ربط شِقّي تونس

صورة من الثورة التونسية

مقال رأي

في ذلك الخريف، ستصوت تونس في الانتخابات الوطنية للبرلمان الوطني والانتخابات الرئاسية – ليمثلا التصويت الثاني والثالث منذ إزاحة الديكتاتور السابق بن على من الحكم خلال أولي ثورات الربيع العربي. عندما يدلي الناخبون بأصواتهم، سيجب عليهم أن يختاروا بين رؤيتين متنافستين لمستقبل مجتمعهم المنقسم. إحداهما متدينة بشكل ورع، ومتعصبة، ومحافظة، وأكثر ريفية، توجه نظرها شرقا نحو شركاء تونس المتدينيين في الشرق الأوسط. الأخري ترى تونس علمانية، ومتحررة، ومتحضرة، تتوق لمحاكاة أوروبا بدلا من مملكات الصحراء البعيدة جدا.

لحسن الحظ، يبدو أكبر حزبين في تونس - والذين يسيطران على السياسة التونسية- أنهما يضعان مصلحة البلاد قبل الانقسامات الفكرية، آملين في بناء تونس بها مساحة كبيرة من القداسة للقرآن مثلما لديها من الديمقراطية، وحقوق الإنسان، والحريات الشخصية. على اليمين هناك النهضة، وهي تحالف وسطي إسلامي أنشئ عام ١٩٨٩ وتم حظره واضطهاده بشدة تحت حكم بن علي. وعلى اليسار نداء تونس، وهو خليط من اليساريين العلمانيين، والتحرريين التقدميين، وبرجماتيين معتدلين والذين تم نسبهم إلى حزب التجمع الديمقراطي الدستوري السابق الخاص ببن علي.

بدلا من فعل ما تبرع السياسة في عمله– وهو استغلال الانقسامات الوطنية من أجل مكاسب شخصية وسياسية – اتخذ الطرفان خيار واعي رغبة في الإجماع الوطني. على سبيل المثال، أعلن حزب النهضة الأسبوع الماضي أنه لن يطرح مرشحا رئاسيا في انتخابات نوفمبر القادم، لأن قادته لا يريدون أن يوسعوا سلطة الحزب الكبيرة على الدولة. مثل تلك الرموز العميقة للمصالحة البرجماتية هي محاولة جريئة لبناء جسر بين شقي تونس.

رغم هذا، لم تلقي هذه الجهود استحسان الجميع. فمجموعات مثل أنصار الشريعة قد أوضحوا أنهم ينوون تدمير أي شيء إذا لم تأتي دولة محافظة، متجهين للعنف بدلا من المصالحة ووضع الفكر وراء الازدهار الوطني. قد يحاول التونسيون الذين توافدوا إلى قواعد الدولة الإسلامية في العراق وسوريا أن يعودوا للانتخابات، وهي مخاطرة مدمرة لديمقراطية تونس الهشة. كما يعد امتداد العنف من الحرب الأهلية الليبية ضعيفة المستور أيضا مخاطرة مميتة.

ولكن حتي إن لم يعطل الإرهابيون الانتخابات، يمكن لخصومات السياسة الداخلية أن تفعل. بعد جيل من الديكتاتوية المتوحشة، لازالت البلاد منقسمة حول إذا ما كان يجب السماح للأعضاء السابقين لنظام بن علي بالترشح للانتخابات القادمة. إن ذلك الجدال حقل ألغام سياسي، خصوصا لحزب النهضة. كان العديد من أعضائه الحاليين مكرسين للقضية الإسلامية منذ الأيام الأولي، فقط لينتهوا متعفنين ومعذبين في السجون أثناء دكتاتورية بن علي. في عام ١٩٩١ فقط، سجن بن علي ما قدره ٢٥٠٠٠ من أعضاء النهضة. إنهم ببساطة، يريدون الإنتقام. استطاع أعضاء آخرون الفرار قبل الحملة الأمنية، هاربين للمنفي في أوروبا. وعندما تم الإطاحة ببن علي، عادوا.

في صحوة الربيع العربي، وجد الإسلاميون الذين عاشوا كلا الخبرتين أنفسهم في نفس الطرف مرة أخري. بشكل غير مفاجئ، اغتاظ الأعضاء الذين تم سجنهم سابقا من هؤلاء الذين كانوا يتمشون في شوارع باريس ولندن. يميل المنفيون السابقون ليكونوا أكثر إعتدالا، يتحدثون بالنبرة "الإسلامية الخفيفة" التي يمكن أن يدعمها الدبلوماسيون الأوروبيون. بعبارة أخري، حتي داخل الحزب الإسلامي، يتضح انقسام التونسين.

في النهاية، تقوم المعركة الداخلية على أن الأعضاء المحافظين بحزب النهضة (بالشراكة مع متشددين من حركة الوفاء) دعموا تطهيرا كاملا لأي شخص كان في السابق عضوا في نظام بن علي. دعم المعتدلون الإشراك في صورة وضع الماضي وراء تونس. كسب المعتدلون الجدال؛ في يونيو، رفضت الجمعية التونسية الدفعة المحافظة لوضع الإقصاء والانتقام فوق الإشراك والمصالحة.

كنتيجة لذلك، ستكون الانتخابات القادمة شاملة الجميع، ولتتويج ذلك البناء للإجماع، يقترح الأعضاء المعتدلون في النهضة صفقة كبيرة مع نداء تونس – وهو حزب يقوده رجل كان ليتم إقصاءه تحت قانون العزل السياسي. حتي كمال مرجان، وزير دفاع سابق ووزير الشؤون الخارجية تحت بن علي، أعلن السبت الماضي أنه سيكون مرشحا في الانتخابات.

هناك عائق آخر هو الجدال الحاد حول دول المرأة في السياسة، والذي أحدث وقيعة بين المعتدلين والمحافظين تحديدا داخل النهضة، بكون المحافظون أكثر ترددا بكثير في دعم السياسيات الإناث. مجددا، كسب المعتدلون الجدال. في انتخابات عام ٢٠١١، كان ٥٠ بالمئة من المرشحين نساء. رغم أن النساء كسبن فقط ٣١ بالمئة من المقاعد في ٢٠١١، إلا أنها تظل نسبة رائعة – على كل حال، تمثل النساء فقط ١٨.٥ من كونجرس الولايات المتحدة. ربما الأكثر مفاجأة، من المقاعد السبعة والستون التي فازت بها المرأة في ٢٠١١، جاء ٤٢ منها من حزب النهضة الإسلامي. استأثر حزب النهضة بنسبة ٣٩ بالمئة فقط من حصة الأصوات الكلية في انتخابات ٢٠١١، لكنه أوصل ٦٣ بالمئة من السياسيات الإناث المنتخبات.

رجع ذلك جزئيا لانتصار معتدلو الحزب، الذين تمكنوا من أن يكونوا شاملين نحو الحرس القديم ونحو المرأة. ذلك أمر جيد لسياسة تونس بعيدة المدي، لكنه يمثل تهديد قصير المدي للسلام والاستقرار. أن المتطرفين الذين تم تهميشهم عن صناعة قرار النهضة يعملون في الخفاء الآن، محاولين عرقلة العملية الديمقراطية بالعنف. العام الماضي، تسبب اغتيالين لشخصيتين رفيعتي المستوي من السياسيين العلمانيين البارزين وتفجيرين انتحاريين فاشلين في إغلاق البرلمان واقتراب الحكومة من الانهيار. كان هناك هجمات متكررة مستمرةتستهدف الجنود، انطلقت من جبال شامبي، قرب الحدود الجزائرية. (تظهر الصورة في الأعلى فرقة الجيش التونسي تعزف في جنازة لجنود قتلوا قرب جبل شامبي.) منذ أقل منثلاث أسابيع، هاجم الإرهابيون عضو برلماني علماني تحرري في منزله. فر العضو، قافزا عن سطح منزله، وبالكاد نجا بحياته. 

إذا كان مقدرا لمهد الربيع العربي أن يتجاوز انقساماته الداخلية وسيصنع تونس واحدة مستقرة، ومسالمة، يجب أن تسير انتخابات أكتوبر ونوفمبر بسلاسة.الانتخابات ليست دواءا شافيا، لكن انتخابات نظيفة وسلمية ستكون توبيخا للمتطرفين الإسلاميين. يجب ألا يتم تشويهها بالهجمات العنيفة والإرهابية.

يستطيع الغرب أن يساعد، ويجب عليه ذلك. في أواخر أغسطس، أعلنت الولايات المتحدة أنها سترسل ٦٠ مليون دولار كمعونة عسكرية جديدة لتونس لمساعدتها في حرب التهديد الإرهابي. في منتصف أغسطس، أعلنت حكومة تونس أنها ستستدعي جنود الاحتياط، محاولة أن تمرن مجموعة هزيلة من ٣٠٠٠٠ جندي – العديد منهم جنود إحتياط – حتي يستطيع هؤلاء الذين في الخدمة أن يطاردوا الخلايا الإرهابية. تلك خطوات أولية ممتازة.

لكن الولايات المتحدة والشركاء الدوليين الآخرين مازال يمكنهم فعل المزيد للمساعدة في تدعيم الأمن قبل، وأثناء، وبعد الانتخابات التونسية. تستطيع الحكومة التونسية الهشة أن تستخدم المزيد من المستشارين العسكريين والدعم اللوجيستي.  يجب استخدام طائرات المراقبة بدون طيار للمساعدة في صد تهديد الإرهاب العابر للحدود من ليبيا.

بالإضافة لهذه الدعامات العسكرية، يجب أن يقدم المانحون مكافآت موعودة في صورة تمويل مالي متزايد. يجب أن يعلقوا المعونة المستقبلية على شرط أن يكون قائدو البلاد حكومة شاملة منتخبة وأن تلتزم جميع الأحزاب بنتائج الانتخابات. يجب أن تساعد إيطاليا عبر تحويل بعض الديون التونسية لتمويلات خاصة تستخدم في مشروعات التنمية الداخلية – وهي خطوة طلبها الرئيس التونسي منصف المرزوقي، الأسبوع الماضي.

إذا مرت هذه الانتخابات بشكل سلمي، يمكن لتونس أن تكون بمثابة منارة أمل للشرق الأوسط، ضاربة مثال للتحول الناجح من الديكتاتورية عديمة الرحمة إلى ديمقراطية إسلامية مختلطة – عبر الحفاظ على انتخابات متعددة الأحزاب، وحقوق الإنسان، وحوار رصين يقوده الإجماع.

إذا لم يفعلوا، وتمكن متطرفو تونس من اختطاف الانتخابات عبر خلق فوضى، فستنهار ديمقراطية تونس الناشئة تحت وزن الرؤيتين المتنافستين. بل وستذبل، وتفقد السيطرة، وتنهار دولة أخرى من دول الربيع العربي، متبعة الخطى الدموية لليبيا وسوريا.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب