علي أي جانب تقف تركيا؟

مقال رأي

هزمت داعش – الدولة الإسلامية في العراق والشام – خلال الصيف الجيش العراقي، الجيش السوري، الثوار السوريين وقوات البشمركة العراقية الكردية؛ فقد أسست دولة تمتد من بغداد إلي أليبو ومن حدود سوريا الشمالية إلي صحاري العراق في الجنوب. أصبحت مجموعات عرقية ودينية بالكاد سمع العالم عنها – منهم اليزيديون في سنجار والمسيحيون الكلدانيون في الموصل – ضحايا لوحشية داعش وتعصبها الأعمي. وحولت داعش في سبتمبر انتباهها نحو مليوني ونصف سوري كردي والذي حصلوا علي الحكم الذاتي بحكم الأمر الواقع في ثلاث مقاطعات جنوب الحدود التركية مباشرة. أصبحت إحدي تلك المقاطعات، المتمركزة في بلدة كوباني، هدف لهجوم محتوم. وبحلول السادس من أكتوبر، كان مقاتلو داعش قد قاتلوا حتي وصلوا إلي مركز البلدة. وتوقع رجب الطيب أردوجان أن سقوطها كان وشيكًا؛ وتحدث جون كيري عن "مأساة" كوباني، لكنه زعم – بشكل غير معقول – أن سقوطها لن يكون ذا أهمية كبيرة. فقد فجرت مقاتلة كردية معروفة، وهي أرين ميركان، نفسها مع تقدم مقاتلي داعش: وهو ما بدا كعلامة لليأس والهزيمة الوشيكة. 

في الهجوم علي كوباني، أرادت قيادة داعش أن تثبت أنها مازالت قادرة علي هزيمة أعدائها رغم الضربات الجوية الأمريكية ضدها، والتي بدأت في العراق في 8 أغسطس وتم تمديدها إلي سوريا في 23 سبتمبر. وهتف مقاتلو داعش أثناء تدفقهم داخل كوباني: "الدولة الإسلامية تبقي، الدولة الإسلامية تتمدد." اختارت داعش في الماضي – خيارا تكتيكيا – بترك المعارك التي لا تظن أنها ستنجح. لكن معركة كوباني التي استمرت لخمسة أسابيع تمادت جدًا وكانت علنية جدًا عن أن تنسحب ميليشياتها منها دون خسارة لهيبتها. يستمد جذب الدولة الإسلامية للسنة في سوريا والعراق وأنحاء العالم من الإحساس بأن إنتصاراتها هبة من الله وحتمية، لذا فإن أي خسارة تضر بزعمها بالدعم الإلهي.

لكن إنتصار داعش الحتمي في كوباني لم يحدث. فقد أنزلت الطائرات الأمريكية في ١٩ أكتوبر وكإنعكاس للسياسة السابقة أسلحة، ذخيرة وأدوية للمدافعين عن البلدة. وأعلنت تركيا في ذات اليوم، تحت ضغط أمريكي، أنها ستسمح بممر آمن لقوات البشمركة الكردية العراقية من شمالي العراق إلي كوباني؛ وقد أعاد المقاتلون الأكراد الآن السيطرة علي جزء من البلدة. وأدركت واشنطن، في ضوء خطاب أوباما حول خطته "لإضعاف وتدمير" داعش، ومع انتخابات الكونجرس بعد شهر فقط، أنها لن تتحمل السماح للميليشيات بإنتصار آخر. وهذا الانتصار تحديدًا سوف يتبعه علي الأغلب مذبحة للأكراد الناجيين أمام كاميرات التلفاز المتجمعة علي الجانب التركي من الحدود. وكان الدعم الجوي الأمريكي للمدافعين عن كوباني غير ممنهج عندما بدأ الحصار؛ وخوفًا من إهانة تركيا تجنبت القوات الجوية الأمريكية التنسيق مع المقاتلين الأكراد علي الأرض. وتغيرت السياسة بحلول منتصف أكتوبر، وبدأ الأكراد في تقديم معلومات استهداف مفصلة للأمريكيين، سامحين لهم بتدمير دبابات ومدفعية داعش. سابقًا، كان قادة داعش بارعين في إخفاء معداتهم وتفريق رجالهم. وفي الحملة الجوية حتي الآن، أدت٦٣٢ مهمة فقط من أصل ٦٦٠٠ مهمة هجمات حقيقية. لكن أثناء سعيهم لاجتياح كوباني، اضطر قادة داعش لتركيز قواهم في أماكن لا يمكن تحديدها وأصبحوا عرضة للهجوم. فتم إجراء حوالي أربعين ضربة جوية أمريكية في فترة ٤٨ ساعة فقط، علي بعد حوالي ٥٠ ياردة فقط من خط المواجهة الكردي.

لم يكن الطيران الأمريكي فقط هو ما أحدث الفارق. في كوباني، وللمرة الأولي، كانت داعش تقاتل عدوا – وهو وحدات حماية الشعب وجناحها السياسي، حزب التجمع الديمقراطي – والذي مثل نفسه في نواحي مهمة. وحزب التجمع الديمقراطي هو الفرع السوري من حزب العمال الكردستاني، والذي كان يناضل منذ عام ١٩٨٤ من أجل الحكم الذاتي للأكراد الأتراك وعددهم 15 مليون. مثل داعش، لدي حزب العمال الكردستاني التزام فكري متعصب مع خبرة وتجربة عسكرية تم اكتسابها طوال سنوات طويلة من حرب العصابات. إنه الفكر الماركسي-اللينيني في صورته الأصلية، ويدار حزب العمال الكردستاني من القمة ويرغب في احتكار السلطة داخل المجتمع الكردي، سواء في تركيا أو سوريا. ويصدر القائد المسجون للحزب، عبد الله أوجلان، المثير للإعجاب الشخصي لدرجة العبادة، تعليمات من سجنه التركي علي جزيرة في بحر مرمرة. وتعمل القيادة العسكرية لحزب العمال الكردستاني من حصن في جبل قنديل في شمالي العراق، أحد أعظم القلاع الطبيعية في العالم. انسحب معظم مقاتلي الحزب، ويقدر عددهم بسبعة آلاف، من تركيا تحت شروط وقف إطلاق النار في 2013، واليوم يتحركون من معسكر إلي معسكر في المضايق والوديان العميقة في قنديل. هم منظمون لدرجة كبيرة ومكرسون بشدة للقضية القومية الكردية: وقد مكنهم ذلك من شن حرب لمدة ثلاثة عقود ضد الجيش التركي الضخم، والذي لا يعوقهم دائمًا رغم الخسارات المدمرة التي عانوا منها. يشدد حزب العمال الكردستاني، مثل داعش، علي الاستشهاد: فالمقاتلون الذين يسقطون يتم دفنهم في مقابر يتم العناية بها باهتمام ومليئة بشجيرات الورود في أعالي الجبال، مع شواهد قبور محسنة فوق القبور. وصور أوجلان في كل مكان: فقد زرت قرية في قنديل يحتلها حزب العمال الكردستاني منذ ست أو سبع سنوات؛ وكانت تطل علي صورة ضخمة لأوجلان منتقاة بالأحجار الملونة علي جانب جبل مجاور. إنها أحد قواعد حرب العصابات القليلة التي يمكن رؤيتها من الفضاء.

سوريا والعراق ممتلئتين بالجيش والميليشيات التي لا تقاتل أحد يمكنه صدها، لكن حزب العمال الكردستاني وتابعيه السوريين، حزب التجمع الديمقراطي ووحدات حماية الشعب، مختلفون. عادة ما ينتقدهم أكراد آخرون بوصفهم ستالينين وغير ديمقراطيين، علي الأقل هم لديهم القدرة علي القتال لصالح مجتمعاتهم. فقد حدثت سلسلة انتصارات الدولة الإسلامية ضد قوي أكبر مبكرا من هذا العام لأنها كانت تقاتل جنودا، مثل جنود الجيش العراقي، الذين هم منخفضو الروح المعناوية وضعيفو التسليح، الذخيرة والطعام، بفضل القادة الفسدة والغير أكفاء، والكثير منهم عرضة للهروب. فعندما توغل بضع آلاف من مقاتلي داعش في الموصل في يونيو كانوا نظريًا يواجهون ستين ألف جندي وشرطي عراقي. لكن العدد الحقيقي كان علي الأغلب ثلث ذلك فقط: حيث كان الباقون إما مجرد أسماء علي الأوراق، مع حصول الضباط علي مرتباتهم؛ أو أنهم كانوا حقيقيون لكنهم يسلمون نصف مرتباتهم لقادتهم مقابل عدم الاقتراب من أي ثكنات عسكرية. ولم يتحسن الكثير في الأشهر الأربعة منذ سقوط الموصل في ٩ يونيو. فوفقا لسياسي عراقي، كشف تفتيش رسمي مؤخرا علي فرقة مدرعة "والتي كان يفترض أن يكون بها ١٢٠ دبابة و١٠٠٠٠ جندي، أنها كان بها ٦٨ دبابة و٢٠٠٠ جندي فقط." وقوات البشمركة العراقية الكردية – هؤلاء الذين "يواجهون الموت" حرفيا – ليسوا مؤثرين للغاية أيضًا. عادة ما يتم إعتبارهم جنود أفضل من جنود الجيش العراقي، لكنهم اكتسبوا سمعتهم منذ ثلاثون عاما عندما كانوا يقاتلون صدام؛ ولم يقاتلوا كثيرا منذ حينها، ما عدا في الحرب الأهلية الكردية. حتي قبل أن يهزموا في سنجار من قبل داعش في أغسطس، وقد أطلق عليهم بسخرية مراقب عن كثب لقوات البشمركة "بش-ميلبا"؛ قائلا أنهم، "جيدون فقط في الكمائن الجبلية."

ساعد في نجاحات الدولة الإسلامية ليس فقط عدم كفاءة أعدائها لكن أيضًا الانقسامات الواضحة بينهم. فقد تفاخر جون كيري بحشد تحالف من ستون دولة تعهدت جميعها بمواجهة داعش، لكنه كان واضحًا منذ البداية أن ليس جميع الأعضاء قلقون حول تهديد داعش. فقد أعلن أوباما بفخر عندما بدأ قصف سوريا في سبتمبر، أن السعودية، الأردن، الإمارات العربية المتحدة، قطر، البحرين وتركيا جميعهم سينضمون إلي الولايات المتحدة كشركاء عسكريين ضد داعش، ومثلما عرف الأمريكيون، كان جميع هؤلاء دول سنية لعبت دور محوري في تعزيز المجاهدين في سوريا والعراق. وكانت تلك مشكلة سياسية للولايات المتحدة، مثلما كشف جو بيدن لإحراج الإدارة في اللقاء بجامعة "هارفارد" في الثاني من أكتوبر. فقد قال أن تركيا، السعودية، والإمارات قد عززت "حرب سنية-شيعية بالوكالة" في سوريا و"ضخت مئات الملايين من الدولارات وعشرات آلاف الأطنان من الأسلحة لأي من يقاتل ضد الأسد – باستثناء أن الأشخاص الذين كان يتم إمدادهم كانوا جبهة النصرة والقاعدة والعناصر المتطرفة من الجهاديين القادمين من مناطق أخري من العالم." وأقر بأن الثوار السوريين المعتدلون، والذين يفترض أنهم محوريون للسياسة الأمريكية في سوريا، كانوا قوة عسكرية متواضعة. واعتذر بيدن لاحقًا عن كلماتها، لكن ما قاله كان صحيحًا بشكل واضح ويعكس ما تعتقده بالفعل الإدارة في واشنطن. رغم أنهم قد عبروا عن غضبهم لصراحة بيدن، إلا أن الحلفاء السنيين لأمريكا أكدوا سريعًا علي محدودية تعاونهم. وقال الأمير الوليد بن طلال آل سعود، عملاق الأعمال وعضو العائلة الحاكمة السعودية: "لن تشارك السعودية بشكل مباشر في قتال داعش في العراق أو سوريا، لأن ذلك لا يؤثر بالفعل علي بلادنا بشكل واضح." وفي تركيا، قال أردوجان أنه كان حتي الآن قلقًا حول أن حزب العمال الكردستاني بنفس سوء داعش.

تم إبعاد جميع الأطراف تقريبا التي تحارب داعش بالفعل، ومنهم إيران، الجيش السوري، الأكراد السوريون والميليشيا الشيعية في العراق. وكانت تلك الفوضي في صالح الدولة الإسلامية بشكل كبير، مثلما أوضح حادث في شمالي العراق في أوائل أغسطس عندما أرسل أوباما قوات خاصة أمريكية إلي جبل سنجار لمراقبة خطر آلاف اليزيديين المحاصرين هناك. نزح اليزيديون – وهم منتمون عرقيًا للأكراد لكن لديهم دينهم الخاص الغير إسلامي – من بلداتهم ومدنهم هربا من قتل وعبودية داعش. ووصل الجنود الأمريكيون بمروحية وتم حمايتهم بكفاءة وتجولوا برفقة رجال ميليشيا كردية بزي نظامي. لكن بعد ذلك تخوف اليزيديون بشدة – والذي أملوا أن يتم إنقاذهم أو علي الأقل مساعدهم من قبل الأمريكيين – عندما رأوا الجنود الأمريكيين يتسلقون علي نحو سريع إلي مروحيتهم ويطيرون بعيدا. وتم كشف سبب مغادرتهم السريعة لاحقا في واشنطن، وهو أن الضابط المسؤول عن الكتيبة الأمريكية قد تحدث إلي حرسه الأكراد واكتشف أنهم ليسوا قوات البشمركة الودودين للأمريكيين الخاصين بالحكومة الإقليمية الكردستانية لكنهم مقاتلو حزب العمال الكردستاني – والذين ماتزال الولايات المتحدة تصنفهم كإرهابيين، رغم الدور المحوري الذي لعبوه في مساعدة اليزيديين وصد داعش. قبلت الولايات المتحدة أنها ليس لديها خيار سوي التعاون مع حزب الاتحاد الديمقراطي فقط عندما كانت كوباني علي شفا السقوط: فقد كانت، في النهاية، القوة الوحيدة المؤثرة بشكل عملي والتي مازالت تحارب داعش علي الأرض.

ثم تأتي المشكلة التركية. فقد اضطرت الطائرات الأمريكية التي تهاجم داعش في كوباني للطيران لمسافة ١٢٠٠ ميل من قواعدهم في الخليج لأن تركيا لن تسمح لهم باستخدام قاعدتها العسكرية في انجرليك، علي بعد مئات الأميال فقط من كوباني. كانت أنقرا تظهر أنها تفضل أن تسيطر داعش علي البلدة عبر عدم منع التعزيزات، الأسلحة والذخيرة من الوصول إلي داعش في كوباني: أي شئ أفضل من حزب الاتحاد الديمقراطي. فقد كان موقف تركيا واضحا منذ عام ٢٠١٢، عندما انسحب الجيش السوري، تحت ضغط من الثوار في أماكن أخري، من المناطق الكردية الرئيسية. كسب الأكراد السوريون فجأة، والذين كانوا مضطهدين طويلا من قبل دمشق ومهمشين سياسيا، الحكم الذاتي بحكم الواقع تحت سلطة متزايدة لحزب العمال الكردستاني. أصبح الأكراد بشكل غير متوقع وبمعيشة معظمهم علي طول الحدود مع تركيا، وهي منطقة مهمة استراتيجيا لداعش، لاعبين في الصراع من أجل السلطة في سوريا المفككة. وكان ذلك تطورا غير مرحب به بالنسبة للأتراك. فالمنظمات السياسية والعسكرية المسيطرة الخاصة بالسوريين الأكراد كانت فروعا لحزب العمال الكردستاني وأطاعوا تعليمات أوجلان والقيادة العسكرية في قنديل. ويحكم الآن متمردو حزب العمال الكردستاني، والذين قاتلوا لمدة طويلة من أجل شكل ما من الحكم الذاتي في تركيا، شبه دولة في سوريا معتمدة علي مدن القامشلي، كوباني وعفرين. سيظل علي الأغلب الجزء الأكبر من منطقة الحدود السورية تحت السيطرة الكردية، بما أن كلا الحكومة السورية وخصومها كانوا أضعف من أن يفعلوا أي شئ حيال ذلك. قد لا تكون أنقرا هي اللاعب الرئيسي الذي يتعاون مع داعش لكسر القوة الكردية، كما يعتقد منظرو المؤامرات، لكنها رأت مصلحتها في السماح لداعش بإضعاف الأكراد السوريين. والتي لم تكن أبدا سياسة بعيدة النظر: فإذا نجحت داعش في السيطرة علي كوباني، وبالتالي إهانة الولايات المتحدة، فستبدو تركيا الحليفة المفترضة للولايات المتحدة مسؤولة جزئيا، بعد عزل المدينة. كان تغيير المسار التركي سريعا بشكل محرج في تلك الحالة. ففي ظرف ساعات بعد قول أردوجان أن تركيا لن تساعد إرهابيي حزب التجمع الديمقراطي، تم السماح للأكراد العراقيين بدعم مقاتلي حزب التجمع الديمقراطي في كوباني.

كان تغيير تركيا الكامل لموقفها في سلسلة من الحسابات الخاطئة التي أجرتها حول التطورات في سوريا منذ الثورة الأولي ضد الأسد عام ٢٠١١. كانت حكومة أردوجان قادرة علي الحفاظ علي توازن القوي بين الأسد وخصومه، لكن بدلا من ذلك أقنعت نفسها بأن الأسد – مثل القذافي ف ليبيا – سوف يتم الإطاحة به بشكل حتمي. وعندما فشل حدوث ذلك، قدمت أنقرا دعمها للمجموعات الجهادية التي تمولها الملكيات الخليجية: ومنهم جبهة النصرة، التابع السوري للقاعدة، وداعش. وقد لعبت تركيا نفس الدور في دعم الجهاديين في سوريا مثلما دعمت باكستان طالبان في أفغانستان. وقد دخل تقريبا جميع من يقدر عددهم بأنهم ١٢٠٠٠  مقاتل جهادي أجنبي إلي سوريا، والذين يدور حولهم قلق كبير في أوروبا والولايات المتحدة، عبر ما أصبح معروفا باسم "الطريق السريع للجهاديين،" باستخدام نقاط العبور علي الحدود التركية بينما غض الحراس طرفهم. وفي النصف الثاني من عام ٢٠١٣، ومع ضغط الولايات المتحدة علي تركيا، أصبح الوصول إلي تلك الطرق أصعب لكن ميليشيات داعش مازالت تعبر الحدود دون الكثير من الصعوبة. تظل الطبيعة الدقيقة للعلاقة بين الاستخبارات التركية وداعش وجبهة النصرة غامضة لكن هناك دليل قوي علي درجة من التعاون. فعندما سيطر الثوار السوريون بقيادة جبهة النصرة علي بلدة كساب الأرمينية في الأراضي التابعة للحكومة السورية مبكرا من هذا العام، بدا أن الأتراك قد سمحوا لهم بالعمل داخل الأراضي التركية. ومن الغامض أيضا حالة 49 عضو من القنصلية التركية في الموصل والذين بقوا في المدينة مع سيطرة داعش عليها؛ وتم احتجازهم رهائن في الرقة، العاصمة السورية للدولة الإسلامية، ثم تم إطلاق سراحهم بشكل غير متوقع بعد أربعة أشهر في تبادل مقابل سجناء تابعين لداعش محتجزين في تركيا.

إذا كان أردوجان قد اختار مساعدة الأكراد المحتجزين في كوباني بدلا من عزلهم، لقوي عملية السلام بين حكومته والأكراد الأتراك. بدلا من ذلك، أثارت أفعاله مظاهرات وشغب الأكراد في أنحاء تركيا؛ في بلدات وقري لم تحدث بها تظاهرات تركية خلال التاريخ الحديث حيث تم حرق إطارات وقتل ٤٤ شخص. للمرة الأولي خلال سنتين، ضربت القوات الجوية التركية مواقع خاصة بحزب العمال الكردستاني في جنوب شرق البلاد. فيبدو أن أردوجان قد تخلص من أحد الانجازات الرئيسية لسنواته في الحكم: وهي بدايات النهاية التفاوضية للتمرد الكردي المسلح. فقد ازداد الآن العداء والاعتداء العرقي بين الأتراك والأكراد. وقمعت الشرطة مظاهرات معادية لداعش لكنها تركت المظاهرات المؤيدة لداعش. تم إرسال ٧٢ لاجئ ما نزحوا إلي تركيا من كوباني مرة أخري إلي البلدة. وعندما تم القبض علي خمسة أعضاء من حزب التجمع الديمقراطي من قبل الجيش التركي تم وصفهم بأنهم "إرهابيون انفصاليون." وكان هناك تفجرات هستيرية من قبل داعمي أردوجان: فقد غرد عمدة أنقرا، مليح جوكتشيك، قائلا: "هناك أشخاص في الشرق يمررون أنفسهم كأكراد لكنهم في الحقيقة أرمانيون ملحدون في الأصل." وهون الإعلام التركي، المتذلل أو الذي تم تخويفه من قبل الحكومة بشكل متزايد، من خطورة المظاهرات. فقناة "سي إن إن ترك،" المشهورة بعرضها لوثائقي عن البطاريق في أوج تظاهرات "جيزي بارك" العام الماضي، اختارت أن تذيع وثائقيا عن نحل العسل أثناء التظاهرات الكردية.

كم سيكون عظيما لداعش أن تتراجع إذا فشلت في السيطرة علي كوباني؟ كانت لتضرر سمعتها بانها دائما ما تهزم أعدائها، لكنها أظهرت أنها تستطيع مقاومة الضربات الجوية الأمريكية حتي عندما تتركز قواتها في مكان واحد. فالخلافة التي أعلنها أبو بكر البغدادي في ٢٩ يونيو مازالت تتوسع: حيث أعطتها انتصاراتها الأكبر، في محافظة الأنبار، ربعا آخر من العراق. وشهدت سلسلة جيدة التخطيط من الهجمات في سبتمبر سيطرة داعش علي الأراضي حول الفلوجة، علي بعد أربعين ميلا غرب بغداد. وتم حصار معسكر تابع للجيش العراقي في صقلاوية لمدة أسبوع واجتياحه: حيث تم قتل 300 جندي عراقي. أثبت الجيش مثلما فعل من قبل عدم قدرته علي تنفيذ هجوم مضاد فعال رغم دعم الضربات الجوية الأمريكية. وبدأت داعش في الثاني من أكتوبر مجموعة من الهجمات والتي سيطرت بها علي هيت، وهي بلدة في شمال الرمادي، لتترك للحكومة قاعدة عسكرية واحدة في المنطقة. قوات داعش اليوم قريبة جدا للجيوب السنية في غرب بغداد: والتي ظلت حتي الآن هادئة، رغم الاضرابات في جميع المناطق السنية في البلاد. ووفق مساجين تابعين لداعش، فإن الخلايا التابعة لداعش في المدينة تنتظر الأوامر للظهور بالتنسيق مع هجوم من خارج العاصمة. قد لا تستطيع داعش أن تسيطر علي كامل بغداد، المدينة ذات تعداد سبعة ملايين نسمة (مع أغلبية شيعية،) لكنها قد تسيطر علي المناطق السنية وتسبب ذعر في أنحاء العاصمة. وفي الأحياء الثرية المختلطة مثل المنصور في غرب بغداد غادر نصف السكان إلي الأردن أو الخليج لأنهم توقعوا هجوما من داعش. "أظن أن داعش ستهاجم بغداد، حتي وإن كان للسيطرة علي الجيوب السنية فقط،" وفق قول أحد المقيمين. "إذا سيطروا ولو حتي علي جزء من العاصمة فسوف يضيفون مصداقية إلي زعمهم بإنشاء دولة." وفي تلك الأثناء، تنتقص الحكومة والإعلام المحلي بإصرار من خطورة تهديد اجتياح داعش من أجل منع انتقالات جماعية إلي مناطق شيعية أكثر أمنا في الجنوب.

لم يحقق استبدال حكومة نوري المالكي الفاسدة المختلة وظيفيا بحكومة حيدر العبادي مقدار الفرق الذي رغب فيه داعموه الأجانب. لأن الجيش لا يؤدي أفضل من ذي قبل، القوي القتالية الرئيسية التي تواجه داعش هي الميليشيات الشيعية. والتي هي طائفية بشدة وعادة إجرامية، هم يقاتلون بشدة حول بغداد لصد داعش ولتطهير المناطق المختلطة من السكان السنيين. عادة ما يتم إنتقاء السنة في نقاط التفتيش، واحتجازهم مقابل فديات تصل إلي عشرات الآلاف من الدولارات وعادة ما يتم قتلهم حتي مع دفع الأموال. تقول منظمة العفو الدولية أن الميليشيات، ومنها كتائب بدر وعصائب أهل الحق، تعمل بحماية كاملة؛ فقد اتهمت الحكومة ذات الهيمنة الشيعية بارتكاب "جرائم حرب." مع دفع الحكومة العراقية والولايات المتحدة كميات كبيرة من المال لرجال الأعمال، قادة القبائل وأي من يقول أنه سيقاتل داعش، أمراء الحرب المحليون يصعدون مجددا: فقد تم تكوين بين عشرين وثلاثين ميليشيا جديدة منذ يونيو. وذلك يعني أن سنة العراق ليس أمامهم خيار سوي الانحياز لداعش. والبديل الوحيد هو عودة رجال الميليشيا الشيعية المتوحشين الذين يشكون في دعم جميع السنة للدولة الإسلامية. مع تعافيها علي نحو هزيل من الحرب الماضية، يتم تدمير العراق بحرب أخري. أيا ما يحدث في كوباني، لن تنهار داعش. سيزيد التدخل الأجنبي مستوي العنف فقط وستستجمع الحرب الأهلية السنية – الشيعية قوتها، بلا نهاية في الأفق.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب