هل تمثل داعش تهديدًا إشعاعيًا؟

مقال رأي

أشارت عدة تقارير إخبارية خلال الأشهر الأخيرة إلى احتمالية أن يمثل تنظيم الدولة الإسلامة في العراق والشام (داعش) تهديدًا إشعاعيًا. حيث تصدرت عناون إخبارية مثل: "مخاوف من صنع داعش لقنبلة إشعاعية بعد استيلاء مقاتليها على مخبأ لليورانيوم"؛ "خبراء: مركبات يورانيوم مسروقة وليس فقط مكونات قنبلة نفايات إشعاعية بحوزة داعش"؛ "مقاتلو داعش يستولون على "مواد نووية"؛ "مخاوف أمريكية حول إمكانية تهريب داعش لمواد نووية وإشعاعية"، في وسائل إعلامية بارزة ومدونات عديدة. وعادة ما تكون تلك المقالات مصحوبة بصور ليس لها علاقة بتلك الوقائع تحديدًا ولكنها تدل على السياق لجذب عين قاريء محتمل و/أو لتثير قلقه.

هل هناك تهديد حقيقي أم أن تلك العناوين تهدف للفت الانتباه؟ هل هناك احتمالية حقيقة لقيام داعش بإنتاج قنبلة نفايات إشعاعية، وهي قنبلة مكونة من مواد تفجيرية عادية بالإضافة إلي بعض النفايات الإشعاعية، وإحداثها لخسائر إشعاعية في الأرواح والممتلكات في الولايات المتحدة وأوروبا، أو أي دولة أخرى قد تواجه داعش كجزء من التحالف المتكون مؤخرًا بقيادة الولايات المتحدة؟ ما هي الحقائق المؤكدة؟ ما هي الافتراضات المعقولة حول الوضع في المناطق التي تسيطر عليها داعش وما هي التقييمات الواقعية لمستوى التهديد المحتمل؟

كل من تابع التقارير الأخيرة حول التفسخ السريع للجيش العراقي في غرب العراق يمكنه أن يُقدر أن داعش تسيطر الآن على أجزاء كبيرة من العراق وسوريا. وتحتوي تلك المناطق على حقول نفط، مستشفيات، جامعات، ومنشآت صناعية، والتي قد تمثل أماكن يستخدم فيها، أو كان يستخدم فيها، أنواعًا متعددة من المواد المشعة.

أصدرت الوكالة الدولية للطاقة الذرية بيانًا، في يوليو 2014، يشير إلى أن العراق أخطرت الأمم المتحدة بمعلومة "استيلاء داعش على مواد نووية من جامعة الموصل". كما أشار البيان الصحفي إلى اعتقاد الوكالة بأن المواد المقصودة "منخفضة النوعية ولن تمثل خطرًا كبيرًا على السلامة أو الأمن أو تحفز خطر الانتشار النووي". ورغم تقييم خطر تلك المواد على أنه منخفض، إلا أن الوكالة صرّحت بأن "أي فقدان للرقابة الدورية على المواد النووية والمشعة يعد سببًا للقلق". وأدى بيان الوكالة إلى إصدار موجة أولية من التقارير الصحفية بعد وقت قصير من إصدار البيان في يوليو.

كما بدأت جولة ثانية من التقارير الصحفية حول التهديد باستخدام داعش للمواد النووية أو الإشعاعية في مطلع سبتمبر، حيث أثارت تلك الموجة الإعلان عن اتفاق أمريكي عراقي على خطة عمل مشترك لمواجهة التهريب النووي والإشعاعي. ووفق البيان الصحفي لوزارة الخارجية الأمريكية حول خطة العمل المشترك، ستقدم الولايات المتحدة إلى العراق التدريب والإعداد عبر مبادرة وزارة الطاقة لكبح التهديد العالمي، والتي سوف تحسن قدرات العراق على "تحديد موقع ونوع وتوصيف المصادر الإشعاعية المسروقة أو التي أسيء استعمالها في العراق ثم استرجاعها، وهو ما سيقلل من خطر حصول الإرهابيين على تلك المواد الخطيرة". رغم أن بيان الوزارة ليس مثيرًا للقلق، إلا أنه يصرح بالفعل بقناعة الولايات المتحدة والعراق بتمثيل التهريب النووي والإرهاب الإشعاعي لتهديدات "حساسة ومستمرة" وأن تلك المشكلات يجب معالجتها بشكل عاجل.

بينما كان استقراء العناوين الإخبارية، في سبتمبر، لبيان وزارة الخارجية على أنه "مخاوف" أمريكية يمكن أن يوصف من قِبل البعض بأنه مبالغة في وصف المشكلة، إلا أنه من الواضح أن بياني وكالة الطاقة الذرية ووزارة الخارجية قد أشارا إلى أن الوضع في العراق قد يثير القلق. هل بالغ البيانان؟ بل سيكون من غير المسؤول عدم القلق من أي موقف تقع فيه مواد نووية أو إشعاعية في يد أفراد أو مجموعات يحتمل أن تستخدمها لأهداف إجرامية. إلا أننا يجب أن ندرك ما هو أبعد من تلك البيانات وأن نحدد المخاطر التي تمثلها المواد التي يحتمل أن تكون تحت سيطرة داعش حتى نعرف لأي مدى يتوجب القلق.

وفقًا للتقرير الصحفي للوكالة، وُصفت المواد المبلغ عنها بأنها "مواد نووية"، لكن هذا الوصف لا يعني أنها كافية لإنتاج سلاح نووي. بل في الواقع، يشير وصف الوكالة للمواد بأنها "منخفضة النوعية" إلى اعتقاد الوكالة بأن المواد ليست مخصبة بدرجة كافية لتستخدم في إنتاج قنبلة نووية. ورغم أن الوكالة لم تقدّم وصفًا تقنيًا للمواد النووية، فمن غير المرجح للغاية أن تكون المواد أي شيء آخر غير يورانيوم منخفض التخصيب أو ربما يورانيوم خام أو منضب، جميع الاحتمالات السابقة ينطبق عليها وصف الوكالة. فإن لم تكن المواد مفيدة في جهاز إنتاج، فهل تمثل خطرًا إشعاعيًا؟ جميع صور اليورانيوم مشعة إلى درجة ما، لكن مستوي الإشعاع منخفض للغاية لدرجة أن تلك المواد لن تمثل تهديدًا إشعاعيًا خطيرًا على الأرواح أو الممتلكات إذا تم استخدامها في تصنيع المتفجرات.

ليس هناك تقارير مفتوحة المصدر حول فقدان السيطرة على مواد إشعاعية أخرى غير المذكورة في التقرير العراقي للأمم المتحدة. إلا أن غياب التقارير لا يعني بالضرورة السيطرة على مادة إشعاعية موجودة في المناطق التي تسيطر عليها داعش. سيكون من المنطقي افتراض أن جميع المواد في تلك المناطق خاضعة لسيطرة داعش في حال اختيارها لاستخدام أي مواد مشعة يمكن العثور عليها لأهداف إجرامية. ولكن كيف نعرف أي المواد يمكن أن تكون في خطر؟ فلنأمل أن هيئة تنظيم المصادر المشعة العراقية لديها أو كان لديها سجلًا للمصادر الإشعاعية في العراق. إن كان الوضع كذلك فيجب على السلطات العراقية أن تعرف تفصيلاً المواد الواقعة في المناطق التي تسيطر عليها داعش. أما الهيئة التنظيمية السورية فربما كان يتوافر لديها سجل مشابه في السابق، والذي سيحدد ما قد يكون خارج السيطرة الآن في المناطق التي تسيطر عليها داعش. لسوء الحظ، ليس هناك تقارير مفتوحة المصدر عن أي من هذه المواد، لذا فنحن متروكون لنخمّن طبيعة المواد وعواقب محاولة استخدام تلك المواد في أنشطة إجرامية.

من غير المؤكد أن تكون المصادر المشعة في المناطق التي تسيطر عليها داعش كبيرة. فالمواد الأخطر على الأرجح هي المستخدمة لأغراض طبية. وتوجد تلك المصادر في المستشفيات والعيادات لعلاج السرطان أو لتشعيع الدم وعادة ما يستخدم السيزيوم 137 أو كوبالت 60، وكلاهما يمتاز بطول عمره (حوالي 30 عاماً و5 أعوام على التوالي) لإنتاج أشعة جاما نشطة. ويحتمل أيضًا أن كاميرات التصوير الإشعاعي التي تحتوي على عنصر الايريديوم 192 ومصادر حفر الآبار التي تستخدم عادة العنصر سيزيوم 137، وكذلك مصدر نيترون البريليوم أمريسيوم، أن توجد في المناطق التي تسيطر عليها داعش. سيرى أي خبير تقني أن تلك المصادر قادرة على إحداث الوفاة وأن نشر تلك المواد سوف يخلق مشكلة تنظيف آثارها وربما خسارة اقتصادية كبيرة. إلا أن الخبراء يتفقون بشكل تام تقريبًا على أن تلك المواد لا تصنع أسلحة دمار شامل، لكنها مصادر محتملة للارتباك ولإثارة الذعر والخوف بين الناس. علاوة على ذلك فإن السيناريوهات التي تشكل أكبر المخاطر على الولايات المتحدة وأوروبا بسبب تلك المواد يصعب على داعش تنظيمها وتنفيذها.

إن حاولت داعش استخدام تلك المواد في جهاز تشتيت إشعاعي، فسوف تحتاج لنقل المواد إلى المنطقة المستهدفة (أي الولايات المتحدة أو أوروبا على سبيل المثال)، بحيث لا يتم كشف عناصرها وبطريقة آمنة للأفراد الذين ينقلون المواد. رغم أنه في بعض مراحل الشحن لن تكون هناك حاجة لمرافقة المواد، إلا أنه في مرحلة ما سيحتاج المنفذون للتعامل معها. حتى وإن كان المنفذون انتحاريون، ستكون الحماية مطلوبة لمنع كشف الإشعاعات النشطة التي ستكون موجودة حتى في جهاز نشر إشعاعات ضعيف. كذلك ستكون الحماية المطلوبة لتلك الكميات الخطيرة للغاية من هذه المواد صعبة وضخمة وبالتالي لا يمكن نقل المواد المحمية بسهولة وببساطة عبر حمل شخص لها أو نقلها في الحقائب. سيحتاجون على الأرجح لنقلها كحمولة داخل أو على وسيلة نقل ما (سيارة، أتوبيس، سفينة، أو طائرة). يمكن استخدام طرق النقل البري للوصول إلى أوروبا، لكن الوصول إلى الولايات المتحدة سيتطلب استخدام النقل البحري أو الجوي. لا تقدم هياكل الطائرات أي حماية أساسية لذا ستكون وسائل النقل المنطقية (ولكن ليست الوحيدة) إلى الولايات المتحدة أو أوروبا هي السفنن ربما من أحد الموانيء السورية. رغم أن داعش تسيطر على منطقة برية واسعة، إلا أن الأعمال اللوجيستية لشحن غرض ما عالي الإشعاعية إلى الولايات المتحدة أو أوروبا سيكون عملية معقدة وسيحتاج للتغلب على أنظمة الكشف القوية التي بدأ استخدامها بعد أحداث 11 سبتمبر. ورغم أن تلك الأنظمة ربما ليست فعالة بنسبة 100 بالمئة في التعامل مع جميع أنواع وكميات المواد المشعة، إلا أنها عادة ما يعرف عنها فعاليتها الشديدة في اكتشاف المصادر عالية المستوى الإشعاعي.

يصعب بشدة استخدام أي مواد من المناطق التي تسيطر عليها داعش داخل الولايات المتحدة أو أوروبا. ويحتمل جدًا أن أنظمة كشف الإشعاع الحالية ستكون فعالة في ردع أي محاولات مشابهة حتى وإن لم يتوافر الذكاء البشري الكافي لكشف تلك المحاولات. وحتى إن استطاعت داعش استخدام المواد في تنفيذ هجوم للنشر الإشعاعي، فإن قدرة التدمير الفعلية التي قد تسببها تلك الأنواع من الهجمات صغيرة نسبيًا عند مقارنتها بالتكتيكات الإرهابية الأكثر بساطة التي تستخدم عادة، مثل الأحزمة الناسفة والعربات المفخخة. نظريًا ستكون الخسائر التي ستنتج عن أي جهاز نشر إشعاعي غالبًا أقل من تلك الناجمة عن حادث مروري خطير، وفق أقصى التقديرات. بالفعل يشير عدة خبراء إلى أن معظم الإصابات الخطيرة، إن لم تكن كلها، الناتجة عن "قنبلة النفايات الإشعاعية" سوف تحدث نتيجة الآثار الانفجارية للقنبلة، وليس انتشار المواد الإشعاعية. العاقبة الأكبر لانتشار فعال للمواد هي مشكلة تنظيفها وكذلك التأثير الاقتصادي الذي تحدده المساحة الملوثة ودرجة التنظيف التي سوف تحتاجها. 

يبدو أن الجهود التي تبذلها الولايات المتحدة للعمل مع الحكومة العراقية الحالية لتحسين وسائل كشف المواد النووية والمشعة والسيطرة عليها هي جهود صائبة لإضعاف أي تهديد محتمل من تلك المواد في مناطق سيطرة داعش. وحتى تاريخ كتابة هذه السطور، لم تهدد داعش باستخدام مواد مشعة. ولكن ذلك لا يعني أن داعش لا تضع تلك الاحتمالية في اعتبارها، ويجب أن نكون مستعدين في حالة استخدام داعش لوسائل الاتصال الاجتماعي الفعالة بشكل مدهش لديها لتهويل أي تهديدات إشعاعية مستقبلية. يجب أن تحدث مناقشة عقلانية للعواقب وردود الأفعال المحتملة للهجوم قبل التهديد الفعلي من قبل داعش.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب