مشكلة امتداد حرب سوريا لتركيا

مقال رأي

يأخذك الاستماع للمسؤولين من حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا، وقراءة الصحف الموالية للحكومة، إلى مكان سعيد لم تكن تركيا أبدا أفضل حالا منه. إنها منارة للديمقراطية تسطع بنورها على باقي الشرق الأوسط، يقود رئيس الوزراء أحمد داوود أوغلو مسؤولية تعزيز الديمقراطية التركية وخلق نظام إقليمي جديد، الاقتصاد التركي يتقدم إلى الأمام رغم جهود وكالات التصنيف الائتماني الخسيسة لتدميره، والأتراك من جميع القطاعات متحدون خلف مبادرات حكومتهم المتعددة. إن المشهد الرسمي من أنقرا مشرق بالفعل – لكن الغيوم التي تتجمع على حدود الدولة تنذر بإعصار.

جلب حكم حزب العدالة والتنمية قدر من الاستقرار لم تعرفه تركيا من قبل. وهو ما ساهم فيه وجود اقتصاد متنامي وجهود متضافرة لمواجهة الشكاوي الكردية. وعلى الجانب السيء ، يوجد كذلك الكبح التدريجي لحرية الصحافة والمعارضة العلنية. على أي حال، أصبحت البلاد سهلة التنبؤ بها بشكل آمن، وكان حزب العدالة والتنمية قادرا على الحكم دون مواجهة مشكلات جدية. حتي هؤلاء الذين ليسوا في معسكر حزب العدالة والتنمية يعترفون بأن تركيا اليوم تبدو على بعد حقب من أيام الإرهاب والاغتيالات في الشوارع، والانقلابات العسكرية، والتضخم المنفلت.

لكن الفوضي على حدود تركيا مع سوريا تهدد بانقلاب كل ذلك. فقد هدد ظهور الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) التوازن الداخلي التركي بعدة طرق. لكن الخطر لا يأتي من داعش نفسها. رغم أن المجموعة قد أثبتت قوتها العسكرية أثناء هياجها في أنحاء العراق وسوريا، لكنها لا تمثل تحديا إقليميا خطيرا لتركيا، والتي لديها جيش كبير مدعوم من الناتو، وقوات جوية حديثة، والموارد اللازمة لصد داعش إن اختارت. بدلا عن ذلك، فإن الآثار التابعة لمسيرة داعش في أنحاء المنطقة هي التي قد تنذر بعودة الأيام السيئة السابقة.

كان الاقتصاد هو المحرك الرئيسي لنجاح حزب العدالة والتنمية والاستقرار السياسي التركي. فقد استقرت استراتيجية حزب العدالة والتنمية الاقتصادية على سهولة الوصول للقروض الأجنبية الرخيصة التي مولت مشاريع البناء والبنية التحتية بدلا من الاستثمار في صناعة أو بضائع قابلة للتصدير. تصبح هذه الديون أصعب في التأمين بسبب السياسات النقدية الأكثر إحكاما للاحتياطي الفيدرالي الأمريكي وللتصور – الذي دعمته احتجاجات حديقة جيزي؛ ومعركة الحكومة ضد حركة جولين، والتي تضمنت تخريب بنك آسيا عن عمد؛ وسياسة حدود تركيا بالسماح بتدفق حر للمقاتلين الجهاديين داخل سوريا – بأن تركيا أصبحت أكثر فوضوية من أن تظل مصدرا للاستثمار الذي يمكن الاعتماد عليه. فبينما تنضب الأموال، سينضب معها توسع الاقتصاد التركي.

علي قمة ذلك، سببت الحرب الأهلية في سوريا وظهور داعش نزوح كبير لللاجئين داخل تركيا والتي لا تظهر أي علامات للتباطئ. مما يضاف لرصيد الحكومة الرائع، أنها قد عملت جديا لاستيعاب اللاجئين الفارين من أجل حيواتهم من سوريا. لقد بنيت ما هي على الأرجح أفضل مخيمات لاجئين شهدها العالم. رغم أن تسكين والاعتناء بما هو بين ١.٣ إلى ١.٥ مليون لاجئ ليس أمرا رخيصا. وبينما هؤلاء اللاجئون يتخذون طريقهم إلى مدن تركيا، سينمو الضغط لا محالة على الإقتصاد التركي. وسينعكس أي تذبذب في الاقتصاد على الدعم الشعبي لحزب العدالة والتنمية وسيظهر مشكلات سياسية وهي التي، حتي الآن، قد تمت التغطية عليها بسيل من الليرة التركية. فمن شأنها أن ستخلق ثغرة لأحزاب المعارضة للنيل من حزب العدالة والتنمية حول ما كان سابقا منطقة قوة.

السبب الآخر للاستقرار الداخلي التركي مؤخرا هو الهدوء النسبي على الجبهة الكردية. بالطبع مازال الأكراد يكتمون العديد من الشكاوي حول قمع الثقافة والعادات الكردية، وقد اشتبك الجيش التركي بشكل متكرر مع مقاتلي حزب العمال الكردستاني، حتي مع حصار حي سيمدينلي مؤخرا في صيف ٢٠١٢ لمحاربة حزب العمال الكردستاني بشكل أكثر فاعلية. رغم ذلك، فإن أحد أكبر نجاحات حزب العمال الكردستاني كانت إخماد إشتعال المشكلات الكردية بشكل كبير عبر "الافتتاح الديمقراطي" الخاص بالحكومة بين ٢٠٠٩-٢٠١١ وعملية سلام إيمرالي الأحدث عهدا متضمنة محادثات مع قائد حزب العمال الكردستاني المسجون عبد الله أوجلان. رغم أنه مازال الطريق طويلا حتي يشعر أكراد تركيا بأن الدولة التركية تتقبلهم تماما، فإن الهدوء النسبي ساهم في إحساس تركيا الكلي بالاستقرار.

لكن السياسة التركية نحو داعش يمكنها أن تبدد كل حسن النية تلك. يلوم العديد من الأكراد أنقرا على السماح لداعش بالاستفحال بل ولتقوية المجموعة عبر سياسة "لا أري لا أسمع لا أتكلم" الخاصة بها سابقا للحدود. كلما أصبحت الحكومة التركية أكثر فتورا حول التخلص من داعش، كلما صعب إتمام عملية السلام الكردية بنجاح. في جنوب شرق تركيا، تمثل جنازات المقاتلون الأكراد الذين قتلوا أثناء قتال داعش عبر الحدود حدثا عاديا، وهم يساهمون في إنماء الشقاق بين السكان المضطربين بشكل طبيعي والحكومة التركية. إن المعركة المستمرة بين داعش والمقاتلون الأكراد على بلدة كوباني على الحدود السورية-التركية – وممانعة تركيا الواضحة للمشاركة فيها خوفا من تقوية الميليشيات الكردية في تركيا – تؤجج المشاعر وتساهم في الخطاب المعادي للحكومة بطرق سيتردد صداها جيدا بعيدا عن ذلك القتال تحديدا. في الانتخابات، أدى حزب العمال الكردستاني جيدا عبر التاريخ في المناطق الكردية في جنوب الشرق، لكن الآن هناك مساحة وسط المصوتين الأكراد ستكون من نصيب أي الأحزاب يتمتع بالذكاء الكافي للاستفادة من أخطاء أنقرة الظاهرة.

أخيرا، البشاعة التي على الحدود واللاجئين السوريين الذين يصبحون جزءا من المشهد من شأنهم أن يفاقموا مشكلة أثارها حزب العمال الكردستاني – وهي الوطنية المتشككة بطبيعتها في الدخلاء وتري المؤامرات الخارجية متربصة وراء كل ركن. في الماضي، كان ليقوي مثل ذلك الجوي الوطني والقتال على الحدود الجيش التركي. لكن هذه المرة، سوف يسرع أكثر من خلق دولة عميقة بديلة، والتي هي للمفارقة هوس حزب العمال الكردستاني باستئصال البنية التحتية للدولة العميقة الكمالية. تحت قيادة رئيس الوزراء وقتها والرئيس الآن رجب الطيب أردوجان، أصبحت وكالة استخبارات تركيا، وتدعي إم أي تي، قوية للغاية. في خلال عدة سنوات، تحكمت المخابرات التركية وأدارت سياسة الحكومة تجاه سوريا منذ ٢٠١١. وتم اتهامها بالسماح لجميع أنواع الجماعات السرية باستخدام تركيا كمحطة للقتال في سوريا ولإيصال الدعم لقطاع عريض من المجموعات الراديكالية. على خلاف الجيش، فإن المخابرات التركية ليست مركز قوة منفصل عن مكتب رئيس الوزراء. فرئيسها يرسل تقاريره لرئيس الوزاء مباشرة، ومنذ ٢٠١٢، أصبحت محمية تشريعيا من التحقيق القضائي. تقوي الأزمة على الحدود السورية يد المخابرات التركية، وتساعد السلطة التنفيذية على تحويل توازن القوي أكثر في صالحها بينما تقوي وكالة استخبارات سرية تعمل خارج حدود أي رقابة حقيقية.

فاقتصاد مثقل بلاجئين، واضطراب متجدد وسط الأكراد الأتراك، والحركة الوطنية الصاعدة، والسياسة التي تديرها أجهزة مخابرات لا يمكن محاسبتها، تؤسس لحالة غير مستقرة من التخمر. قدمت داعش للولايات المتحدة وللشرق الأوسط بأكمله مجموعة جديدة من المشكلات، لكن إرثها الفوري قد يكون نهاية لما كان فترة رائعة من الاستقرار التركي المحلي.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب