هل تستطيع أسواق النفط والغاز التكيّف مع إيران الصاعدة؟

مقال رأي

نظراً إلى إمكاناتها الكبيرة من موارد النفط والغاز، لابدّ أن تكون إيران مهمة بالنسبة إلى كل شركة نفط عالمية كبرى. مع ذلك، وباستثناء شركات النفط الصينية والروسية، وهي الوحيدة التي تشارك حالياً في تطوير حقول النفط الإيرانية، أحجمت شركات النفط الكبرى عن الدخول إلى إيران.

يُعزى هذا الوضع إلى حدّ كبير إلى سلسلة العقوبات التي تستهدف بصورة أساسية القطاع المصرفي وقطاع الطاقة، التي فرضتها الولايات المتحدة والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي في السنوات الأخيرة، والتي حدّت من الاستثمار في إيران.

ومع ذلك، تبدو شركات النفط الكبرى حريصة على العودة إلى إيران إذا ماتوصّل المجتمع الدولي والجمهورية الإسلامية إلى اتفاق طويل الأمد بشأن برنامجها النووي، وتم رفع العقوبات في ضوء ذلك، وأيضاً إذا ماوفّرت إيران شروطاً تعاقدية أكثر تساهلاً.

بالنسبة إلى إيران، ثمّة حاجة إلى الاستثمارات ورأس المال والتكنولوجيا الأجنبية لعكس انخفاض إنتاج البلاد من النفط، ولزيادة طاقتها التصديرية.

الموعد النهائي للتوصّل إلى صفقة هو ٢٤ تشرين الثاني/نوفمبر ٢٠١٤. وفي حين لاتزال نتائج المفاوضات بين إيران والقوى العالمية الست المعروفة باسم ١+٥ (الصين وفرنسا وروسيا وبريطانيا والولايات المتحدة، زائد ألمانيا) غير مؤكّدة، ستكون لحلّ المأزق الحالي آثار جيوسياسية كبيرة. بيد أن من شأن ذلك أيضاً إحداث تغييرات أساسية في أسواق النفط والغاز، مع مايترتّب عليها من آثار خطيرة على كبار المستهلكين والمنتجين، خاصة في منطقة الشرق الأوسط.  

إمكانات هائلة على صعيد الطاقة 

تمتلك إيران احتياطيات كبيرة من النفط والغاز. وفقاً لـ"نشرة بريتش بيتروليوم الإحصائية للطاقة العالمية"؛ إذ تقبع الجمهورية الإسلامية فوق أكبر احتياطي مؤكّد من الغاز في العالم (١٢٠٠ تريليون قدم مكعب، أي مايزيد عن ١٨ في المئة من الإجمالي العالمي)، ورابع أكبر احتياطيات نفطية مؤكّدة (١٥٧ مليار برميل، أي مايعادل أكثر من ٩ في المئة من الإجمالي العالمي)، بعد فنزويلا والسعودية وكندا.
 
والأمر المثير هو أن إيران لاتزال تمتلك ثاني أكبر اقتصاد في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بعد المملكة العربية السعودية، على الرغم من العقوبات العديدة المفروضة على الاقتصاد وقطاع الطاقة فيها. كما تظلّ إيران إحدى الدول المنتجة الكبيرة للنفط والغاز. فهي تعدّ ثالث أكبر منتج للغاز في العالم بعد الولايات المتحدة وروسيا، وسابع أكبر منتج للنفط بعد السعودية وروسيا والولايات المتحدة والصين وكندا والإمارات العربية المتحدة.
 
ومع ذلك، يعاني الاقتصاد ومناخ الاستثمار في إيران بصورة مطّردة من وطأة العقوبات. وفقاً لصندوق النقد الدولي، تسبّبت العقوبات التجارية والمالية الدولية منذ أوائل العام ٢٠١٢، في إحداث صدمة مجدداً، ودفعت الاقتصاد إلى دورة من الانكماش الشديد. وقد صنّف البنك الدولي البلاد في المرتبة ١٥٢ من أصل ١٨٩ بلداً شملته الدراسة في تقرير ممارسة أنشطة الأعمالللعام ٢٠١٤، حيث احتلّت الجزائر وجيبوتي وسورية وليبيا المرتبة الأدنى بين دول المنطقة.

أدّى كلٌّ من محدودية الاستثمارات والعقوبات إلى تقليص إنتاج النفط والغاز في إيران، علماً أن إيران تحتاج إلى استثمار أكثر من ٥٠٠ مليار دولار في قطاع النفط والغاز خلال السنوات الخمس عشرة المقبلة للحفاظ على إنتاجها وتعزيزه. ومع ذلك، لايعكس أداء إيران في مجال إنتاج النفط والغاز، في حالته الراهنة، الإمكانات التي تتمتّع بها البلاد.

علاوة على ذلك، يبقى قطاع الغاز في إيران متأخّراً حيث يتم استخدام معظم الإنتاج لتلبية الطلب المحلي المتزايد. وثمة حاجة إلى استثمارات كبيرة لبناء البنية التحتية اللازمة لخطوط الأنابيب والغاز الطبيعي المسال. وإلى أن يتحقّق ذلك، لن تكون إيران قادرة على الاستفادة الكاملة من ثروة الغاز الكبيرة. على العكس من ذلك، تبدّد البلاد نسبة كبيرة من هذا المورد الثمين عن طريق حرقه. إذ يتم حرق أو إشعال الغاز الطبيعي المصاحب، الذي ينتج مع النفط، في مواقع استخراج النفط بسبب غياب البنية الأساسية اللازمة لمعالجة الغاز الطبيعي ونقله. وتُعَدّ إيرانثالث أكبر دولة من حيث إحراق الغاز في العالم بعد روسيا ونيجيريا.

بلغ إنتاج النفط في إيران أكثر من ٦ ملايين برميل يومياً في العام ١٩٧٤، ومنذ ذلك الحين، جهدت البلاد كي يتجاوز إنتاجها ٤ ملايين برميل يوميا. وكان إنتاج النفط الإيراني الذي وصل إلى ٣.٥ مليون برميل يومياً في العام ٢٠١٣، أقل بنسبة ٦ في المئة عن مستوى العام ٢٠١٢، وهو مايمثل أدنى مستوى للإنتاج خلال عشرين عاما .
 
كما أن أداء الصادرات النفطية الإيرانية دون المستوى المأمول هو الآخر. ففي العام ٢٠١١، كانت إيران ثالث أكبر دولة مصدّرة للنفط الخام بعد السعودية وروسيا، حيث صدّرت نحو ٢.٥  مليون برميل يومياً. وانخفض هذا الرقم بشكل ملحوظ، بواقع مليون برميل يومياً، في العام ٢٠١٢. وفي أواخر العام ٢٠١٣، أدّت العقوبات إلى خفض صادرات النفط الإيرانية إلى حوالى مليون برميل يومياً، ما أدّى إلى خسائر كبيرة في الإيرادات الحكومية. ووفقاً لصندوق النقد الدولي، انخفضت عائدات تصدير النفط إلى أكثر من النصف (بنسبة حوالى ١٥ في المئة من الناتج المحلي الإجمالي) في العام ٢٠١٢، و ١٥ في المئة في العام 2013. وحتى من دون انخفاض إضافي في الصادرات، ستشهد إيران مزيداً من الانخفاض في قيمة صادراتها نظراً إلى انخفاض سعر النفط، الذي بلغ ١٠٨  دولارات للبرميل في المتوسط في العام 2013، لكنه انخفض ليصل إلى أكثر بقليل من ٨٠ دولاراً للبرميل في تشرين الأول/أكتوبر ٢٠١٤.

تبقى إيران عضواً مهماً في منظمة البلدان المصدّرة للبترول (أوبك). ففي العام ٢٠١٣، كانت إيران ثالث أكبر منتج للنفط في المنظمة بعد المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة. ومع ذلك، فهي غير قادرة على زيادة إنتاجها، نظراً إلى العقوبات المفروضة عليها ونقص الاستثمارات، على عكس المملكة العربية السعودية التي تمتلك أكبر طاقة احتياطية في المنظمة. ومع ذلك، قالت وزارة النفط الإيرانية في العام ٢٠١٢ إن أحد أهداف إيران الرئيسة هو الحفاظ على مركزها باعتبارها، آنذاك، ثاني أكبر منتج للنفط الخام في منظمة أوبك، واستحداث طاقة إنتاج إضافية. من شأن ذلك أن يساعدها في الاحتفاظ ببعض التأثير على سوق النفط، خصوصاً وأنه يبدو أن المنافسة تشتدّ بين منتجي النفط في ظل ثورة النفط الصخري التي تعمل على تغيير واقع الطاقة في أميركا الشمالية.

إصلاحات كبيرة 

في محاولة للتعويض عن العقوبات وتأسيس مناخ استثماري أكثر جاذبية، شرعت إيران في السنوات الأخيرة في إجراء إصلاحات كبيرة في قطاع الطاقة لتحجيم الطلب المحلي وإعادة تأهيل الإنتاج.

يبدو مزيج الطاقة الأساسي في إيران بسيطاً، حيث يتم توفير نسبة ٩٨ في المئة من احتياجاتها من خلال النفط والغاز، في حين يجري تأمين بقية الاحتياجات من الطاقة الكهرومائية والطاقة النووية والفحم. وكان الطلب الطاقة يتزايد بسرعة حتى العام ٢٠١٠، مدعوماً إلى حدّ كبير بالدعم الحكومي السخي. ومع ذلك، كانت إيران أول دولة كبيرة مصدّرة للنفط تخفض دعم الطاقة إلى حدّ كبير. في العام ٢٠١٠، قامت الحكومة بزيادة أسعار الطاقة المحلية بنسبة تصل إلى ٢٠ ضعفاً، في خطوة وصفها الرئيس آنذاك محمود أحمدي نجاد باعتبارها "العملية الجراحية" الاقتصادية الأشدّ تأثيراً في تاريخ إيران الحديث.

كان تأثير الإصلاحات في تسعير المنتجات النفطية ملحوظاً. فبين العامَين ٢٠١٢ و ٢٠١٣، ازداد استهلاك النفط بنسبة تقلّ عن ٢ في المئة، في حين لم يتغيّر استهلاك الغاز تقريباً، مقارنة بزيادة وصلت إلى ٩ و ٧ في المئة على التوالي بين العامَين ٢٠٠٩ و ٢٠١٠.
 
ويشمل إصلاح جذري آخر لقطاع الطاقة إدخال عقود وترتيبات مالية جديدة خاصة بعمليات التنقيب عن النفط والغاز واستخراجهما، بهدف جذب رؤوس الأموال والتكنولوجيا الأجنبية لمشاريع الاستكشاف والإنتاج في إيران. وبينما أدّت العقوبات الدولية إلى تسريع وتيرة خفض الإنتاج والحدّ من الصادرات، أعاقت الشروط التعاقدية غير الجذّابة الاستثمارات اللازمة لزيادة الطاقة الإنتاجية في البلاد لفترة طويلة.
 
يحظّر الدستور الإيراني منح امتيازات التعدين وملكية الموارد الطبيعية إلى الكيانات الخاصة والأجنبية، وفي أعقاب الثورة الإسلامية في العام ١٩٧٩ وحتى العام ١٩٩٥، لم تكن هناك أي مشاركة أجنبية مباشرة في عمليات التنقيب والاستخراج في قطاع النفط والغاز في إيران. لكن في ظل حاجة هذا القطاع الماسّة إلى إعادة التأهيل في أعقاب الحرب مع العراق، قامت إيران بإدخال نوع جديد من الترتيبات التي تهدف إلى جلب رؤوس الأموال الأجنبية التي تشتدّ الحاجة إليها من دون خرق الدستور. وتم توقيع أول العقود الجديدة مع شركة توتال الفرنسية في العام ١٩٩٥.

بموجب تلك الاتفاقيات الحصرية لإعادة الشراء، تعتبر شركات النفط والغاز مجرّد طرف يقدّم الخدمات، حيث تحصل على أجر ثابت مقابل كل برميل، وتستعيد بعض تكاليفها، لكن لايحقّ لها امتلاك الإنتاج بأي شكل. كما أن عقود إعادة الشراء قصيرة المدى (أقل من عشر سنوات). الشركات الأجنبية مطالبة بتمويل جميع تكاليف الاستثمار وتنفيذ عمليات الاستكشاف و/أو الإنتاج الخاصة ببرنامج العمل المتَّفق عليه نيابة عن شركة النفط الوطنية الإيرانية. وبمجرّد الانتهاء من تقديم هذه الخدمة، تسلّم الشركات المشاريع لشركة النفط الوطنية الإيرانية.

ليس من المستغرب، إذاً، أن الشركات العالية المستثمرة للنفط لاتفضّل هذا النوع من الترتيبات. إذ لاتقدّم عقود إعادة الشراء، في نظر الجهة المستثمرة، سوى مكافآت محدودة للغاية في مقابل نقل الموارد القيّمة والمحدودة. علاوة على ذلك، لاتتوفّر للمقاول حوافز كبيرة لخفض التكاليف وتحسين الكفاءة على المدى الطويل، لأن الحقول ستخضع إلى سيطرة الحكومة في موعد التسليم. وهذا يساعد على توضيح السبب في أن إيران تعاني من انخفاض الإنتاج وانخفاض معدّلات الاستعادة من الحقول الحالية وقلّة الاستكشافات. ووفقاً لإدارة معلومات الطاقة الأميركية لم يدخل أي حقل نفط جديد حيّز الإنتاج في إيران بين العامَين ٢٠٠٧ و ٢٠١٤.

إن توسيع مشاركة المقاولين في مشروع معيّن لخمسة عشر أو عشرين سنة، على سبيل المثال، قد يجعلهم على استعداد لاستخدام تكنولوجيا أكثر تطوراً لتحقيق مكاسب على المدى الطويل. ولعلّ هذا هو التوجّه الذي يبدو أن إيران تأخذ به الآن حيث تم الإعلان، في شباط/فبراير ٢٠١٤، عن الترتيبات الجديدة المعروفة باسم "العقود النفطية الإيرانية".

كانت هذه الترتيبات تستند إلى نتيجة العمل الذي قامت به لجنة شكّلتها الحكومة الإيرانية في تشرين الأول/أكتوبر ٢٠١٣، وكُلّفت بوضع شروط تعاقدية جديدة للمساعدة في جذب شركات النفط الأجنبية الكبرى إلى البلاددرست اللجنة عقوداً من ٣٣ بلداً، بما في ذلك العراق، لتطوير النموذج الجديد. وقال مهدي حسيني، رئيس لجنة مراجعة عقود النفط في وزارة النفط الإيرانية في شباط/فبراير 2014، إنه كان من المتوقّع أن تجلب الترتيبات الجديدة ١٠٠ مليار دولار منالاستثمارات في قطاع الطاقة الإيراني في غضون أربع سنوات.

كان من المقرّر في الأصل تقديم النموذج الجديد في مؤتمر في لندن في نيسان/أبريل ٢٠١٤، غير أنه تم تأجيل ذلك المؤتمر. وكانت العديد من شركات النفط متردّدة في حضور مثل هذا التجمّع إلى أن تتوصّل حكومات بلدانها وإيران إلى اتفاق بشأن البرنامج النووي الإيراني.
 
في تشرين الأول/أكتوبر ٢٠١٤ قال وزير النفط الإيراني بيجان نامدار زنغنه إن وزارة البترول الإيرانية تضع اللمسات الأخيرة على العقود الجديدة، وإذا تم رفع العقوبات، فسيتم عرضها على شركات النفط في لندن في شباط/فبراير ٢٠١٥.

من بين التعديلات التي أجرتها على العقود، من المتوقع أن تقدّم العقود النفطية الإيرانية اتفاقاً على المدى الطويل (٢٠-٢٥ سنة)، ومن المرجّح أن يسفر عن عوائد أعلى للمستثمرين. إذ قال وزير النفط الإيراني إن العقود النفطية الإيرانية ستكون أكثر تنافسية وأكثر جاذبية للمستثمرين الأجانب من الترتيبات التي تقدّمها الدول المجاورة.

التأثير على الجيران 

يمكن أن تتحقّق زيادة الحضور الإيراني في أسواق النفط والغاز من خلال وسائل عديدة. وسيواكب التغيير الأكبر رفع العقوبات كجزء من صفقة طويلة الأجل بشأن البرنامج النووي الإيراني. ومن المستبعد أن يؤدّي التوصّل إلى اتفاق مؤقت إلى إحداث فارق كبير، لأن استثمارات النفط والغاز ذات طبيعة طويلة الأجل. بالإضافة إلى ذلك، فإن إدخال شروط تعاقدية أكثر تنافسية سيوفّر حافزاً كبيراً للمستثمرين الدوليين في مجال النفط والغاز لدخول البلاد.

إذا ماتحقّق هذان الشرطان، فسيُنظر إلى بروز إيران على الساحة باعتباره فرصة وتهديداً للبلدان العربية الغنية بالنفط والغاز على حدّ سواء.

إذا مانجحت إيران في تعزيز إنتاج الغاز وتطوير البنية التحتية الخاصة بالتصدير، فمن المحتمل أن تكون الدول المجاورة لها أحد أسواقها الرئيسة، نظراً إلى قربها الجغرافي ورغبتها المتزايدة بسرعة في الحصول على الغاز الطبيعي.

على مدى سنوات، عقدت إيران محادثات بشأن صفقات محتملة في مجال الطاقة مع بعض دول الخليج، حيث فشل بعضها، في حين لايزال البعض الآخر مستمراً. فقد أعلن وزير النفط الكويتي مؤخراً أن بلاده تتطلّع إلى توقيع اتفاق مع إيران لشراء الغاز الطبيعي. وبالمثل، وقّعت إيران وسلطنة عمان، في العام ٢٠١٣، مذكرة تفاهم تصدّر إيران بموجبها حوالى ٣٥٣ مليار قدم مكعّب من الغاز سنوياً إلى عمان، تستخدم نسبة ٧٠ في المئة منها محلياً ويتم تسييل النسبة الباقية ومن ثم يعاد تصديرها. وقالت إيران أيضاً إنها مستعدّة لبدء تصدير الغاز إلى العراق، الذي يعتبر، وللمفارقة، رابع أكبر دولة في العالم من حيث إحراق الغاز، على الرغم من أنه يمتلك احتياطيات من الغاز أكبر من تلك الموجودة في النرويج وبلدان الاتحاد الأوروبي مجتمعة.

وانهار اتفاق سابق محتمل بين إيران والإمارات العربية المتحدة بسبب الخلافات على مسألة التسعير. وعلى نحو مماثل، وقّعت البحرين مذكرة تفاهم مع إيران لاستيراد الغاز، ولكن لم تتم المباشرة في تنفيذ الاتفاق بسبب القضايا السياسية الخلافية بين البلدين.

من المحتمل أن تتنافس إيران مع قطر لتصدير الغاز إلى الأسواق الأوروبية والآسيوية. إذ تم إطلاق العديد من التصريحات حول إمكانية أن تصدّر إيران الغاز إلى أوروبا عبر تركيا باعتبار ذلك وسيلة لأوروبا للحدّ من اعتمادها على الغاز الروسي. والواقع أنه تم إدراج إيران في الخطط الأصلية لإنشاء خطَّي أنابيب "نابوكو" و"عبر البحر الأدرياتيكي"، وهما مشروعان يهدفان إلى نقل الغاز من آسيا الوسطى والشرق الأوسط إلى أوروبا عبر تركيا. ومع ذلك، استُبعدت إيران من خطط إنشاء الخطَّين بسبب وضعها السياسي الداخلي.

في سوق النفط، من شأن زيادة الطاقة الإنتاجية الإيرانية خلق تحدٍّ إضافي في مواجهة منظمة أوبك.

الفرق الرئيس بين النفط والغاز هو أن للنفط سوقاً عالمية، في حين أن أسواق الغاز إقليمية. ولذلك فإن أفضل تفسير لتذبذبات أسعار النفط يكمن في التغيرات التي تطرأ على العرض والطلب العالميَّين. وغالباً ماتتأثّر قوى السوق بالصدمات الخارجية مثل الحروب والثورات والازدهار والكساد الاقتصادي وحتى حالة الطقس.

بدءاً من العام ٢٠١١ وحتى وقت قريب، شهدت سوق النفط استقراراً في الأسعار لم تشهده منذ العام ١٩٧٠، على الرغم من تعطّل بعض أكبر الإمدادات في العالم، وخاصة في إيران وليبيا وسورية. في العام ٢٠١٣ وحده، شهدت سوق النفط خسارة مايقرب من ٣ ملايين برميل يومياً، إلا أن الأسعار لم تتغير تقريباً.

على الرغم من التهديد الذي يشكّله تنظيم الدولة الإسلامية وفرض العقوبات الغربية على روسيا، لاتزال أسعار النفط إلى انخفاض. لكن، في حين أدّى تعطّل الإمدادات في السابق إلى حدوث زيادات كبيرة في الأسعار في كثير من الأحيان، يختلف الوضع اليوم اختلافاً جذرياً. فهناك إمدادات إضافية تأتي إلى السوق، خاصة من أميركا الشمالية، مايعوّض خسارة الإمدادات في أماكن أخرى. إذ تستمر الولايات المتحدة في التمتّع بفوائد الثورة في مجال النفط الصخري، مارفع إنتاج النفط إلى أكثر من ١٠ ملايين برميل يومياً في العام ٢٠١٣، وهو مايمثّل أعلى مستوى له منذ العام ١٩٨٦ وأكبر زيادة في تاريخ الولايات المتحدة.

إذا ماعمدت دولة نفطية عملاقة أخرى مثل إيران إلى زيادة إنتاجها، فإن الضغط النزولي على أسعار النفط سيكون أكبر بكثير. ومع ذلك، من المستبعد أن تكتفي منظمة أوبك، التي تسيطر على أكثر من 40 في المئة من إنتاج النفط العالمي، بمراقبة انهيار أسعار النفط. ذلك أن النفط بالنسبة إلى الدول الأعضاء في أوبك هو العمود الفقري للاقتصاد، حيث يوفّر حصة الأسد من إيرادات الحكومة والتصدير على حدّ سواء.

عندما تنخفض أسعار النفط دون مستوى معيّن، تسعى أوبك في العادة إلى إجراء خفض في الإنتاج لعكس هذا الاتجاه. واليوم، ونظراً إلى الزيادة في إنتاج النفط الصخري في أميركا الشمالية، يمكن أن تؤدّي هذه الخطوة إلى خسارة جزء من حصتها في السوق وتراكم الطاقة الإنتاجية الفائضة للمنظمة (حجم الإنتاج الذي يمكن أن يتحقّق في غضون ثلاثين يوماً ويستمر لتسعين يوماً على الأقل). وبالتالي فإن إدارة الطاقة الفائضة الكبيرة ليست مهمّة بسيطة. فهي يمكن أن تزيد من حدّة التوتّر بين البلدان الأعضاء، التي لديها حافز لانتهاك اتفاق الحصص من خلال بيع النفط بنسبة أكبر من تلك المتفق عليها. وسيصبح الوضع أكثر وطأة لو نجح العراق، وهو عضو مهم آخر في منظمة أوبك، في تحقيق هدفه المتمثّل في زيادة طاقته الإنتاجية لتصل إلى ٩ ملايين برميل يومياً في العام ٢٠٢٠، لترتفع طاقته الحالية التي تصل إلى ٣ ملايين برميل يومياً.

الخطوات التالية 

مامن شك في أن التوصّل إلى صفقة نووية طويلة الأمد مع إيران سيخلق تعقيدات مثيرة للاهتمام في أسواق الطاقة العالمية. ومع ذلك، قد لايكون المنتجون الرئيسون الآخرون للنفط والغاز في الشرق الأوسط بحاجة للقلق الشديد بشأن صعود إيران، على الأقلّ ليس في المدى القصير. فحتى لو تم التوصّل إلى اتفاق بشأن برنامج إيران النووي، سيكون من السابق لأوانه التكهّن بأن أسواق النفط والغاز ستغرق على الفور بإمدادات جديدة من هذا الجزء من العالم.

لاتزال هناك العديد من العقبات الفنية والتشريعية. قد تحصل إيران على بعض التنازلات السريعة، ولكن من المستبعد أن تعكس هذه التنازلات إنتاج النفط والغاز وواقع الاستثمار في البلاد، بالنظر إلى أن مشاريع النفط والغاز تتطلّب التزامات طويلة الأجل تستمر لعقود. وعلاوة على ذلك، فإن رفع العقوبات، وخاصة العقوبات الأميركية، هي عملية طويلة ومعقّدة. وسيكون لزاماً على شركات النفط أيضاً تقييم ما إذا كانت الترتيبات التعاقدية الجديدة مغريةً بما يكفي لتخصيص رؤوس أموال ثمينة.

وفي إطار السيناريو الأكثر تفاؤلاً، سيستغرق الأمر وقتاً أطول كي يصل إنتاج النفط في إيران إلى مستويات ماقبل الثورة. إذ تظهر التجربة أن العديد من الدول المنتجة للنفط التي واجهت اضطرابات داخلية، كافحت لزيادة إنتاجها إلى مستويات ماقبل الأزمة. ومن المستبعد أن تكون إيران مختلفة عنها.

 

مصدر الترجمة: 
Carnegie Middle East Center