داعش تعزز موقعها

مقال رأي

بينما ركّز العالم اهتمامه على أوكرانيا وغزة، استولت الدولة الإسلامية في العراق وسوريا (داعش) على ثلث سوريا، فضلًا عن ربع العراق الذي كانت قد احتلته في يونيو الماضي. تتمدد حدود الخلافة الجديدة التي أعلنتها داعش في ٢٩ يونيو يومًا بعد يوم، إذ تغطي الآن مساحةً أكبر من بريطانيا العظمى ويبلغ عدد سكانها ستة ملايين نسمة على الأقل، ليصبح بذلك أكثر من عدد سكان الدنمارك أو فنلندا أو أيرلندا. ففي غضون أسابيعٍ قليلة من القتال في سوريا، وضعت داعش نفسها في مركز الصدارة من المعارضة السورية، حيث وجهت هزيمةً ساحقةً لجبهة النصرة، التابعة رسميًا للقاعدة، في محافظة دير الزور الغنية بالنفط، وأعدمت قائد عملياتها العسكرية هناك أثناء محاولته الهرب. في شمال سوريا، يستخدم نحو خمسة آلاف مقاتل من داعش الدبابات وأسلحة المدفعية (التي تم الاستيلاء عليها من الجيش العراقي في الموصل) لمحاصرة نصف مليون كردي في مدينتهم عين العرب الواقعة على الحدود التركية. وفي وسط سوريا، بالقرب من تدمر، دخلت داعش في قتالٍ مع الجيش السوري واستولت على حقل غاز "الشاعر" -أحد أكبر حقول الغاز في البلاد– في هجومٍ مفاجئٍ شنته وخلّفت وراءها نحو ثلاثمائة قتيل من الجنود والمدنيين. ورغم أن هجمات الحكومة المضادة المتكررة استعادت حقل الغاز في النهاية، إلا أن داعش لا تزال تتحكم في معظم إنتاج سوريا من النفط والغاز. قد تكون دولة الخلافة فقيرةً ومعزولةً، إلا أن موارد النفط وسيطرتها على طرقٍ حيوية توفر لها دخلًا مستقرًا، فصلًا عن غنائم الحرب.

يعد ميلاد الدولة الجديدة أشد التغيرات الجذرية التي طرأت على الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط منذ تنفيذ اتفاقية سايكس بيكو في أعقاب الحرب العالمية الأولى. بيد أن هذا التحول الهائل لم يشكّل إلا إنذارًا متواضعًا على الصعيد الدولي، وحتى بين أولئك الذين لا يقعون تحت حكم داعش في العراق وسوريا حتى الآن. يميل الساسة والدبلوماسيون لمعاملة داعش كحركةٍ بدويةٍ غازية، تظهر بشكل درامي من قلب الصحراء وتحقق انتصاراتٍ مذهلةً، ثم تنسحب إلى معاقلها تاركةً الوضع الأصلي دون تغييرٍ يُذكر. قد يكون هذا السيناريو متصورًا إلا أنه يبدو بعيدًا عما تفعله داعش من تعزيزٍ لقبضتها على الفتوحات الجديدة في مساحةٍ قد تمتد قريبًا من إيران وحتى البحر المتوسط.

إن سرعة وفجائية صعود داعش تجعل من السهل على القادة الغربيين والإقليميين أن يأملوا في أن يكون سقوطها وانهيار الخلافة بنفس السرعة والفجائية. بيد أن كل الأدلة تشير إلى أن هذا تفكيرٌ مفرطٌ في التفاؤل، وأن الأمور تسير في اتجاهٍ آخر، في ظل كون معارضي داعش يصبحون أضعف وأقل قدرة على المقاومة: ففي العراق لا يظهر الجيش أي إشاراتٍ لتعافيه من هزائمه المبكرة، كما فشل في شن هجمة مضادة واحدة؛ ويبدو في سوريا أن فصائل المعارضة الأخرى، بما فيها مقاتلي جبهة النصرة وأحرار الشام المتمرسين على القتال، في حالة إحباطٍ وتفكك، حيث تتم محاصرتهم بين قوات داعش وحكومة الأسد. تقول كارين كونينج أبو زيد، عضو لجنة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق في سوريا، أن عددًا متزايدًا باطراد من المعارضين السوريين يفرون إلى داعش: "يقولون أنهم أفضل... هؤلاء الرجال أقوياء، هؤلاء الرجال ينتصرون في معاركهم، ويستولون على الأراضي، ولديهم المال، ويستطيعون تدريبنا." هذه أخبارٌ سيئةٌ للحكومة، التي أوقفت بالكاد هجماتٍ شنها معارضون أقل تدريبًا وتنظيمًا وتسليحًا من داعش في ٢٠١٢ و ٢٠١٣ وأنها ستواجه صعوباتٍ حقيقية لإيقاف قوات الخلافة المتقدمة نحو الغرب.

في بغداد، كان هناك صدمةٌ ورعبٌ بسقوط الموصل في العاشر من يونيو، إذ أدرك الناس أن الشاحنات المحملة بمقاتلي داعش المسلحين تقف على مسافة ساعة واحدة فقط بالسيارة. إلا أنه بدلًا من مهاجمة بغداد، استولت داعش على معظم الأنبار -المحافظة السنية الكبيرة التي تمتد غرب العراق على جاني نهر الفرات. يعرف الناس في بغداد -التي يبلغ عدد سكانها سبعة ملايين نسمة معظمهم من الشيعة– ما الذي ينتظرهم إذا ما استولت قوات داعش الدموية المعادية للشيعة على المدينة، ولكنهم هدأوا لحقيقة أن الكارثة لم تقع بعد. قالت امرأةٌ هناك: "في البداية كنا خائفين من الكارثة العسكرية، ولكننا –نحن البغداديين– اعتدنا على الأزمات خلال الخمسة وثلاثين عامًا الماضية." حتى مع وجود داعش على الأبواب، شرع الساسة العراقيون في الألعاب السياسية، وسعوا بشكلٍ كبير لاستبدال رئيس الوزراء، فاقد المصداقية، نوري المالكي.

يقول وزيرٌ عراقيٌ سابق "إنه لأمرٌ سرياليٌ بحق. عندما تتحدث إلى أي قائدٍ سياسي في بغداد، فإنه يتكلم كما لو أنهم لم يضيّعوا للتو نصف البلاد." ذهب المتطوعون إلى الجبهة بعد الفتوى التي أصدرها آية الله العظمى "علي الساستاني" - أكثر المراجع الشيعية تأثيرًا في العراق. إلا أن هؤلاء المسلحين يتدفقون الآن عائدين إلى منازلهم، ويشتكون من أنهم كانوا نصف جائعين ومضطرين لاستخدام أسلحتهم الخاصة وشراء ذخيرتهم. لقد كان الغزو الكارثي على تكريت في ١٥ يوليو الهجمة المضادة واسعة النطاق الوحيدة التي شنها الجيش النظامي والميليشيات الشيعية المشكّلة حديثًا، وقد تم التربص بها ودحرها وتكبيدها خسائر فادحة. كما أنه لا توجد إشارةٌ واحدةٌ على تغير الطبيعة المختلة وظيفيًا للجيش العراقي. فقد قال الوزير العراقي السابق أنهم "كانوا يستخدمون مروحيةً واحدةً فقط لدعم القوات في تكريت. لذلك فأنا أتساءل عما حدث لمائة وأربعين مروحيةً اشترتها الدولة العراقية في الأعوام الأخيرة؟"

من المحتمل أن تكون أموال الـ ١٣٩ مروحية المفقودة قد سُرقت ببساطة، فهناك العديد من دول العالم التي ينتشر فيها الفساد بالكامل، ولكن قليلٌ من هذه الدول لديها عائدات نفطٍ تصل إلى مائة مليار دولار سنويًا، يمكنها أن تسرق منها. فلقد أصبح الهدف الرئيسي للعديد من المسئولين أن يحصلوا على أكبر رشوة ممكنة، ولم يكونوا يبالون إذا ما فعلت الجماعات الجهادية الشيء نفسه. قابلت رجل أعمالٍ تركيًا في بغداد، وقال أنه كان لديه عقد إنشاءاتٍ كبيرٍ في الموصل خلال الأعوام القليلة الماضية. وقد طالب الأمير أو القائد المحلي لداعش هناك –كانت تعرف حينها بالقاعدة في العراق– الشركة بدفع خمسمائة ألف دولار شهريًا كثمنٍ للحماية. يقول رجل الأعمال "اشتكيت للحكومة مرارًا وتكرارًا، ولكنهم لم يفعلوا شيئًا حيال ذلك، غير أنهم قالوا يمكنك أن تضيف هذه الأموال التي دفعتها للقاعدة إلى ثمن العقد." بعدها بقليل قُتل الأمير وطالب خليفته بأن يزيد ثمن الحماية ليصل إلى مليون دولار شهريًا. رفض رجل الأعمال أن يدفع حتى قُتل أحد موظفيه العراقيين؛ فقام بسحب طاقم موظفيه الأتراك ومعداته إلى تركيا. ويقول "وصلتني بعدها رسالةٌ من القاعدة تقول أن ثمن الحماية تراجع ثانيةً إلى خمسمائة ألف دولار وأنني أستطيع العودة." كان ذلك قبل أن تستولي داعش على المدينة بقليل.

في مواجهة كل هذه الإخفاقات، ينبع اطمئنان الأغلبية الشيعية في العراق من اعتقادين، لو كانا صحيحين، يجعلان من من الوضع الراهن أقل خطورة مما يبدو. فهم يقولون أن السنة العراقيين قد شرعوا في ثورةٍ، وأن مقاتلي داعش ليسوا إلا قواتٍ أمامية أو طليعةً لهذه الانتفاضة التي أثارتها سياسات وإجراءات المالكي ضد السنة. وبمجرد أن تتم تنحيته –أمرٌ بات مؤكدًا تقريبًا- ستقدّم بغداد للسنة اتفاقًا جديدًا لمشاركتهم في السلطة، مع حكمٍ ذاتي يشبه ذلك الذي يتمتع به الأكراد. وعندها ستنقلب القبائل السنية وضباط الجيش السابقون والبعثيون -الذين سمحوا لداعش بقيادة الثورة السنية- على حلفائهم الوحشيين. ورغم أن كل الأدلة تشير إلى العكس تمامًا، فإن الشيعة يضعون ثقتهم الكاملة في هذه الأسطورة – أن داعش ضعيفة و يمكن إزاحتها بسهولة من قبل معتدلي السنة، بمجرد أن يحققوا أهدافهم. قال لي أحد الشيعة "أنا أتساءل عما إذا كانت داعش موجودة فعلًا".

من المؤسف أن داعش ليست موجودة فحسب، وإنما هي منظمةٌ فعالةٌ وعنيفة وليس لديها نيةٌ لانتظار حلفائها السنة كي يخونوها. فقد طالبت كل مقاتلي المعارضة في الموصل بمبايعة الخليفة أو التخلي عن أسلحتهم. واعتقلت بنهايات يونيو وبدايات يوليو من خمسة عشر إلى عشرين ضابطًا سابقًا من عهد صدام، بينهم اثنان من الجنرالات. كما قيل للمجموعات التي كانت ترفع صور صدام أن تُنزِل الصور أو تواجه عقوبات. يقول أيمن التميمي، خبير الشؤون الجهاديين، أنه "ليس من المرجح أن تكون المعارضة السنية المسلحة قادرةً على الانقلاب على داعش. وإن كانوا سيفعلون، فعليهم أن يتخذوا الخطوات العملية بأقصى سرعة ممكنة، قبل أن تصبح داعش قويةً أكثر من ذلك." ويشير إلى أن الجناح المفترض أنه أكثر اعتدالًا في المعارضة السنية لم يفعل شيئًا لوقف ما حدث للطائفة المسيحية القديمة في الموصل، والتي اضطرت للفرار بعد أن قالت لها داعش أنها يجب أن تتحول للإسلام أو تدفع ضريبة خاصة أو يتم قتلها. كذلك فإن المنتمين إلى الطوائف والمجموعات العرقية الأخرى، كالشيعة أو أتباع الديانات غير السماوية، يتم إلقاء القبض عليهم واحتجازهم وقتلهم الآن. اللحظة التي كانت فيها قوى المعارضة الأخرى قادرةً على تشكيل تحديًا لداعش تمر الآن.

يقدّم العراقيون الشيعة تفسيرًا آخر لأسباب تفكك جيشهم: لقد تم طعنه من الخلف، من قبل الأكراد. فقد زعم المالكي، في محاولةٍ لتحويل اللوم عنه، أن العاصمة الكردية، إربيل، "هي مقرٌ لداعش والبعثيين والقاعدة والإرهابيين." ويصدق العديد من الشيعة ذلك: إذ يشعرهم بأن قواتهم الأمنية، البالغ عددها ٣٥٠ ألف جندي و٦٥٠ ألف من قوات الشرطة، أخفقت لأنه قد تمت خيانتها، ليس لأنها لم تحارب. أخبرني أحد العراقيين أنه حضر إفطارًا في رمضان "برفقة مئاتٍ من الشيعة المتعلمين، معظمهم من الأطباء والمهندسين، وأنهم جميعًا مقتنعون بنظرية "الطعن من الخلف" كأمرٍ مسلّمٍ بصحته وتفسيرٍ للخطأ الذي حدث". فالمواجهة مع الأكراد هامة لأنها تجعل تكوين جبهة موحدة ضد داعش أمرًا مستحيلًا. استغل الزعيم الكردي، مسعود بارزاني انشغال الجيش العراقي للاستيلاء على كل الأراضي، بما فيها مدينة كركوك، المتنازع عليها بين الأكراد والعرب منذ 2003. ولديه الآن حدود مشتركة يبلغ طولها ستمائة ميل مع دولة الخلافة، كما أنه حليفٌ ظاهري لبغداد، حيث يشكل الأكراد جزءًا من الحكومة. فبمحاولته جعل الأكراد كبش فداءٍ، يؤكد المالكي أن الشيعة لن يكون لديهم حلفاء في مواجهتهم مع داعش إذا ما واصلت هجماتها في اتجاه بغداد. فوجئت داعش وحلفاؤها السنة بالضعف العسكري لحكومة بغداد، ومن غير المرجح أن يتم إرضاؤهم بحكمٍ ذاتي للمحافظات السنية ومشاركة أكبر في الوظائف وعائدات النفط. لقد انقلبت انتفاضتهم إلى ثورةٍ مضادةٍ بالكامل تهدف إلى استعادة السلطة على العراق بأسره.

تسود بغداد حاليًا أجواء حربٍ زائفة تشبه تلك التي سادت لندن أو باريس لنفس الأسباب في أواخر ١٩٣٩ أو بدايات ١٩٤٠. إذ يخشى الناس من معركةٍ وشيكة للاستيلاء على العاصمة بعد سقوط الموصل، ولكنها لم تحدث بعد، ويأمل بعض المتفائلين ألا تحدث مطلقًا. الحياة أصعب مما كانت عليه –حيث يجيء التيار الكهربائي لأربع ساعاتٍ فقط في بعض الأيام– ولكن على الأقل لم تصل الحرب إلى قلب المدينة. ومع ذلك، فمن الممكن أن يحدث شكلٌ من أشكال الهجوم العسكري، المباشر أو غير المباشر، بعد أن عززت داعش قبضتها على الأرض التي استولت عليها: فهي ترى انتصاراتها دليلًا على التأييد الإلهي. كما أنها تؤمن بقتل أو طرد الشيعة بدلًا من التفاوض معهم، كما أظهرت ذلك في الموصل. قد يظن بعض قادة الشيعة أن الولايات المتحدة أو إيران ستتدخل دائمًا لإنقاذ بغداد، إلا أن كلا القوتين قد أظهرتا ترددًا في التورط في المستنقع العراقي لدعم حكومةٍ مختلة وظيفيًا.

لم يتعامل قادة الشيعة العراقيون مع حقيقة أن سيطرتهم على الدولة العراقية –التي نتجت عن إطاحة الولايات المتحدة بصدام– قد انتهت، وما تبقى هو كتلة شيعية فحسب. لقد انتهت بسبب عدم كفاءتهم الخاصة وفسادهم ولأن الانتفاضة السنية في سوريا عام ٢٠١١ زعزعت نظام التوازن الطائفي للسلطة في العراق. بعد ثلاثة أعوامٍ، يهدد الانتصار السني تحت قيادة داعش في العراق بكسر الجمود العسكري في سوريا. فلا يزال الأسد يقاتل ضد المعارضة الواهنة: في دمشق وضواحيها وفي جبال قلامون بطول الحدود اللبنانية وفي حمص، حيث تتقدم القوات الحكومية ببطء وتقترب من محاصرة معقل التمرد الكبير في حلب. ولكن قوات الأسد المقاتلة ضعيفةٌ بشكلٍ ملحوظ على الأرض، وتحتاج إلى تجنب سقوط أعداد كبيرة من الضحايا، وليس لديها القدرة على القتال في أكثر من جبهة واحدة في كل مرة. تكتيك الحكومة الآن هو تدمير المناطق التي يسيطر عليها المتمردون بواسطة المدفعية وبراميل المتفجرات التي يتم إلقاؤها من المروحيات ، وإجبار معظم السكان على الهرب، وعزل ما قد يكون عندها ساحة من حطام، وبالتالي إجبار المتمردين على الاستسلام. ولكن وصول أعداد كبيرة من مقاتلي داعش جيدي التسليح الذين أحرزوا انتصاراتٍ حديثة سيمثّل تحديًا جديدًا وصعبًا للأسد. فقد اجتاحوا موقعين سوريين عسكريين في الشرق بنهايات يوليو. الأمر الذي أوضح أن نظرية المؤامرة، المفضلة لدى بقية أطراف المعارضة السورية والدبلوماسيين الغربيين، والتي تذهب إلى أن داعش والأسد متحدان، كانت خاطئة.

قد تتقدم داعش نحو حلب بدلًا  من بغداد: إذ أنها هدفٌ أسهل ومن غير المرجح أن يتسبب تقدمها إلى هناك في تدخلٍ دولي. كما أن ذلك سيوقع الغرب وحلفاءه الإقليميين –السعودية وقطر وتركيا– في مأزق: فسياستهم الرسمية هي العمل على التخلص من الأسد، ولكن داعش الآن هي ثاني أكبر قوة عسكرية في سوريا؛ فإذا سقط الأسد، ستكون داعش في وضعٍ جيدٍ لملء الفراغ. مثل قادة الشيعة في بغداد، استجابت الولايات المتحدة وحلفاؤها لصعود داعش بالانزلاق إلى الخيال. حيث يتظاهرون بأنهم يدعمون "قوةً ثالثة" من المتمردين السوريين المعتدلين ليقاتلوا كلًا من الأسد وداعش، رغم ذلك فإن الدبلوماسيين الغربيين يتحدثون في جلساتهم الخاصة حول أن هذه الجماعة ليس لها وجودٌ حقيقي خارج بعض الجيوب المحاصرة. إذ يؤكد أيمن التميمي أن فصائل المعارضة المدعومة من الغرب "يزداد ضعفها يومًا بعد يوم"؛ ويعتقد أن تزويدهم بالمزيد من الأسلحة لن يصنع فارقًا كبيرًا. من المفترض أن تكون الأردن، تحت ضغطٍ من الولايات المتحدة والسعودية، هي نقطة انطلاق هذا المشروع المحفوف بالمخاطر، إلا أنها تصبح أكثر ترددًا يومًا بعد آخر. فقد قال أحد المسؤولين الأردنيين في عمّان أن "الأردن خائفة من داعش، وأغلب الأردنيين يريدون أن انتصار الأسد في الحرب." وأضاف أن الأردن تواجه صعوباتٍ في التعامل مع الأعداد الضخمة للاجئين السوريين، وهو ما يكافئ "انتقال الشعب المكسيكي بأكمله إلى الولايات المتحدة في عامٍ واحد."

يمكننا اعتبار السعودية وملكيات الخليج وتركيا الآباء الداعمون لداعش وغيرها من الحركات الجهادية السنية في العراق وسوريا. لا يعني هذا أن الجهاديين ليس لهم جذورٌ محليةٌ قوية، ولكن صعودهم كان مدعومًا بشكلٍ أساسي من قبل القوى السنية الخارجية. كانت المساعدات السعودية والقطرية ماليةً بالأساس، عادةً ما تُقدّم من خلال التبرعات الخاصة التي يقول ريتشارد ديرلاف، الرئيس السابق بالاستخبارات البريطانية، أنها كانت عاملًا مركزيًا في استيلاء داعش على المحافظات السنية شمالي العراق: "مثل هذه الأشياء لا تحدث من تلقاء نفسها." وقد قال، في خطابٍ ألقاه في لندن في شهر يوليو، أن السياسة السعودية تجاه الجهاديين يحركها دافعان متناقضان: الخوف من الجهاديين الذين يعملون في السعودية، والرغبة في استغلالهم ضد القوى الشيعية في الخارج. وقال أن السعوديين "منجذبون بشدة تجاه أي قوى عسكرية يمكنها أن تشكّل تحديًا حقيقيًا للامبراطورية الشيعية". فمن غير المرجح أن يقوم المجتمع السني بأسره بالاصطفاف خلف داعش بدون الدعم الذي تقدمه السعودية بشكلٍ مباشر أو غير مباشر للعديد من الحركات السنية. ينطبق الشيء نفسه على الوضع في سوريا، فقد كان الأمير بندر بن سلطان، السفير السعودي السابق في واشنطن ورئيس المخابرات السعودية في الفترة بين ٢٠١٢ وفبراير ٢٠١٤، يفعل كل ما بوسعه لدعم المعارضة الجهادية حتى تمت تنحيته. خائفين مما قد ساعدوا بأنفسهم في خلقه، ينحرف السعوديون الآن في الاتجاه الآخر، إذ يلقون القبض على الجهاديين المتطوعين بعد أن كانوا يغضون الطرف عن ذهابهم إلى سوريا والعراق، ولكن هذا التحول قد يكون متأخرًا للغاية. الجهاديون السعوديون لا يحبون آل سعود كثيرًا. ففي 23 يوليو، شنّت داعش هجومًا على واحدٍ من آخر معاقل الجيش السوري شمالي محافظة الرقة. وقد بدأت العملية بهجوم انتحاري بسيارةٍ مفخخة؛ كان يقود السيارة سعوديٌ يُدعى خطاب النجدي الذي وضع صورًا على نوافذ السيارة لثلاث سيدات محتجزات في السجون السعودية، كانت إحداهن هيلة القصير، ابنة أخته.

أما الدور التركي، فقد كان مختلفًا، ولكنه لم يكن أقل أهمية من مساعدات السعودية لداعش والجماعات الجهادية الأخرى. الإجراء الأكثر أهمية الذي اتخذته تركيا هو أنها أبقت على حدودها الممتدة بطول ٥١٠ ميل مع سوريا مفتوحة، الأمر الذي وفّر لداعش وجبهة النصرة وقوى المعارضة الأخرى قاعدة خلفية آمنة يستطيعون عن طريقها جلب الرجال و السلاح. كانت النقاط الحدودية أكثر الأماكن المتنازع عليها خلال "الحرب الأهلية الدائرة الدائرة بين المتمردين أثناء خوضهم حربًا أهليةً آخرى مع النظام". مرّ معظم الجهاديين الأجانب من تركيا أثناء ذهابهم لسوريا والعراق. ورغم صعوبة الحصول على أرقام دقيقة لأعداد هؤلاء الجهاديين، قال وزير الداخلية المغربي مؤخرًا أن ١١٢٢ جهادي مغربي دخلوا سوريا، من بينهم تسعمائة شخص ذهبوا عام ٢٠١٣، ومائتان تم قتلهم. ويشتبه الأمن العراقي في أن الاستخبارات العسكرية التركية تورطت إلى حدٍ كبير في دعم داعش أثناء إعادة تشكيلها لنفسها في ٢٠١١. تقول تقارير الحدود التركية أن داعش لم تعد مرحبًا بها، ولكنها -بحيازتها للأسلحة التي تم الاستيلاء عليها من الجيش العراقي وسيطرتها على حقول النفط والغاز السورية- لم تعد في حاجةٍ شديدةٍ للدعم الخارجي.

بالنسبة للولايات المتحدة وبريطانيا والغرب، يعد صعود داعش ودولة الخلافة كارثةً كبرى. فأيًا ما كانت نواياهم من غزو العراق في ٢٠٠٣ وجهودهم في التخلص من الأسد في سوريا منذ 2011، فإن ذلك لم يكن لرؤية قيام دولة جهادية تتجاوز شمالي العراق وسوريا تديرها حركةٌ أكبر مائة مرة وأكثر تنظيمًا من "قاعدة" أسامة بن لادن. لقد فشلت الحرب على الإرهاب، التي أُهدرت لأجلها الحريات المدنية وأُنفق عليها مئات المليارات من الدولارات، فشلًا ذريعًا. الاعتقاد بأن داعش مهتمةٌ فقط بصراعات "المسلمين ضد المسلمين" مثالٌ آخر على ذهنيةٍ مفرطةٍ في التفاؤل: أثبتت داعش أنها ستقاتل كل من لا يلتزم ببديلها الإسلامي المتعصب والمتزمت والعنيف. ما يفرّق داعش عن القاعدة هو أنها منظمة عسكرية مدرّبة جيدًا وحذرةٌ في اختيار كلٍ من أهدافها، واللحظة المثالية لاقتناص هذه الأهداف.

يأمل كثيرون في بغداد أن تؤدي تجاوزات داعش –على سبيل المثال، تفجير المساجد التي تعتبرها مزارات أولياء، كمسجد يونس بالموصل– إلى تنفير السنة منهم. قد يكونوا محقين على المدى الطويل، ولكن معارضة داعش بالغة الخطورة، كما أنها –رغم كل وحشيتها– تنتصر لطائفةٍ سنيةٍ مهزومةٍ ومضطهدة. وحتى أولئك، الذين لا يحبونهم من السنة في الموصل، يخافون من عودة حكومة انتقامية يسيطر الشيعة عليها. رد فعل بغداد على هزيمتها حتى الآن هو قصف الموصل وتكريت عشوائيًا، تاركةً الأهالي واقعين في شكٍ حول عدم اكتراثها لرعايتهم أو بقائهم. لن يتغير هذا الخوف حتى إن تم استبدال المالكي برئيس وزراء أكثر ميلًا   للمصالحة. فقد قال لي سنيٌ بالموصل –مباشرةً بعد انفجار صاروخ أطلقته القوات الحكومية على المدينة– "دمّرت قوات المالكي بالفعل جامعة تكريت التي تحولت إلى فوضى وركامٍ كالمدينة بأكملها. إذا ما وصل المالكي إلى الموصل، فإنه سيقتل أهلها ويحيلهم إلى لاجئين. ادعُ لنا." مثل هذه الآراء شائعة، وتشير إلى أنه ليس من المرجح أن ينتفض السنة ضد داعش وخلافتها. لقد وُلدت دولة جديدة ومرعبة.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب