لماذا تنجح الديمقراطية التونسية بينما يفشل النموذج التركي؟

مقال رأي

أنشأ صامويل هنتنجتون في كتاب ذي تأثير عام ١٩٩١ اختبار "التحولين"  للتميز بين الديمقراطيات الناشئة والمتبلورة. وحتي تكون الديمقراطية قوية، وفقا للاختبار،  يجب أن تقود انتخابات حرة وعادلة مرتين إلي تسليم سلمي للسلطة بين الرئيس الحالي ومتحدي ناجح. وكما يشير هنتنجتون، فإن ذلك اختبار صعب. فلم تتبلور الديمقراطية الأمريكية حتي خسر الديمقراطيين الجاكسونيين الرئاسة أمام اليمينيين عام ١٨٤٠.

دفعت هزيمة حزب نداء تونس العلماني لحزب النهضة الإسلامي المعتدل في الانتخابات التونسية الأسبوع الماضي دفعة قوية للديمقراطية الوليدة نحو اجتياز اختبار هنتنجتون. تقوي الانتخابات أيضا القوي الهادفة للديمقراطية التي يتم انتقادها في أنحاء الشرق الأوسط والعالم الإسلامي. تضاهي تجربة تونس الديمقراطية الناجحة ادعاء تركيا الزائف بالفعل حول كونها نموذجا لنشر الديمقراطية في الدول الإسلامية رغم التطرف الصاعد والاقتصاد الضعيف في تونس. في الواقع، لم تكن تركيا أبدا نموذجا قابلا للتطبيق للديمقراطية الاسلامية ، بما أنها لم تكن أبدا في الأساس ديمقراطية حرة أو متحررة. باستثناء الفترة القصيرة بين عامي ١٩٧٤-١٩٧٩، وقد صنفت مؤسسة "فريدم هاوس" تركيا باستمرار علي أنها "نظام حر جزئيا" فقط.

إذا كان هناك نموذج للديمقراطية الإسلامية فيما بعد الربيع العربي، فهو تونس، وليس تركيا. في الحقيقة، لدي تركيا الكثير لتتعلمه من سياسة تونس القائمة علي التسوية والتسامح. ويعكس القمع الذي أتبع احتجاجات "جيزي" عام ٢٠١٣ الوجه الاستبدادي والدولة البوليسية للنظام التركي. وتظهر تقارير منظمة العفو الدولية ومنظمة "هيومن رايتس واتش،" وبشكل مشابه لتقارير منظمة "فريدم هاوس،" أن الديمقراطية التركية في حالة تراجع مستمر. حيث ينتهك الحزب الحاكم مبدأ الفصل بين السلطات والحقوق الأساسية وحريات المواطنين الأتراك عبر التدخل في شؤون القضاء والاعتماد علي وسائل غير ديمقراطية بل ووحشية.

بينما طبقت تركيا تلك الدوامة الاستبدادية خلال العامين السابقين، حققت تونس التحول الديمقراطي الأكثر إبهارا في تاريخ المنطقة. فقد أجرت تونس أول انتخاباتها الحرة في أكتوبر ٢٠١١ بعد سقوط نظام بن علي. وكسب حزب النهضة أغلبية مقاعد البرلمان (٤١ بالمئة) ولاحقا توصل إلي اتفاقية تشارك سلطة مع طرفين علمانيين في الجمعية التأسيسية. أحد الأمور التي أدركها التونسيون بشكل صحيح هي رفض النظام الرئاسي لصالح الديمقراطية البرلمانية. فقد أدرك التونسيون مخاطر النظام الرئاسي في دولة ذات تقليد ديمقراطي ضعيف وافتقار تاريخي للضوابط والتوازنات. واختار التونسيون أيضا تمثيلا نسبيا مع عدم وجود حد أدني للتمثيل، سامحين بأكبر تمثيل ممكن لأصوات مختلفة في البرلمان. بينما اتجهت تركيا في الاتجاه المعاكس. فقد حاولت حكومة حزب العدالة والتنمية بشكل غير ناجح أن تستغل أغلبيتها في تغيير النظام البرلماني للبلاد إلي نظام رئاسي وأن تغير من النظام الانتخابي الحالي القائم علي التمثيل النسبي إلي نظام الأغلبية (الفوز للأكثر أصواتا،) والذي قد يتيح لحزب العدالة والتنمية الأغلبية العظمي مع إنكار تمثيل الأطراف الأصغر. ولدي تركيا أحد أعلي الحدود الدنيا للتمثيل الانتخابي وأقلها ديمقراطية في العالم؛ لكن نقص تمثيل النظام الانتخابي لم يكن أبدا قلقا حقيقيا بالنسبة لنخبة حزب العدالة والتنمية. رغم الوعود السابقة من الرئيس التركي رجب الطيب أردوجان، إلا أن حزب العدالة والتنمية لم يضع في اعتباره جديا أبدا تخفيض الحد الأدني، لكنه بدلا من ذلك استغل القوانين الحالية لزيادة حصته من المقاعد في البرلمان.

يكمن الفرق الأكثر صدمة بين تونس وتركيا في أسلوبيهما في كتابة الدستور، وهو ما نفذه المشرّعون في كلا البلدين في السنوات الأخيرة. فقد تبني التونسيون دستورا جديدا ديمقراطيا بشدة في يناير ٢٠١٤ مع دعم مذهل بنسبة ٩٤ بالمئة من الجمعية الوطنية. أما في تركيا، فعلي النقيض، فشل البرلمان في الوصول إلي إجماع لإنتاج أول دستور مدني للبلاد – ويرجع ذلك الفشل بشكل كبير إلي إصرار الحزب الحاكم علي تأسيس نظام رئاسي للحكم. ونتيجة لذلك، تظل البلاد ملزمة بالدستور الذي فرضه الجيش عام ١٩٨٢، والذي يتخلف في جميع النواحي تقريبا عن الدستور التونسي الخاص بعام ٢٠١٤.

المجتمعين التركي والتونسي منقسمين بشدة حول محاور علمانية – دينية. ووفقا لمشروع "تقييم القيم العالمي،" يصف ٨٤ بالمئة من الأتراك و٦٥ بالمئة من التونسيون أنفسهم بأنهم "متدينون،" بينما يشير ١٤ بالمئة من الأتراك و٢٧ بالمئة من التونسيون إلي أنفسهم بأنهم "غير متدينون." ويتسم كلا المجتمعين أيضا بمستويات منخفضة من الثقة بين الأشخاص: فقط ١٢ بالمئة من الأتراك و١٦ بالمئة من التونسيون يعتبرون الآخرين مستحقين للثقة (نفس التقييم بالنسبة لهولندا يصل إلي ٦٦ بالمئة و٣٥ بالمئة بالنسبة للولايات المتحدة.) فقد خلق الانقسام العلماني – الديني في كلا المجتمعين مناخ من عدم الثقة وهو ما يكبح التعاون بين الأطراف. وقد حقق ذلك المناخ بالطبع خسائره في تركيا، حيث يرفض السياسيون العلمانيون والدينيون أن يتوصلوا إلي تسوية وأن يكتبوا عقدا اجتماعيا جديدا. بينما يبدو أن السياسيون التونسيون، علي الجانب الآخر، قد نجوا من أزمة الثقة تلك والآن هم علي الطريق نحو ديمقراطية قوية.

لماذا فشل الأتراك ونجح التونسيون؟ أظن أن هناك تفسريين ممكنين: أحدهما مبني علي الهوية الفكرية، والآخر علي أساليب القيادة الخاصة بأردوجان ورشيد الغنوشي، قائد حركة النهضة التونسية. أولا، بالمقارنة بالتونسيين، فإن الشعب التركي أكثر جمودا من ناحية التعريف بهوية محددة وحزب سياسي. وقد طلب مشروع "تقييم القيم العالمي" من أشخاصا من كلا البلدين أن يقيموا أنفسهم علي مستوي فكري من ١ (يساري) إلي ١٠ (يميني). فكان ١٨ بالمئة من الأتراك و٧ بالمئة من التونسيون علي يسار المستوي، بينما كان ٣٥ بالمئة من الأتراك و١٣ بالمئة من التونسين أقرب إلي النهاية اليمني من المستوي. وكان هناك تونسيون في الوسط أكثر من الأتراك، بنسبة ٣٩ بالمئة مقابل ٢٨ بالمئة. ومن المثير للاهتمام أكثر، أن ٣٥ بالمئة من التونسيون قد أجابوا "لا أعلم،" مقارنة بخمسة بالمئة فقط من الأتراك. قد يكون العدد الأكبر من الوسطيون ونقص الحدة الفكرية قد شجعا السياسيون التونسيون علي أن يكونوا أكثر مرونة، وبالتالي سمحوا بحدوث تسوية بين المجموعات الدينية والعلمانية.

ثانيا، أضر أسلوب أردوجان السياسي المسبب للانقسام والمستبد بشكل متزايد بالدستورية التركية.

كانت تونس قصة ناجحة بشكل كبير بسبب دور الغنوشي الإيجابي في العملية الدستورية. وأردوجان ليس مفكر ولا قيادي ديني. إنه حقيقي أنه قد حرر النظام السياسي التركي أكثر بين العامين ٢٠٠٢ – ٢٠١١، لكن منذ حينها تحول بشكل متزايد ليكون استبداديا وفاسدا. وعلي الجانب الآخر، الغنوشي مفكر حقيقي ولديه معرفة عميقة وفهم لكلا الفلسفة الغربية والإسلامية والتاريخ. فمنذ سقوط نظام بن علي، أصبح هو صوت الإعتدال والمنطق في تونس. ويبدو أن لديه ثقافة ديمقراطية وقيم أفضل واستيعاب أكثر صدقا من أردوجان. بينما يفسر أردجان أغلبيته بنسبة ٥٢ بالمئة علي أنها تفويض لتجاهل إرادة نسبة ٤٨ بالمئة الأخري، يظل الغنوشي يذكر مواطنيه أنه حتي أغلبية بنسبة ٦٠ بالمئة في مجتمع منقسم حيث لم تتأسس الديمقراطية بعد بشكل كامل لا يجب اعتبارها تفويضا لاحتكار السلطة.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب