كيف فقدت الأمل في وطنين: إيران ومصر؟

مقال رأي

قرار مغادرة الوطن يعتصر المرء اعتصارًا، خاصةً حين تكون المغادرة لأسباب سياسية أو أيديولوجية. اتخذ والديَّ هذا القرار نيابةً عني حين غادرا إيران في سنوات مراهقتي المبكرة. لم تكُن أسرتي من أقلية دينية مضطهدة، مثل بعض الإيرانيين الذين اضطروا إلى الهرب؛ ولم يكُن والديَّ ناشطين سياسيين بارزين من أولئك المهددين بالاعتقال في أيَّة لحظة. لكنهما لم يستطيعا تحمل أن يشهدا بلدهما تغرق في الاستبداد، وتتحول إلى دولة ثيوقراطية؛ بما أنهما كانا من الذين تظاهروا ضد ديكتاتورية الشاه؛ وكانا يأملان في أن ثورة ١٩٧٩ ستجلب الديمقراطية والعدالة الاجتماعية إلى إيران.

كان الأمر يبدو وكأن البلد الذي عرفاه طوال حياتهما، وعلَّقا آمالهما عليه، لم يعُد موجودًا. أضف إلى ذلك حقيقة أنه في سبتمبر من عام ١٩٨٠، أمر صدام حسين بغزو إيران، فأشعل حربًا ضروسًا استمرت ثماني سنوات؛ ورأى والديَّ أن الخيار الأفضل بالنسبة إليهما، وليَّ ولأختيَّ الصغيرتين هو بناء مستقبل لنا في مكان آخر. عذَّبهم القرار كثيرًا حين اتخذاه؛ واحتل مساحةً كبيرة من تفكيرهما طوال سنوات بعد الهجرة.

بالطبع لم يكُن والديَّ استثناءً؛ فبعد ثورة ١٩٧٩، وطوال الحرب بين إيران والعراق، فرَّ مئات الآلاف من الإيرانيين إلى المنفى؛ وأصبحوا من أولئك الذين يعيشون في الشتات في جميع أنحاء العالم.

وعلى الرغم من انقضاء الحرب بين العراق وإيران منذ فترة طويلة، وعلى الرغم من أن الوحشية المتطرفة التي سادت في السنوات التي تلت ١٩٧٩ قد أفسحت الطريق لأوقات تتأرجح بين الهدوء والاضطراب (لعل الحلقة الأشهر فيها هي الاحتجاجات الحاشدة بعد الانتخابات الرئاسية لعام ٢٠٠٩ التي أتت بمحمود أحمدي نجاد في منصبه لولاية ثانية)، ما يزال الإيرانيون مستمرين في مغادرة بلادهم؛ لمجموعة من الأسباب الأيديولوجية والسياسية والاقتصادية. أعدادهم ليست كبيرة كما في الماضي، لكنهم يتزايدون ببطء وثبات.

وفي رحلتي الأخيرة إلى إيران، كان لدى كل شاب قابلته (وبعض من الكبار أيضًا) سؤلاً عن الهجرة. هؤلاء ليسوا نشطاء سياسيين يخشون الاعتقال؛ إنهم أناس ضجروا من العيش دون أمل، ضجروا من الشعور بأن مواهبهم وقدراتهم ستُدفن في بلدٍ أصبح من العبث الإيمان فيه بأن الجدارة هي معيار الارتقاء؛ وضجروا من الهاجس الذي تملَّكهم بأن شيئًا لن يتغير إلى الأفضل.

زادت حدة هذا اليأس بعد قمع التظاهرات التي تلت انتخابات ٢٠٠٩. غادر الكثير من النشطاء بلدهم إيران؛ وساهمت العقوبات الدولية التي تتزعمها الولايات المتحدة الأمريكية في تعميق الإحساس بفقدان الأمل بأثرها المدمر على الاقتصاد.

تؤلمني الرغبة العارمة في الرحيل في كل مرة تواجهني فيها. إنه لأمرٌ محزنٌ أن يبقى الحال في إيران مزريًا بعد ٣٠ عامًا من الأحداث التي دفعت والديَّ دفعًا إلى الرحيل؛ ويفقد الشباب على الأخص إيمانهم بغدٍ أفضل.

تواجهني المشاعر ذاتها في مصر، البلد التي أعُدها وطني منذ عام ٢٠٠٥. حملت ثورة ٢٥ يناير ٢٠١١، التي أدت إلى تنحي حسني مبارك، قدرًا لا يُصدق من التفاؤل والأمل. وصف أحد الشباب حينها إحساسه بأن كل شيء صار ممكنًا. لكن كل الأحداث التالية مثَّلت عقبة وراء عقبة أمام الشباب الذين حملوا على عاتقهم مطالب الديمقراطية والعدالة الاجتماعية في مصر، بدايةً من الفترة الانتقالية تحت الحكم العسكري، وحتى الانتخابات التي جاءت بجماعة الإخوان المسلمين إلى الحكم.

لكن معظم أصدقائي من المصريين الذين تظاهروا لأيامٍ عدة في ميدان التحرير كانوا يشعرون أن هذه العقبات ضرورية ولا مفر منها على طريق التحوُّل السياسي الحقيقي. رأوا أنه من غير الواقعي ألا يكون للإخوان دورٌ في «مصر الجديدة»، حتى ولو أحسوا بالإحباط والغضب بسبب أساليب الإسلاميين، ورفضهم للوصول إلى تسوية، ونفاقهم الواضح في أحيان عديدة. مصر التي أرادها أصدقائي كانت آنذاك ممكنة، وتستحق خوض المعارك من أجلها. خوض المعارك أيضًا كان ما يزال ممكنًا، رغم كل شيء.

كل شيء قد تغير منذ ذلك الحين، على ما يبدو. الاحتجاجات في ٣٠ يونيو ٢٠١٣، وانقلاب الجيش الذي أطاح بمحمد مرسي من منصبه، والمذبحة التي طالت المئات من أنصار الإخوان المسلمين في أغسطس ٢٠١٣، وانعدام المساءلة، وتأييد المذبحة وسط طبول الحرب التي تدقها وسائل الإعلام الرسمية، وصياغة الدستور الذي من المفترض أن يُكرس سيادة القانون في الوقت نفسه الذي تُنتهك فيه أبسط مبادئ الإنسانية، والانتخابات التي أوصلت عبد الفتاح السيسي إلى السلطة، وحبس الصحفيين، وأحكام الإعدام الجماعية الصادرة على الإخوان المسلمين، وقانون التظاهر المتشدد، والتهديدات التي تلوح في الأفق ضد المنظمات غير الحكومية، والعديد من التطورات الأخرى، الكبيرة والصغيرة، أوقعت عيون أصدقائي التي ملأها الأمل والإشراق يومًا في أعماق اليأس.

وهكذا، نسمع أنباء رحيلهم، واحدًا تلو الآخر. بعضٌ من الذين عادوا من الخارج ليشاركوا في صناعة مستقبل بلدهم بعد الثورة قرروا وضع أسمائهم مرة أخرى على كشوف المغادرين من البلاد. وقرر بعض آخر أنه قد حان وقت السعي إلى الحصول على شهادة عليا، أو وظيفة، أو منحة دراسية، أو أي شيء بإمكانه أن يُعجل بسفرهم إلى الخارج. بعضٌ   من أصدقائي الصحفيين يسعون إلى وظائف في أماكن أخرى بسبب اعتقال زملاء مهنتهم. ويحبس العاملون منهم في المنظمات غير الحكومية أنفاسهم انتظارًا لحملة القمع الحكومي ضد أنشطتهم بعد إقرار قانون يُقيد عمل منظمات المجتمع المدني. كما أن بعض الذين يزورون أصدقاءهم المحبوسين بسبب خرق قانون التظاهر، يخافون من أن يلقوا المصير نفسه إذا مكثوا في مصر. إنهم يفكرون في الرحيل.

باختصار، ما أشهده في مصر الآن، والأحاديث التي أجريها، تثير ذكرياتي عن أصدقائي ومعارفي الإيرانيين الذين أُجبروا على مغادرة بلادهم إلى المنفى. مرةً أخرى، أشاهد بعضًا من أفضل وألمع العقول في البلاد وهُم غير قادرين على تحمل ألم التأقلم مع المستقبل الذي أرادوه ولم يأتِ أبدًا. ومع رحيلهم واحدًا بعد الآخر، يبتعد هذا المستقبل أكثر فأكثر.

مصدر الترجمة: 
Sasa Post