبيرة في وجودها العسكري في الخليج. الهيمنة الرخيصة لم تعد ممكنة.

 

العودة إلى المستقبل

كيف يبدو الخليج  العربي اليوم؟ هل هو أقرب للخمسينات اللطيفة أم للسبعينات الخطيرة؟ الجواب على هذا السؤال يحمل انعكاسات كبيرة على مستقبل الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة. إذا كانت الظروف أقرب للخمسينات، تستطيع الولايات المتحدة بأمان تخفيف مظهرها في الخليج جنبا إلى جنب مع توفير قدر من الاستقرار السياسي وضمان التدفق الحر للنفط إلى الأسواق. ولكن، إذا كانت الظروف أقرب للسبعينات، فإن واشنطن تواجه خيارا أكثر صعوبة، لأن دور الهيمنة الخارجية سيتطلب حينئذ التزاما مفتوحا بقوة عسكرية كبيرة، إلا إذا قررت الولايات المتحدة تقليص أهدافها الإقليمية.

على الرغم من أنه لا يوجد قياس دون عيوب، فالوضع اليوم هو أقرب بكثير إلى هدوء الخمسينات. فلا توجد قوة إقليمية تمتلك القدرات العسكرية اللازمة للاستيلاء والسيطرة على أراضي، وهذا يعني أن لا توجد قوة تستطيع الاستيلاء على ما يكفي من النفط للتهديد بالتلاعب بالأسواق الدولية. وعلاوة على ذلك، فإن تنويع العرض، بما في ذلك التوسع السريع في تقنيات الحفر الجديدة خارج المنطقة، قد يقلل في نهاية المطاف من النفوذ السياسي لمصدري نفط الخليج ومن إيراداتهم طويلة المدى بشكل عام.

بالطبع، لا تزال هناك بعض التهديدات للاستقرار السياسي والأمن ​النفطي. وقد فوجئ قادة الخليج بانتفاضات الربيع العربي، وكرد فعل، سارع بعضهم لنزع فتيل أي احتجاجات مماثلة في المنطقة. وبالفعل، فإن الاضطرابات الداخلية هي التهديد الرئيسي في المنطقة، على الرغم من أنه من المهم عدم المبالغة هذا الخطر. فالصراع المدني في الدول الرئيسية لإنتاج النفط قد تهدد تدفق النفط بأسعار معقولة. وقد ذاق العالم طعم هذه المشكلة مع الحروب في العراق وليبيا، والتي عطلت إنتاج النفط في الدولتين - ولكن الموردِين الآخرِين، وخاصة المملكة العربية السعودية، كانوا قادرين على تعويض تلك الخسائر. وحتى المكاسب الأخيرة التي حققتها داعش لا تمثل تهديدا خطيرا لإنتاج النفط أو شحنه. هجمات داعش على مصنع التكرير الرئيسي في بيجي في العراق أقلقت بعض المحللين، ولكن هذا المرفق يقتصر غرضه على التكرير المحلي، وبالتالي لا يعد جزءا من البنية التحتية للتصدير. وعلاوة على ذلك، حققت داعش انتصاراتها في المناطق الودية نسبيا والتي يهيمن عليها السنة، ولكنها تراجعت عندما واجهت مقاومة منظمة. وهذا يشير إلى أن داعش ستواجه صعوبة شديدة في تهديد معاقل الأكراد والشيعة، وهي المناطق يوجد تحتها الغالبية العظمى من احتياطيات العراق النفطية المعروفة.

الحرب الأهلية في المملكة العربية السعودية ستكون الكابوس الحقيقي ، حيث تلعب السعودية دورا متميزا في السوق الدولية بسبب قدرتها على زيادة الإنتاج استجابة للأزمات. وما يثير القلق بشكل خاص هو أن العديد من المواطنين الأكثر تعاسة في المملكة العربية السعودية، وهم الأقلية الشيعية، يعيشون في المنطقة الشرقية حيث تقع معظم شبكة إنتاج النفط. إذا تسبب الصراع الطائفي في العراق وسوريا في إشعال حرب إقليمية ساخنة بين وكلاء إيران والمملكة العربية السعودية، من السهل أن نتوقع أن إيران ستسعى حينها إلى زعزعة الاستقرار في المملكة العربية السعودية من خلال دعم الانتفاضات الشيعية هناك. وأعلنت داعش كذلك عن رغبتها في شن هجمات في المملكة العربية السعودية. من المحتمل أن تعيق هذه التطورات تدفق النفط السعودي، على الرغم من أن هذا الخطر هو بالتأكيد ليس جديدا على النظام السعودي، الذي يوجه بالفعل الكثير من جهوده للدفاع الداخلي في سبيل تأمين النفط. وبغض النظر، فالصراع المدني في المملكة العربية السعودية هو مشكلة لا يستطيع وجود الولايات المتحدة على الأرض أن يفعل الكثير لحلها. على العكس، الراجح أن الوجود المكثف للولايات المتحدة في المنطقة يزيد بدلا من أن يحد من هذا النوع من عدم الاستقرار.

الخبر السار هو أن استثمارا متواضعا في قوة الولايات المتحدة ينبغي أن يكون كافيا لوقف التهديدات العسكرية الهامة الأخرى لأمن النفط في الخليج. على سبيل المثال، يخشى بعض المراقبين أن الضربات الايرانية على البنية التحتية النفطية الحيوية في المنطقة، مثل المصنع السعودي لتثبيت النفط في بقيق أو الموانئ في رأس تنورة ورأس الجعيمة، يمكن أن يكون لها عواقب وخيمة على إنتاج النفط العالمي. كما يقلق آخرون من المحاولات الإيرانية لإغلاق مضيق هرمز الذي يتدفق عبره كل يوم نحو 20% من نفط العالم. تهدد إيران بشكل دوري بالقيام بهذه العمليات، وقد وجهت تمويل قواتها البحرية لاكتساب قدرات ذات صلة بهذه العمليات، وتتدرب بانتظام على مثل هذه القدرات. ومع ذلك، يمكن لقوة ذكية واقتصادية أن تسمح للولايات المتحدة بردع وإحباط الجهود الإيرانية إلى أجل غير مسمى.6

 

قوة بأسعار معقولة

لأن البيئة الأمنية الإقليمية لا تزال مواتية نسبيا لأمن النفط، يمكن لقوة أمريكية صغيرة تكرار روح التجربة البريطانية التي أثبتت فعاليتها خلال الخمسينات والستينات. فمن الممكن لانسحاب عسكري حذر أن يترك مجموعة من القدرات التي من شأنها أن تسمح لواشنطن برصد الأحداث في الخليج واكتشاف أماراتا تصرفات غير حميدة والتي قد تكون مقدمة لهجمات ضد منشآت النفط أو ضد عمليات شحنه. ويمكن للتحذيرات الاستخباراتية أن تؤدي إلى قرارات برفع قوات في الخليج بسرعة، اتباعا للنموذج البريطاني المذكور. وينبغي أن يتضمن هذا التواجد الخفيف بنية تحتية لقاعدة هيكلية تستطيع استيعاب قوات متابعة. ويفضل لهذا الخليط بين قدرات الاستخبارات والشبكة القاعدية أن يكون نسبيا غير ظاهر، الأمر الذي سيقلل من العواقب السياسية والدبلوماسية للوجود الأمريكي الدائم. عندما نتحدث عن التواجد العسكري الأمريكي في الخليج، فالأقل أحيانا يعني الأكثر.

اليوم، على سبيل المثال، تحتفظ الولايات المتحدة بقوة جوية وبرية كبيرة في الخليج، يهدف جزء منها لدعم العمليات الجارية في أفغانستان. ولكن لن يكون للطائرات التي استخدمت في حرب أفغانستان مهاما مستقبلية في الخليج، وبالتالي يمكن إرسالها إلى مكان آخر. ومع ذلك، سيبقى وجود بعض الأصول حرجا لأغراض توفير المعلومات الاستخباراتية وردع التحديات الرئيسية التي تواجه الوضع الراهن في المنطقة. ومن المثير للاهتمام أن الطائرة الأكثر أهمية للانتشار في وقت السلم ليست الطائرة القاذفة أو المقاتلة، لأن الطائرات المقاتلة يمكن أن تتدفق إلى مسرح الأحداث في وقت الأزمات بسرعة دائما، كما تدفقت مؤخرا لضرب داعش. لكن الطائرات التي توفر المراقبة المستمرة على ارتفاعات عالية هي المفتاح، لأنها تجعل الحاجة للطائرات المقاتلة غير مرجّحَة دائما. تمركز أصول الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع (آي إس آر) في المنطقة يعمل على تذكير المعتدين المحتملين أنه سوف يتم الكشف عن أي هجمات بسرعة، ومن شأن هذا أن يحد من إغراء المحاولة. من المهم أيضا الحفاظ على قوة خفيفة من الناقلات وكذلك من أصول القيادة والسيطرة الجوية في المنطقة للتحوط من احتمال فشل الردع. ومن شأن هذا الدعم البري أن يمدد إلى حد كبير من مدى ومعدل طلعات المقاتلات الأمريكية، وأن يحافظ عليها حتى تتمكن من العودة إلى المنطقة في أوقات الأزمات أو الحروب.

سيساهم التركيز على الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع وطائرات الدعم في التخفيض من شكل تواجد سلاح الجو الإقليمي، الذي هو بالفعل منخفض بشكل مدهش. فالقواعد الجوية تقع عمدا بعيدا جدا عن المناطق المأهولة بالسكان. والاستثناء الوحيد هو قاعدة العديد في ضواحي الدوحة، لكنها لا تزال غير مرئية بسهولة من الطرق الرئيسية خارج المدينة. وعلاوة على ذلك، فإن القطريين لا زالوا يملكون القاعدة، ويسيطرون على جميع طرق الوصول إليها، ويستخدمونها على نطاق واسع في تدريباتهم وعملياتهم، وبالتالي فالقليل منها يبدو أمريكيا من الخارج. وليس من قبيل المصادفة أن قاعدة العديد تأوي أسلحة "تمكين" الطائرات (أصول النقل والاستطلاع والقيادة والسيطرة الجوية) بدلا من المنصات القتالية التي تثير الجدل (مثل الطائرات بدون طيار أو القاذفات المقاتلة). أما الإف-22 ,والبريداتور والريبر فلا يعملون من قاعدة العديد، بل من قاعدة الظفرة الأبعد كثيرا في الإمارات العربية المتحدة.

وبالمثل، يتركز الوجود البحري الأمريكي على الأسطول الخامس الذي يوجد مقره في المنامة، البحرين، وهو أيضا بعيد نسبيا عن الأضواء. حتى في خضم الاضطراب السياسي الداخلي في البحرين خلال السنوات الثلاث الماضية، يبدو من الراجح أن الولايات المتحدة ستبقى، فوجودها المستمر لا يكلفها الكثير سياسيا. سفن الولايات المتحدة ليست واضحة للعوام في المنطقة طالما لم ترد الولايات المتحدة لها أن تكون. يعود الوجود البحري الأمريكي في البحرين إلى زمن طويل جدا وهو مقبول لدرجة أن قاعدته تقع في موقع مركزي جدا في المنامة. خلافا لما حدث في الكويت أو قطر، حيث عانى الجيش والقوات الجوية الأمرين للبقاء بعيدا عن الأنظار، يمكن لأي سائق سيارة أجرة بحريني إنزال ركابه عند البوابة الأمامية لمقر البحرية دون الحاجة للسؤال عن الطريق إليه. ويعيش أفراد القوات المسلحة الأمريكية بين البحرينيين ويتسوقون في أسواقهم ويتناولون الطعام في منازلهم. يعلم البحرينيون أن القوة القتالية الحقيقية هي قوة واقفة على قدميها، فلا يبدو أن لديهم حساسية من الوجود الأمريكي على الشاطئ. وبالمثل، يبدو أن عائلة آل خليفة الحاكمة قلقة من محاولات الولايات المتحدة التواصل مع المعارضة أكثر من قلقها من وجود السفن الحربية. ففي نفس الأسبوع الذي طرد النظام فيه دبلوماسيا أمريكيا بسبب اجتماعه مع المعارضة الشيعية، رحب بزيادة الحجم الكلي للأسطول الأمريكي الخامس وإضافة طائرتي دورية للبحرية.7

الحفاظ على بعض الأصول البحرية في المنطقة هو أمر بالغ الأهمية لفعالية الوجود الأمريكية الخفيف. وبصفة خاصة، من المهم استمرار الانتشار الأمامي للسفن المضادة للألغام تحسبا لمحاولة إيران إغلاق مضيق هرمز، ولأن السفن بطيئة فلا معنى لتمركزها خارج منطقة الخليج. نفس الشيء ينطبق على السفن الأخرى والتي يعد التخابر مهمتها الرئيسية. وكذلك، من شأن الدوران في سفن سطحية أصغر حجما - كالطائرات الساحلية الدورية والمدمرات والطرادات والفرقاطات - أن يكون مفيدا لتحقيق الردع. ولكن لا يوجد سبب وجيه لإبحار حاملات الطائرات بشكل منتظم في مياه الخليج بينما كل قواها الردعية والقتالية ستبقى كما هي لو كانت تعمل من المحيط الهندي. فالناقلات مصممة للمياه العميقة، وليس البيئات الضحلة المغلقة مثل الخليج. وعلى الرغم من قوة نيرانها الهائلة، إلا أن الناقلات لا تملك الكثير من الدفاعات الذاتية ويجب أن تعتمد على المكونات القتالية الأخرى في المجموعة من أجل تأمين سفرها عبر المناطق المتنازع عليها.

وأخيرا، نظرا لعدم قدرة القوى الإقليمية على عكس القوة التقليدية، يمكن للولايات المتحدة أن تستمر في خفض القوات الأرضية المنتشرة في المقدمة. لا يرتبط الوجود الأمريكي على الأرض بالحفاظ على أمن النفط، والقوات البرية الأمريكية في الخليج هي بالفعل أصغر مما كانت عليه في أي وقت في السنوات العشرين الماضية. يحافظ الجيش على ما يسمى أحيانا بــ"اللواء الزائد" في المنطقة، والذي يتراوح بين 7000 إلى 13500 جندي، يتمركز معظمهم في الكويت. هذه القوات تقوم بمهام واسعة التنوع تحت قيادة المنطقة الوسطى، وهي القيادة المسؤولة عن الأراضي من مصر إلى باكستان، ولكن العديد من هذه المهمات لا صلة له بأمن نفط الخليج (لكن قد يكون ذا صلة بأهداف أمريكية أخرى مثل مكافحة الإرهاب). الجيش الثالث في الكويت يقوم أساسا بدور "سادة الزنبق" للعمليات في جميع أنحاء الشرق الأوسط من خلال الحفاظ على القواعد ونطاقات التدريب ومخزونات كبيرة من الإمدادات المتموضعة مسبقا. قد يرغب قادة الولايات المتحدة أن يستمروا في الحفاظ على الوجود البري لهذا السبب، ولكن لا ينبغي عليهم أن يستمروا في اعتقاد أنه ضروري لضمان تدفق النفط بأسعار معقولة.

على الرغم من ذلك، فالوجود الدائم للجيش لا يثير الجدل في الكويت، حيث لا يزال الجيش الأمريكي يرتدي عياءة عام 1991. يعتبر العديد من الكويتيين الجيش الثالث حصنا ضد العنف والفوضى في جنوب العراق ووقاية من الاعتداء الإيراني على المدى الطويل. ولنفس الأسباب، يطمئن السعوديون للوجود الأمريكي في الكويت، مع الحفاظ المريح على القوات الأمريكية خارج أراضيها. وباختصار، قد لا يحقق الوجود الامريكي في الكويت إلا حدا أدنى من الفوائد، ولكنه أيضا لا يكلف إلا الحد الأدنى من المصاريف، خصوصا أن الكويت يغطي نفقات القاعدة العسكرية. لهذه الأسباب، من المنطقي الحفاظ على معدات ذات تمركز مسبق بالإضافة إلى ما يمكن أن نطلق عليه "اللواء الناقص" في الكويت، وهو ما قد يصل إلى بضعة آلاف من القوات البرية، لكن ليس أكثر من ذلك. في المجموع، يمكن للقوات الأمريكية في الخليج أن تحوم حول بضعة عشرات من الآلاف، أقل بكثير من الخمسين ألفا الموجودين هناك اليوم.

 

الاستعداد للتمحور

عمليا، لم يكن للولايات المتحدة أي قوة عسكرية في الخليج  العربي في السبعينات. ثم قامت بتوسيع نفوذها في الثمانينات مع تزايد قلق قادة الولايات المتحدة بشأن أمن النفط في الخليج. وأرسلت جيشا كبيرا جدا لمحاربة العراق في عام 1991، وحافظت بعد الحرب على وجود كبير جدا هناك. والآن، وبعد مرور أكثر من عشرين عاما، تنسحب القوات الأمريكية تقريبا بنفس سرعة وصولها. يرى العديد من المراقبين أن هذا الانسحاب نذير تحول مشؤوم في ميزان القوى الإقليمي وزيادة في الشكوك بشأن مستقبل منطقة الخليج. في الواقع، إن دول مجلس التعاون الخليجي اليوم بصفة عامة تريد من الولايات المتحدة أن تبقى في المنطقة، مرددين النداءات الإقليمية لاستمرار الوجود البريطاني في أواخر الستينات وأوائل السبعينات، ليس فقط لتحصينهم ضد إيران، ولكن أيضا لإخماد التنافس فيما بينهم. إنهم يعترفون سرا بالفوائد الأمنية والاقتصادية التي توفرها الهيمنة الأمريكية.8

ولكن، إذا أديرت العملية بشكل صحيح، فمن غير المرجح أن تكون هناك عواقب وخيمة لانسحاب الولايات المتحدة. الحروب الأهلية في سوريا والعراق تربك الأوضاع التي تفضلها الولايات المتحدة عموما والتي تحقق مصالحها الأساسية. في حين أننا لا نقصد التقليل من الرعب والمأساة الناتجين عنن العنف المتواصل، لكن هذا العنف هو في المقام الأول نتيجة لنزاعات محلية وقليل منه له علاقة بالسياسة الخارجية وهو ليس من نوع المشاكل التي يمكن للعسكرية الأمريكية أن توفر لها حلولا. وعلاوة على ذلك، فقد كان الاضطراب السياسي شائعا في المنطقة على مدى عقود. عدم الاستقرار الداخلي والانقلابات، والثورات العرقية، كلها حدثت حتى في الفترة المعتدلة في الخمسينات والستينات. لكن طالما حافظ قادة الولايات المتحدة على أصول مفتاحية خفيفة في المنطقة، مثلما فعل البريطانيون في حقبة ما بعد الحرب، سيكونون قادرين على رصد الأحداث وعلى توقع وإحباط التهديدات المعاصرة للأمن النفط.

وهناك أسباب للاعتقاد بأن المعلومات الاستخبارية حول هذه القضايا هي بالفعل جيدة جدا. تحدّث كاسحات الغام المتمركزة في البحرين بانتظام خرائطها الهيدروجرافية لقاع الخليج، مما يسمح لها بسرعة بتحديد الكائنات الجديدة التي قد تكون ألغاما. وبالإضافة إلى ذلك، أنفقت الولايات المتحدة عقودا في صقل التقنيات التي يمكن استخدامها لتتبع وتحديد مواقع الصواريخ المحمولة في حال حاولت إيران مهاجمة منشآت النفط أو عمليات شحنه من البر. ويمكن لهذه التقنيات أن تأتي في شكل أجهزة استشعار أرضية دون إشراف أو في شكل أجهزة أكثر تعقيدا تُعلق على المركبات نفسها. حقيقة أن التقارير تفيد أن أجهزة الاستخبارات استخدمت عملاء من البشر لتوصيل فيروس ستكسنت إلى إيران عن طريق اختراق منشأة تخصيب اليورانيوم في نطنز، تؤكد أيضا أن القوات البرية ليست بالضرورة مفتاح مراقبة التطورات الإقليمية، أو التأثير فيها.9 أصبحت قدرات جمع الإشارات الاستخباراتية ومعالجتها اليوم فوق العادة وأصبحت تسمح للمحللين بالجمع بسرعة عالية بين المعلومات القادمة من الأرض ومن الجو ومن المجسات الفضائية.10

وأخيرا، يمكن للولايات المتحدة الاستفادة من العدد المتزايد من الطائرات بدون طيار، وخاصة آر كيو-170 والقادرة على التسكع على ارتفاعات عالية لفترات طويلة. وقد عملت آر كيو-170 فوق إيران لسنوات دون كشفها، لكن واحدة منها تحطمت هناك في عام 2011. 11 الطائرات بدون طيار قادرة على التخفي ومناسبة تماما لاكتشاف استعدادات لحملة كبيرة ضد النفط في الخليج، كما أنها تحتاج إلى هيكل دعم صغير نسبيا وغير واضح.

وخلاصة القول، أنه على الرغم من أن الولايات المتحدة تواجه منطقة غالبا ما تبدو غير مستقرة وعرضة للصراع، إلا أنها في في وضع يمكّنها من الاستفادة من ظروف مواتية في الخليج، على الأقل عندما يتعلق الأمر بمسألة أمن النفط. لسنوات عديدة، خشي المسؤولون أنه إذا كانت هناك قوة أرضية واحدة قادرة على الهيمنة على الخليج الغني بالنفط، فإنها ستمتلك نفوذا غير عادي على الاقتصاد الدولي، وفي نهاية المطاف، ستجعل الازدهار في الولايات المتحدة أمرا مشكوكا فيه. هذا السيناريو الكابوسي لم يعد مصدرا للقلق. دول الخليج الكبرى لديها القليل من القوة إن وجدت، وهي مضطرة على أي حال للتركيز على المشاكل الداخلية. وهكذا، ستُثبت الصعوبات القديمة في ردع أي عدوان تقليدي على نطاق واسع، والرد عليه إذا تصاعد، أنها أصبحت غير مهمة لسنوات عديدة قادمة. ومن المرجح استمرار الصراع الداخلي وعدم الاستقرار، ولكن الوجود العسكري الكبير للولايات المتحدة ليس الأداة المناسبة لمنع أو معالجة هذين الخطرين. بعد كل شيء، وقعت أسوأ فترة من العنف الطائفي في العقد الماضي في وجود مئات الآلاف من القوات الأمريكية على الأرض. ولن تختفي كذلك التهديدات التقليدية لإنتاج النفط وشحنه في الخليج، ولكن يمكن للولايات المتحدة التعامل مع هذه المخاطر بوجود أصغر حجما بكثير. الاقتداء بالنموذج البريطاني يمكن أن يوفر فوائد الهيمنة دون الحاجة لدفع تكلفة باهظة.

وللوجود العسكري الخفيف أن يرسل أيضا الإشارة الصحيحة لحلفاء الولايات المتحدة في المنطقة. قد يساعد بعض الدعم المتواضع للجهات المحلية الفاعلة على درء جماعات متشددة مثل داعش، ولكن النتيجة في النهاية تعتمد على رغبة هذه الجهات المحلية الفاعلة في القتال. وبالتالي قد تأتي عودة قوة أمريكية كبيرة إلى المنطقة بنتائج عكسية إذا أقنعت الجهات المحلية الفاعلة أنها تستطيع وضع متطلباتها الأمنية على عاتق الولايات المتحدة أو إذا أعطت انطباعا بتأييد غير مشروط من الولايات المتحدة للأنظمة القمعية والإقصائية. في الواقع، هناك القليل مما يدل على أن الوجود العسكري الأمريكي الكبير يمكنه أن يخفف من الظروف السياسية الكامنة التي تؤدي إلى صعود جماعات مثل داعش أو إلى الأشكال الأخرى من عدم الاستقرار في المنطقة، بل قد يؤدي الوجود الكبير إلى تفاقمها. وهناك بالفعل تقارير مثيرة للقلق تفيد بأن بعض العراقيين يستخدمون دعم الولايات المتحدة لتصفية حسابات ضد أعدائهم العرقيين أو الطائفيين.12 ستزيد المشكلة تعقبدا كلما أقحمت الولايات المتحدة نفسها أكثر في الصراع. لتجنب انتشار السلوك المتهور وغير المسؤول ، يجب أن يقاوم قادة الولايات المتحدة إغراء العودة بقوات كبيرة إلى العراق وإلقاء الثقل الكامل لعسكرية الولايات المتحدة في المواجهة مع داعش.

سيعزز الوجود الخفيف أيضا من أغراض وحدود تورط الولايات المتحدة مع أكبر مصدري النفط. يمكن لواشنطن، عن طريق الاحتفاظ بقدرات الاستخبارات وبهيكل بنية تحتية قاعدي، طمأنة دول الخليج أنها ملتزمة بالتدفق الحر للنفط، وأنها سوف تواجه أي حماقة إيرانية في مضيق هرمز. وفي الوقت نفسه، سيساعد هذا الاستثمار المحدود في التذكير بأن الولايات المتحدة ليس لديها طموحات كبيرة، وأنه قد تخلت إلى حد كبير عن خطابها الداعي لتصدير الديمقراطية على الطريقة الأمريكية إلى المنطقة. وأخيرا، فإن الاستمرار في حجب الأصول الأمريكية بشكل كبير عن معظم المراقبين وفي تخفيف بصمة الولايات المتحدة في المنطقة سيقلل من المشاكل السياسية لقادة الخليج الذين قد يواجهون انتقادات داخلية لتعاونهم مع الولايات المتحدة.

تقدم النهاية المرتقبة للحرب في أفغانستان فرصة مثالية للولايات المتحدة لإعادة تقييم التزاماتها في المنطقة وللاستمرار في التخفيف من الوجود الأمريكي. ورغم أن كلا من صناع السياسات الأمريكيين ونظرائهم في الخليج قد اعتادوا على بصمة أمريكية ثقيلة وواضحة للغاية في الإقليم خلال ما يزيد على العشرين سنة الماضية، لم يعد هذا المستوى من الظهور ضروريا، بل أصبح شاذا إذا وضع في سياقه التاريخي. الموقف العسكري المثالي يفيد المصدرين الخليجيين عن طريق حماية تدفق النفط بينما يبقى غير واضح نسبيا. وهذه القوة توفر الطمأنينة دون تشجيع أخطار أخلاقية، كما توفر الاستقرار دون التورط أو التسبب في تهييج محلي. الآن هو الوقت المناسب للبدء في نقل هذه الحقائق إلى الحلفاء الإقليميين والعمل على إقناعهم بأن العودة إلى وجود إقليمي أصغر وأكثر ذكاء هي الطريقة الأكثر استدامة سياسيا وماليا للحفاظ على التزام الولايات المتحدة تجاه المنطقة، حتى في الوقت الذي تحوّل فيه الاستراتيجية الكبرى للولايات المتحدة الموارد والانتباه إلى المحيط الهادئ.

_________________

ملاحظات

1. توماس دونلي، "وصفة للعنف: ‘توازنات أوباما البحرية‘ والشرق الأوسط الجديد،" ويكلي ستاندارد، 10 ديسمبر 2012.

2. وليام روجر لويس، "الانسحاب البريطاني من الخليج، 1967-1971"، جورنال أوف إمبريال أند كومنولث هيستوري 31، رقم. 1 (يناير 2003)، ص. 83-108.

3. ستيفن بلاكويل، التدخل العسكري البريطاني والنضال من أجل الأردن: الملك حسين، ناصر، وأزمة الشرق الأوسط، 1955-1958 (نيويورك، نيويورك: روتليدج، 2008)، ص 107-25.

4. ريتشارد موبلي، "ردع العراق: تجربة المملكة المتحدة،" إنتيليجاس آند ناشيونال سيكيوريتي 16، رقم. 2 (2001): ص. 28.

٥. دانيال يرجين، الجائزة: الملحمة البطولية للسعي من أجل النفط والمال والطاقة (نيويورك، نيويوك: تاتشستون، 1991)، ص 555-556.

6. للحصول على وصف مثل هذه القوة، انظر جوشوا روفنر وكيتلين تالمادج، "الهيمنة وموقف القوة وتوفير السلع للعامة: الدور الذي سيكون والذيكان يوما للقوى الخارجية في تأمين نفط الخليج  العربي،" سيكيوريتي ستاديز 23، رقم. 3 (يوليو- سبتمبر 2014)، ص. 548-581.

7. انظر ريم خليفة "البحرين تأمر دبلوماسي الولايات المتحدة الدبلوماسي بالمغادرة،" أسوشيتد برس، 7 يوليو 2014. وسام لاجرون، "البحرية تنقل المزيد من زوارق الدورية للأسطول الخامس،" معهد أخبار البحرية الأمريكية، 10 يوليو 2014.

8. وظهرت هذه المشاعر بوضوح في المقابلات التي أجراها أحد المؤلفين في المنطقة في ربيع عام 2012. بخصوص مخاوف دول مجلس التعاون الخليجي من أن تهجرها الولايات المتحدة، انظر أيضا جريج جوز، "ما وراء الطائفية: الحرب الباردة والشرق الأوسط الجديد"، مركز دراسات بروكنجز الدوحة، رقم. 33، بروكيجز، 22 يوليو 2014، http://www.brookings.edu/research/papers/ 2014/07/22-beyond-sectarianism-cold-war-gause. بخصوص التنافس داخل مجلس التعاون الخليجي، انظر أيضا كينيث بولاك، "تأمين الخليج" قورين أفيرز 82، رقم. 4 (يوليو وأغسطس 2003)، ص. 15.

9. جون ر. ليندساي، "ستكسنت وحدود الحرب الالكترونية،" سيكيوريتي ستاديز، 22، رقم. 3 (من يوليو إلى سبتمبر 2013)، ص. 365-404.

10. بريندان ر. جرين وأوستن لونج، "مطاردة الضربة الآمنة الثانية: الاستخبارات والقوة المضادة والاستراتيجية النووية"، مجلة ستراتيجي ستاديز (العدد القادم في عام 2015).

11. سكوت شين وديفيد سانجر، "درون متحطم في إيران يكشف عن جهودد الولايات المتحدة للمراقبة السرية"، نيويورك تايمز، 7 ديسمبر 2011، http://www.nytimes.com/2011/12/08/ world/middleeast/drone-crash-in-iran-reveals-secret-us-surveillance-bid.html?_r=0

12. إيزابيل كولز "الأكراد والميليشيات الشيعية في العراق تستخدم غارات الولايات المتحدة الجوية لتعزيز أجنداتها الخاصة"، رويترز، 9 سبتمبر 2014، http://mobile.reuters.com/article/topNews/idUSKBN0H 40B820140909?irpc=932&ref=browsi.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب