ملاحظات حول مؤامرة تركية

مقال رأي

بينما يناقش المعلقون الأمريكيون إذا ما كانت تركيا ستنضم لتحالف رئيس الولايات المتحدة باراك أوباما ضد الدولة الإسلامية، يتطلع بعض النقاد الأتراك للمزيد من تحديات السياسة الخارجية الجادة – مثلما سيحدث في ٢٠٢٣ عندما تنقضي معاهدة لوزان وتصبح الحدود الحديثة لتركيا باطلة. محافظة على البنود السرية الموقعة من قبل الدبلوماسيين الأتراك والبريطانيين في منتجع سويسري مطل على بحيرة منذ حوالي قرن، ستعيد القوات البريطانية احتلال الحصون على امتداد مضيق البسفور، وسيحيي بطريرك الروم الأرثوذكس دويلة بيزنطية بين حوائط مدينة اسطنبول، على الناحية الإيجابية بالنسبة لتركيا، سيتم السماح أخيرا لها بالاستفادة من احتياطات البترول الواسعة الخاصة بها والتي كانت خارج الحدود سابقا وربما تستعيد تراقيا الغربية.

بالتأكيد، لن يحدث أي من ذلك بالفعل. ليس لمعاهدة لوزان تاريخ انتهاء سري. لكنه من المفيد الوضع في الاعتبار ماهية نظريات المؤامرة تلك، التي جرى تداولها على مواقع شبه مغمورة وبرامج أخبار من الدرجة الثانية، كاشفة عن الحقائق الأعمق للسياسة الخارجية التركية، خاصة تحت حكم حزب العدالة والتنمية ذو الاتجاه الإسلامي الخاص بالرئيس إردوجان.

بعد هزيمة الإمبراطورية العثمانية في الحرب العالمية الأولي، قامت بريطانيا، وفرنسا، وإيطاليا، واليونان بتقسيم الأناضول، مستعمرين الأراضي التي هي الآن تركيا. رغم ذلك، أعاد مصطفي كمال أتاتورك تنظيم بقايا الجيش العثماني وتصدي لمحاولة التقسيم تلك عبر الذكاء الدبلوماسي الشديد وعدة سنوات من الحرب. وبالتالي، اعترفت اتفاقية لوزان عام ١٩٢٣ بانتصار أتاتورك وأسست حدود تركيا الحديثة. أصبحت معاهدة لوزان بعد ذلك جزءا من الأسطورة التأسيسية للبلاد. بل ولفترة ما كان لها يوم إجازة خاص بها، عيد لوزان، حيث يلبس الأطفال أزياء تمثل المناطق المتنازع عليها في الأناضول لمسرحيات المدرسة الإبتدائية.

بالترسيخ القوي لمعاهدة لوزان في فكر الدولة التركية، ليس من المفاجئ أن تنسج المؤامرات حولها وتتنوع حسب الانتماء الحزبي لمروج المؤامرة. يميل ناقدوا أردوجان ليركزوا اكثر على المخاطر التي تواجهها تركيا عندما تنقضي لوزان. لطالما قلق العلمانيون الذين تسيطر عليهم نظرية المؤامرة من أن أردوجان يعمل مع الاتحاد الأوروبي لتأسيس كردستان مستقلة أو ربما حفر مضيق بسفور جديد لتأمين السفن الأمريكية عبر البحر الأسود، أو بالتأكيد فعل أي شيء آخر يمكن لإضعاف السيادة التي أمنها أتاتورك لتركيا. البعض من داعمي أردوجان، على العكس، متفائلون أكثر بشأن انقضاء لوزان، جزئيا بناءا على سلسلة من المراجعات التاريخية مؤخرا والتي تشير إلى أن أتاتورك كان بإمكانه الحصول على صفقة أفضل كثيرا أثناء المفاوضات لكنه لم يكن في عصبة الأوروبيين – ليس بالضرورة الاحتفاظ بكامل الإمبراطورية العثمانية، لكن على الأقل التمسك بالمزيد من تراقيا اليونانية وربما حقول النفط في الموصل. حيث انتقد أتاتورك مرة السلطان العثماني لفشله في الدفاع عن الأراضي التركية في وجه العدوان الغربي، وقد استعار الإسلاميون الآن هذا الاتهام لاستخدامه ضد أتاتورك.

في عالم السياسة المحلية التركية، يعكس الحديث عن "نهاية لوزان" مخاوف البعض وآمال آخرين، فبتعزيز رئيس الوزراء السابق، - والرئيس الحالي، أردوجان- للسلطة خلال العقد الماضي، بدأت تركيا جمهورية ثانية، وهي ما يدعوه أردوجان "تركيا الجديدة." يعتقد المؤيدون أن هذا التجسيد الجديد للدولة التركية سيكون خاليا من الاستبدادية التي ميزت جمهورية أتاتورك؛ بينما يقلق الناقدون من أنها ستكون مجردة من علمانية أتاتورك.

مع ذلك، يظهر ثبات أسطورة انقضاء لوزان إلى أي حد ستكون تركيا الجديدة مثقلة نحو فكر تركيا القديمة. ورثت تركيا الإسلامية بالتأكيد القومية التآمرية التي توجد وسط العديد من العلمانيين، متكاملة مع شبهة الاجتياحات الأوروبية الأمريكية والمؤامرات المسيحية الصهيونية. (هل هي مصادفة بأي شكل أن لوزان في سويسرا، هي مركز الصهيونية العالمية؟) بينما تكهن الهامش العلماني بأن أردوجان كان يهوديا سريا يستخدم الإسلام الوسطي لإضعاف تركيا حسب أوامر إسرائيل، يتخيل العديدون في معسكر حزب العدالة والتنمية الآن أن جميع مشكلات إردوجان سببها مؤامرات دولية مختلفة ترغب في إيقاف صعود تركيا الصاروخي.

في عالم السياسة الخارجية، تناقض هذه المؤامرات حقيقة أعمق: رغم العنف الحالي تجاه جنوب تركيا، فإن الحدود المنصوص عليها في معاهدة لوزان مأمنة أكثر من أي وقت مضي. وكان حزب العدالة والتنمية أول حكومة تدرك ذلك بشكل كامل. فبينما إردوجان كان عادة ما يغذي جنون الارتياب الوطني من أجل مكاسب سياسية، مثلما زعم أن قوي أجنبية كانت وراء الإحتجاجات الشعبية المعادية للحكومة، كانت للسياسة الخارجية لحزب العدالة والتنمية المبادرةة في عكس توعية جادة لقوة تركية السياسية والاقتصادية حديثة التأسيس، بغض النظر عن الأمن الذي يصاحبها.

خلف ذلك الخطاب الغريب وجنون الارتياب، أدرك حزب العدالة والتنمية أن تركيا قد تحركت أخيرا لحقبة في سياستها الخارجية متقدمة عن تلك التي تتميز بالحاجة للدفاع عما تم كسبه في لوزان.

بعد توقيع معاهدة لوزان، كان الهدف الرئيسي الجغرافي السياسي لتركيا هو الحفاظ على سلامة أراضيها. في العشرينيات والثلاثينيات، جاء التهديد من القوي الأوروبية مثل إيطاليا الفاشية. وكرد فعل، تبنى رجال الدولة الأتراك حيادية خطرة، ببقائهم بشكل مثير للجدل خارج الحرب العالمية الثانية خوفا من أن المشاركة في أي من الجانبين سوف تؤدي إلى احتلال روسي أو ألماني. أثناء الحرب الباردة، ظهر الاتحاد السوفيتي كتهديد وشيك بشكل فريد، دافعا تركيا لهجر حياديتها والانضمام للناتو.

عندما انتهت الحرب الباردة، ظهر تهديد جديد للحدود التركية: بدأت حرب عصابات مع حزب العمال الكردستاني. ساعد هذا التهديد في توحيد تركيا مع إسرائيل حول اعتقاد مشترك بأن الليبراليون الغربيون المرتاحون لن يفهموا أبدا لماذا، في منطقة خطرة، يتخذ قتل الإرهابيون أولوية على حقوق الإنسان. في الواقع، دخلت تركيا القرن الحادي والعشرين بشكل مشابه جدا لإسرائيل: قوة إقليمية لها تصور ذاتي قائمة على الخوف وانعدام الأمن الذين أحاطا بتأسيسها. وسط الانتقاد المحموم للحرب في غزة هذا الصيف، كان صادما أن نري بعض الكتاب الأتراك يقدمون النصيحة لإسرائيل حول المميزات التي وجدتها تركيا في التغلب على هذا التصور الذاتي.

عادة ما ينسي المتابعون الأمريكون أنه عندما وصل حزب العدالة والتنمية للسلطة في ٢٠٠٣، كانت تقريبا جميع الحدود التركية - ليست فقط تلك الخاصة بالشرق الأوسط- نقاطا ساخنة محتملة. بدت الحرب مع اليونان كاحتمالية حقيقة، بغض النظر عن حرب مع إيران، أو سوريا، أو العراق، أو أرمانيا. خطط أحمد داوود أوغلو – والذي كان في وقتها وزير الخارجية، والآن رئيس الوزراء – لتغيير ذلك بسياسته التي عرف بها "لا مشاكل مع الجيران." وبإضعاف الربيع العربي والثورة السورية للكثير من إنجازات داوود أوغلو عبر خلق مجموعة من المشكلات الجديدة، كان من السهل السخرية من هذه السياسة لسذاجتها. تتجاهل هذه الاستجابة الفوائد الحقيقية التي أوصلتها السياسة لتركيا، تحديدا في أعقاب حقبة بدا فيها أسلوب تركيا في التعامل مع المنطقة - والذي يحركه الخوف- وكأنه "خلق حد أقصي من المشاكل مع الجيران" بدلا من ذلك.

طور حسن داوود أوغلو لغة أكثر دبلوماسية ملائمة لسلطة وطموح تركيا الجدد. على سبيل المثال، بدلا من الرد بأسلوب وطني على الأسئلة العدائية حول المزاعم التركية حول بحر إيجه من اليونانيين الخصوم أحيانا، فإنه سوف يبطل مفعول هذه المواضيع التي تشبه القنابل في البلقان عبر الإشارة بلباقة إلى السؤال الحقيقي والذي كان "كيف نجعل بحر إيجه بحر من السلام؟" تركت تركيا، كما أشار داوود أوغلو ببراعة، نزاعات البلقان المماثلة خلفها وتجاوزتها إلى أمور أكثر أهمية. مثل كسب المال.

إلا أنه - أحيانا – خلف كل ذلك التهديد الفكري، جرى اتهام حكومة أردوجان بكونها حريصة بشدة على الاستفادة من منصب تركيا الجديد من القوة الاقتصادية. وللمفارقة، انتقد خصوم أردوجان - أثناء الحرب الأخيرة في غزة- خطابه تجاه إسرائيل، ليس لقسوته الشديدة ولكن لفراغته الشديدة. عاش النقاد العلمانيون والإسلاميون على حد سواء فرحة كبيرة في الإشارة إلي أنه بينما أصبح أردوجان ناقدا صريحا لإسرائيل، فإن التجارة التركية الإسرائيلية كانت رغم ذلك متصاعدة بشكل ثابت أثناء عهد حزب العدالة والتنمية في السلطة، بلعب ابن أردوجان لدور رئيسي. إنها علامة قوية للنقلة في تركيا حيث عمل الجيش التركي ذات مرة على الحفاظ على علاقات تركية إسرائيلية جيدة وراء الكواليس وسط مشاحنات علنية، والآن تحمل مسؤولية هذا الدور مجتمع الأعمال التركي.

كانت أنقرا مترددة في الانضمام للتحالف الغربي ضد القذافي في ٢٠١١، على سبيل المثال، إلى حد كبير لأن رجال الأعمال الأتراك كان لديهم تجارة رائجة في ليبيا تصل قيمتها إلى حوالي ١٠ مليارات دولار أثناء العام السابق. عندما اندلعت الحرب الأهلية في سوريا بعد فترة قصيرة من بداية الثورة في ليبيا، كان أردوجان وأوغلو حريصين على أن يكونا على الناحية الصحيحة من التاريخ من البداية – وغالبا، كانوا أيضا محرجين من أن الصلات المحسنة مع نظام بشار الأسد كانت واحدة من الإنجازات الأبرز والأكثر ربحية لسياسة "اللا مشاكل."

الآن، اكتشفت تركيا بعض أقوى وأثرى التحديات التي يمكن لدولة قوية وثرية أن تواجهها. قد يميز الأمريكان القليل منهم. كشف الربيع العربي أن الأنظمة غير الديمقراطية يمثلون شركاء أعمال عظماء حتى يتم الإطاحة بهم. قاد أيضا إحساس مبالغ فيه بالثقة تركيا لتتخذ مثل هذا الدور النشط في دعم الثوار المعادين لبشار في سوريا دون الوضع في الاعتبار بشكل كلي الضربة الارتدادية المحتملة. يتسائل الناخبون الأتراك الآن حول دول بلدهم في مستنقع العنف ذلك، خصوصا بعدما بدت مليشيات الدولة الإسلامية ناكرة للجميل مقابل رعاية تركيا السابقة، فقد خطفت واحتجزت العشرات من المواطنين الأتراك العاملين في القنصلية التركية في الموصل، العراق.

الآن، مع إحتمالية هجمات الدولة الإسلامية داخل تركيا أو الصراع المتجدد مع حزب العمال الكردستاني، سيتم الحكم على السياسة الخارجية لحزب العدالة والتنمية من خلال استطاعتها أن تستمر في ترجمة أمن تركيا الجغرافي السياسي المجرد – ماتزال تلك الحدود الخاصة بلوزان لن تتغير – إلى سلامة واستقرار للمواطنين الأتراك. باختصار، سوف يواجه أردوجان وأوغلو العديد من التحديات دون حتي الاضطرار لإعادة التفاوض حول معاهدة لوزين.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب