هل أصبحت مصر مستقرة؟

مقال رأي

قام الرئيس المصري "السيسي" بزيارة نيويورك لإلقاء كلمة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة قبل بضعة أسابيع، واستضاف بنهاية هذا الأسبوع مؤتمر المانحين لإعادة إعمار غزة. ويبدو أن معظم دول العالم، بما فيها حكومة الولايات المتحدة، تميل إلى الاعتقاد بأن كل شيءٍ على ما يرام في مصر.

ولكن أمس، قامت قوات الشرطة باقتحام الجامعات في القاهرة، وإليك ما حدث:

يقول المسئولون الأمنيون أن قوات الشرطة، مدعومةً بالعربات المدرعة، قد اقتحمت الحرم الجامعي لاثنين على الأقل من الجامعات المصرية البارزة لقمع الاحتجاجات المناهضة للحكومة التي نظّمها الطلاب. وقد نُظِّمت أكبر مسيرات يوم الأحد، في جامعتي القاهرة والأزهر الإسلامية، من قبل مؤيدي الرئيس الإسلامي المعزول "محمد مرسي"... وقال أحد المسئولين الأمنيين أن ستة أشخاصٍ على الأقل قد أُلقي القبض عليهم في الأزهر، حيث أطلقت قوات الشرطة الغاز المسيِّل للدموع... هذا وقد كثّفت السلطات من التواجد الأمني في كل جامعات البلاد لمنع تجدد الاحتجاجات الطلابية.

لا تشير العربات المدرعة والغاز المسيل للدموع إلى الاستقرار، وإنما إلى القمع. وفي الواقع، هناك قمعٌ كبيرٌ يُمارس في مصر، وهذا ليس مستغربًا: فقد دعم 51 بالمائة من الناخبين الرئيس مرسي خلال المعركة الانتخابية، وكان لزامًا على بعض هؤلاء أن يعارضوا الإطاحة به في انقلابٍ عسكري. أيّد العديد من الليبراليين والديمقراطيين المصريين ذلك الانقلاب تخوفًا من سعي مرسي لتأسيس نظامٍ ديكتاتوري، وقد شاركتهم هذا التخوف. وأدّى ذلك باختصارٍ إلى خلق تحالفٍ بين القوى الليبرالية والديمقراطية والجيش. ولكن السيسي اليوم لا يرعى قمعًا للقوى الإسلامية والإخوان فحسب، وإنما أيضًا للمجموعات الوسطية والليبرالية والديمقراطية التي تريد انفتاحًا في مصر أكبر مما يرغب الجيش في السماح به. ومثلما فعل مرسي، يقوم السيسي بحبس الصحفيين الذين يوجهون النقد لحكومته؛ وهنا آخر تعليقات "لجنة حماية الصحفيين". يوجد آلاف السجناء السياسيون في مصر الآن، وتم إخضاع القضاء لسيطرة الحكومة، ويبدو أن السيسي حازمًا ليس فقط في سحق الإسلام السياسي وإنما المعارضة بشكلٍ عام، وهو النهج الذي يذكرنا بالطبع بسنوات مبارك. لا شك أن الإخوان مثلوا رعبًا للعديد من المصريين خلال عامهم الوحيد في السلطة، ولكن هل أراد المصريون نظامًا عسكريًا مقنّعًا آخر عندما أطاحوا بمبارك أولًا، وأيدوا الإطاحة بمرسي فيما بعد؟  

أنا عضوٌ في "مجموعة العمل من أجل مصر"، مجموعة غير حزبية وغير رسمية مكونة من مسئولين سابقين وأكاديميين وخبراء منظمات المجتمع المدني، وقد كتبنا خطابًا مفتوحًا للرئيس أوباما قبل انعقاد الجمعية العامة الشهر الماضي. النص الكامل للخطاب في هذا الرابط، وهذا مقتطفٌ   منه:

مهما يكن الدعم الذي قد يقدمه - أو لا يقدمه - السيسي في المعركة ضد التطرف العنيف بالمنطقة، فإنه قد فاقم بالفعل من هذا التطرف بحالة الراديكالية وعدم الاستقرار التي يزرعها كل يومٍ في مصر من خلال سياساته القمعية... هناك تخوفٌ كبير إزاء تأجيج نظام السيسي لنيران التطرف والعنف والإرهاب الذي ارتفعت وتيرته في مصر بشكلٍ ملحوظ منذ انقلاب يوليو 2013، حيث يستمر النظام في غلق سبل المعارضة السياسية السلمية. وقد نجمت الحملة الأمنية التي تم شنها إثر الانقلاب عن أكثر من ألفي قتيل من المعارضين – بما فيهم أكثر من ألف شخصٍ تم قتلهم عمدًا بشكلٍ منظم في يومٍ واحدٍ في شهر أغسطس 2013، ليدخل ذلك في منافسةٍ مع "مذبحة تيانانمن". وهذا علاوة على عشرات الآلاف من القابعين في السجون، الذين اُعتقل العديد منهم بغير توجيه تهمةٍ لفتراتٍ طويلة أو أُخضِعوا لمحاكماتٍ جماعيةٍ في محاكمٍ صورية، ليعانوا من التعذيب والظروف غير الإنسانية. ويوجد الآن أكثر من سبعين سجين مصري دخلوا في إضرابٍ موسعٍ عن الطعام احتجاجًا على هذه المعاملة الوحشية، والعديد منهم على وشك الموت، بما في ذلك المواطن الأمريكي محمد سلطان والرمز الشبابي أحمد دومة. وتمارس حكومة السيسي أيضًا ضغطًا متزايدًا على ما تبقى من مجموعات المجتمع المدني المصرية القليلة التي تقوم بإعداد تقاريرٍ أو توجه انتقاداتٍ لانتهاكات حقوق الإنسان، لا سيما إذا ما جرأت على التعاون مع منظماتٍ دولية أو قبلت الدعم منها.

لا شك أن مستقبل السيسي يعتمد إلى حدٍ كبيرٍ على ما إذا كان قادرًا على تحقيق ازدهارٍ أم لا، ولكن مصر ليست في حالةٍ مستقرة. هناك خطرٌ حقيقي من التطرف العنيف، ولكن تكتيكات السيسي القمعية ستنفر المزيد من المصريين مع مرور الوقت، وستفاقم من ذلك الخطر بدلًا من الحد منه. 

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب