أزمة روسيا: الداعشية المتزايدة

مقال رأي

مع انهيار أسعار البترول، وعقوبات اقتصادية، وصراع مستمر في أوكرانيا، و"روبل" يزداد ضعفاً، فالحكومة الروسية لديها الكثير لتقلق بشأنه.

والآن تنضم "داعش" لقائمة مصادر القلق. فقد أصدرت "الدولة الإسلامية بالعراق والشام" مقاطع فيديو تحوي تهديدات بتحرير الشيشان ومنطقة شمال القوقاز الأوسع، وأطلقت روسيا حرباً إلكترونية على المجموعة.

"سنحرر.. الشيشان والقوقاز بإذن الله. الدولة الإسلامية باقية"، هكذا قال المحارب الداعشي في الفيديو الأول، الصادر في 31 أغسطس.

قالت تانيا لوكشينا، مديرة البرنامج الروسي بـ "هيومان رايتس واتش"، إن هنالك "تجنيد داعشي يحدث بالفعل" في روسيا.

وقالت للجزيرة: "أصبحت داعش، يمكنني القول، ذات شعبية متزايدة في شمال القوقاز، في وضع حيث يأس الناس من الحكومة العلمانية".

بعد حربين بين الحكومة الروسية والمتمردين الشيشانيين - 1994-96 و 1999-2009 - ما زالت التوترات في شمال القوقاز مستمرة، ولكن بدرجة أقل كثيراً بسبب استثمار الحكومة الفيدرالية الضخم في القطاع، وجهودها للحفاظ على أشخاص موالين في مواقع السلطة، مثل الرئيس الشيشاني رمضان قديروف.

قدّرت لوكشينا أن حوالي 700 شخص من شمال القوقاز يقاتلون حالياً مع داعش في العراق وسوريا. هناك تقديرات أخرى أعلى.

بحسب تقرير من "صوفان جروب"، وهو مركز أبحاث يتخصص في المشاكل الأمنية، هناك ما يقرب من 2500 شياشني ومن شمال القوقاز يقاتلون مع داعش ومجموعات متطرفة أخرى في سوريا والعراق.

الانضمام إلى "الخلافة"

في 1 ديسمبر، منعت "روسكومنادزور" - الجهاز الفيدرالي الروسي لمراقبة الاتصالات، تكنولوجيا المعلومات، ووسائل الإعلام الجماهيرية، الاتصال بموقع استضافة الفيديو "Vimeo.com" ﻷنه استضاف عدة مقاطع من الفيلم الذي انتجته داعش "نيران الحرب"، وأعادت الاتصال مرة أخرى بعدما حذفت "فيميو" المقاطع.

 ولكن بعض حملات داعش الدعائية والتجنيدية يمكن إيجادها بسهولة على أشهر شبكة تواصل اجتماعي بروسيا، "VK.com". ﻷن أي أحد يستطيع رفع مقاطع الفيديو أو أي محتوى آخر مباشرة على الموقع، يمكن الوصول لها ونشرها بسهولة حتى بعد حظرها على يوتيوب والمصادر الخارجية الأخرى.

تملك أحد الصفحات على "VK.com"، اسمها "جهاد بويتري"، والتي تنشر أشعاراً باللغة الروسية تعظم الجهاد والمقاتلين الإسلاميين، أكثر من 1000 متابع كمثال.

"حاول أحد الإخوة الذهاب إلى الخلافة [المناطق التي تسيطر عليها داعش]، لكنه أوقف في الطريق وجلب إلى الشرطة حيث ضرب"، تقول أحد المشاركات على صفحة "جهاد بويتري" بتاريخ 29 نوفمبر. "وهو يحتاج إلى المال للعلاج".

حمل رقم الهاتف المذكور في المنشور كود منطقة الشيشان، لكن لا يمكن التأكد إذا ما كانت حيلة - كان الرقم "غير متاح حالياً" عند الاتصال به في 3 ديسمبر.

بعض الشيشانيين هم الآن بالفعل قيادات كبيرة ومعروفة بداعش.

الأبرز على الإطلاق هو أبو عمر الشيشاني، الذي يقال إنه قاد معركة التنظيم في كوباني، المدينة ذات الأغلبية الكردية على الحدود السورية-الكردية والتي كانت ﻷسابيع محور تركيز الإعلام ومركز الضربات الجوية للتحالف ذو القيادة الأمريكية ضد التنظيم.

"زادت جذور الشيشاني الشياشنية [والدته شياشنية العرق] ومنصبه القيادي في التنظيم من مقام الانضمام لصفوف الخلافة في نظر المجندين من شمال القوقاز"، يقول تقرير "صوفان جروب".

"مع قدوم أغلب هؤلاء المجندين الآن من أراضي روسية، تمثل الدولة الإسلامية خطراً مباشراً محتملاً على روسيا".

في بدايات نوفمبر، نشر قديروف صورة على موقع إنستجرام لرجل ميت يشبه الشيشاني.

أضاف الرئيس الشيشاني، المستخدم النهم لبرنامج نشر الصور ذاك، في التعليق على الصورة أن أمراً مماثلاً سيحدث لكل من يجرؤ على تهديد روسيا والشعب الشيشاني. ولكن اتضح أن الصورة عمرها عام على الأقل، وتم مسحها بعد وقت قصير.

تذكرة بلا عودة

مثل الدول الغربية، تعتبر روسيا أن تطرف مواطنيها في الشرق الأوسط تهديداً محتملاً ﻷراضيها، بالأخص عند عودتهم إذا عادوا. ولكن البعض يقلل من جدية هذا التهديد.

"لقد انضموا لداعش ولا توجد طريقة أمامهم للعودة" تقول لوكشينا. "إنه أمر غير معقول على الإطلاق. القوات الخاصة الروسية تراقب بالأخص الأشخاص من شمال القوقاز الذين يسافرون إلى مصر وتركيا بالقرب من الحدود السورية".

صدرت شكوك شبيهة عن ريتشارد باريت، نائب رئيس صوفان جروب، الذي قال إن العديد من الشيشانيين يرون مستقبلهم في "داعش" وليس في وطنهم..

يرى باريت أن المفارقة هي أن مجرد وجود "داعش" يمكن أن يبعد خطر التطرف الإسلامي بعيداً عن شمال القوقاز.

"في الواقع، يمكن أن يجعل هذا الأمور أفضل" لروسيا، قال باريت، "ﻷنه قد يجعل المتطرفين العنيفين يرحلون إلى سوريا والعراق بدلاً من البقاء في شمال القوقاز".

"هم مازالوا مهتمين بالقوقاز، ومازالوا يتمنون رؤية داعش في القوقاز" قال باريت، الذي عمل أيضاً في مواجهة الإرهاب بالأمم المتحدة.

"واقعياً، لن يحدث ذلك. وبالتالي أظن أن الأكثر احتمالاً هو أن التهديدات للرئيس [فلاديمير] بوتين والآخرين هي للدعاية أكثر منها حقيقية".

يبدو أن الإحصائيات تدعم وجهة نظر باريت. حسب كلام لوكشينا، فقد انخفض عدد ضحايا المواجهات بين المقاتلين الشيشانيين وقوات الأمن الروسية هذا العام. اثنا عشر شخصاً قُتلوا و30 أصيبوا في ربيع 2014، حسب تقرير نشرته منظمة حقوق الإنسان الروسية "ميموريال"، مقارنة بـ 27 قتيل و87 مصاب في ربيع 2013.

تهديد مشترك

رغم ذلك، فمازال الوضع في الشيشان محتقناً. ثلاثة رجال شرطة على الأقل قتلوا من قِبَل المقاتلين في جرونزي العاصمة الشيشانية الأسبوع الماضي، بالإضافة إلى العديد من المصابين.

بالرغم من أن الأزمة في أوكرانيا وضم روسيا للقرم قد صعدا التوتر بين روسيا والغرب، إلا أنهما مازالا يملكان عدواً مشتركاً في داعش. حسب آخر التقديرات الاستخباراتية الأمريكية، هنالك 16000 مقاتل أجنبي على الأقل في العراق وسوريا، يتضمنون 2700 من الغرب.

لكن يختلف روسيا والغرب حول كيفية التعامل مع مجموعات مثل داعش.

تقول روسيا، الحليفة للرئيس السوري بشار الأسد، إنه يجب ضم الحكومة السورية إلى التحالف ضد داعش، لكن الغرب مستمر في النظر إلى نظام الأسد كنظام غير شرعي، ويرفض التعاون معه.

"روسيا ترى أن أمريكا ترتكب خطأ كبيراً برفضها التعاون مع الحكومة السورية"، تقول إلينا سابونينا من المعهد الروسي للدراسات الاستراتيجية.

"إذا كان هناك تنسيق للجهود مع الحكومة الروسية، وذلك يعني إقامة الحوار بين المعارضة والحكومة، فمثل هذا التعاون سيجعل محاربة المتطرفين أسهل".

من جانبه، يرى باريت أن ستراتيجية أكثر فاعلية تكمن في تقليب المجتمعات العربية السُنيّة ضد داعش. في العراق، عانى الكثير من السُنيين تحت الحكومة ذات القيادة الشيعية التي حكمت العراق من الغزو الأمريكي في 2003، بعضهم رحب بقدوم داعش كنتجية لذلك.

"لن تحل المشكلة حتى تحل مشاكل الحكم"، قال باريت. "وهذا يعني.. القتال في العراق وسوريا ليس الحل. الحل توفير سلطة أكثر، بالأخص للقبائل السُنيّة التي [في الوقت الحالي] تدعم داعش".

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب