أزمة وشيكة في المياه اليمنية

مقال رأي

الخلاصة

يُساء استخدام المصطلح "نقص المياه" في الكثير مما يقال حول الأزمات المائية. كثيراً ما يُصبح الحصول على المياه أصعب أو أكثر تكلفة؛ فما تزال المياه متوافرة في معظم الدول، لكن بعض الدول قارب نصيبها من المياه على النفاذ بالفعل، واليمن إحدى هذه الدول.

تستطيع حكومة مركزية قوية أن توجد حلولاً وأن تتأقلم من أجل إبطاء استنفاذ الموارد. لكن لأن حكومة اليمن المركزية الضعيفة لا تستطيع ضمان الاستقرار الداخلي، يبدو أن اليمن لن تتحلى بالقدرة اللازمة لحل أو حتى للتخفيف من آثار مشكلات نقص المياه الخاصة بها على المدى القصير، إذ يتنبأ رواد علماء الموارد المائية أن مياه اليمن ستنفذ خلال العقد الحالي. وبينما هناك دول عديدة تستنفذ مياها أكثر من المتاح لها، إلا أن أوضاعهم تظل أقل خطورة من اليمن. ويمكن لصنعاء أن تمثل مؤشراً لتقييم دول أخرى في المنطقة حيث يصبح من الحيوي مراقبة التغيرات في سياسات إدارة الموارد المائية.

تحليل

خلال العصور القديمة وحتى في العصر الحديث، كانت اليمن نموذجاً مثالياً لهندسة المياه. وهو ما يُثبته سد مأرب العظيم، أحد العجائب الهندسية للعالم القديم، كذلك استخدمت الشعوب اليمنية تاريخياً تقنيات متقدمة للري وإدارة المياه بشكل فعال. على خلاف جيرانها الإقليميين، فإن مصادر المياه اليمنية جميعها داخلية؛ فصنعاء لا تعتمد على أي من جيرانها للحصول على المياه.

أزمة المياه اليمنية

ولكن هنا تنتهي الأنباء السعيدة. فاليمن تتعرض حالياً لندرة شديدة في المياه، ما يعني أقل من 500 متر مكعب من المياه للفرد سنوياً. ويعيش الشعب اليمني حالياً على 88 متر مكعب من المياه للفرد سنوياً. لقد كانت الموارد دائماً سخية في تلك المنطقة، ولكن منذ النصف الثاني من القرن العشرين بدأ النمو السكاني ومعه تغير الاستخدامات، ما أدّي إلى نقص حاد في الموارد المائية المتاحة. فمنذ بداية السبعينات، تطلب التوسع الزراعي المزيد من المياه الجوفية للري. وعندما بدأت البلاد في إنتاج النفط في الثمانينيات، خلق الدخل المتزايد اقتصاداً نقدياً، والذي أدّى لزيادة استخدام القات، وهو مخدر شعبي. وأُستغِلَّت الموارد المائية اليمنية الهزيلة بشدة نتيجة الزيادة السكانية السنوية التي وصلت إلى 3 بالمئة تقريباً عام 2001 قبل أن تهبط قليلاً لتصل إلى معدل الزيادة الحالي 2.3 بالمئة. ورغم إدراك الأزمة الملوحة منذ الثمانينات، إلا أن اليمن استمرّت في ممارسات غير قابلة للاستمرار لإدارة المياه.

تمثل المياه الجوفيه - وهي كميات من المياه توجد تحت الأرض في مستودعات المياه الجوفية- حوالي 70 بالمئة من إمدادات اليمن المائية، وهي تُمثّل الكثير من الموارد المائية المتجددة المتوفرة للبلاد والتي تبلغ 2.1 مليار متر مكعب سنوياً. إلا أن اليمن تستنفذ سنوياً حوالي 3.4 مليار متر مكعب من المياه، وهو ما يؤدّي إلى عجز كبير في مستوى المياه الجوفية. وعند وضع عوامل أخرى في الاعتبار مثل مشكلات الاختلاط بالمياه المالحة والتلوث، يقدر الخبراء أن أجزاءً كبيرة من اليمن، ومنها العاصمة صنعاء، سوف تستنفذ مياهها بالفعل خلال العقد القادم إن لم يتم حل المشكلة.

تظل المياه الجوفية المصدر الأهم لليمن من المياه وتُملأ عبر التدفقات السطحية غير المنتظمة للوديان - وهي المجاري المائية الجافة التي تملأها فترات السقوط الكثيف للأمطار. تتوزع موارد المياه الجوفية في أنحاء البلاد، وتتعرض أغلبية مستودعات المياه الجوفية للاستخدام المفرط. واليمن حالياً منقسمة بين مجموعة من المجموعات المسلحة والمياه مورد رئيسي يجب السيطرة عليه للتأثير على الحكومة المركزية. وبسبب الاستخدام المفرط لمعظم الآبار، لم تؤد الموارد الجديدة الخاصة بمليشيات الحوثيين - بعد مكاسبهم الإقليمية الجديدة - إلى تحسن التوازن في استخدام الموارد المائية. فمقاتلو الحركة الجنوبية الانفصالية يتحكمون في قطاعات من الأراضي بطول الساحل الجنوبي، حيث لا تتعرض الآبار للاستخدام المفرط بشكل كلي. إلا أن العديد من تلك الآبار تتعرض للاختلاط بالمياه المالحة، والتي أدّت لانخفاض جودة المياه المتوفرة. ويقع الكثير من مجمع المكلا الكبير للمياه الجوفية في حضرموت، حيث يتواجد تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية بشكل قوي. ونظرياً فإن هذا المستودع للمياه الجوفية مستخدم بشكل مفرط، ولكن تقديرات احتياطاته الهائلة تجعله مصدراً محتملاً للمياه غير المتجددة عندما تنفذ الموارد الأخرى. وهو ما قد يزود المجموعة المسلحة ببعض الامتيازات في المستقبل، رغم أن نقل المياه إلى مناطق مكتظة بالسكان سيكون مكلفاً بشدة.

العواقب الاقتصادية

تتركز الكثير من أراضي اليمن الصالحة للزراعة في مناطق الهضاب على طول سهول الجبال، حيث يكثر هطول الأمطار بشدة. ويتركز كذلك الكثير من السكان في هذه المنطقة، وهو ما يُعد أحد أسباب استنفاذ المياه. فالمساحات الزراعية التي تتطلب الري تزايدت أكثر من 10 مرات خلال 35 عام منذ 1970 وأصبح استخدام المياه الجوفية في الزراعة مهماً بشكل متزايد. ويمثّل القطاع الزراعي في اليمن المستهلك الرئيسي للمياه، ويُقدّر بنسبة 90 بالمئة من الاستهلاك. ورغم أن العاملين به يُقدّرون بحوالي نصف السكان، إلا أنه يساهم بعشرة بالمئة فقط من إجمالي الناتج المحلي لليمن وتظل اليمن معتمدة بشدة على واردات الغذاء لدعم شعب سريع الزيادة السكانية. أحد الأسباب الرئيسية لاستخدام قطاع الزراعة المفرط للمياه هو القات، وهو أحد المحاصيل المخدرة النقدية كثيفة الاستهلاك للمياه، ويشغل القات حوالي 20 بالمئة من المساحة الزراعية المروية. وتقدر بعض الدارسات أن نصف الاستهلاك اليمني من المياه يستخدم في زراعة القات.

مع استمرار الزيادة السكانية اليمنية، سوف تزداد الحاجة المحلية للمياه. ومن أجل إشباع تلك الحاجة، سيتوجب الحصول على موارد إضافية من حصة قطاع آخر. وستستمر إمدادات المياه في التبدد بسبب البنية التحتية المهترئة ونظم الري غير الجيدة. ومع استمرار اليمن في مواجهة زيادة سكانية وسط اضطرابات سياسية واجتماعية، فإن التأثير الاقتصادي لفشل معالجة مشكلات المياه سيكون أكثر وضوحاً. ويُقدّر برنامج الأمم المتحدة للتنمية فقد 1.5 بالمئة تقريباً من إجمالي الناتج المحلي لليمن نتيجة استنزاف المياه الجوفية، وتفقد 2.4 بالمئة أخرى نتيجة فشل البلاد في معالجة مشكلات تنقية المياه.

كما تعيق مشكلات اليمن المتعلقة بالموارد المائية الإنتاج الصناعي، وتحديداً في قطاعات النفط والغاز الطبيعي. حيث تمثل الصناعة حوالي 2 بالمئة من استهلاك اليمن من المياه، ولكن المياه تمثل عنصراً حيوياً في عملية استخلاص الطاقة. إلا أن الإنتاج اليمني من النفط تعرّض للانخفاض منذ العام 2001، ليهبط إلى 133,000 برميل يومياً عام 2013 لأن الحقول نضبت والوضع الأمني تدهور. فبينما بدأ الإنتاج التجاري من الغاز الطبيعي عام 2009، ستحاول البلاد أن تكافح للحفاظ على صناعة المحروقات، والتي تعتمد عليها بشدة لدعم اقتصادها حيث تحقق ثلاثة أرباع الدخل الحكومي تقريباً.

حلول محتملة

بينما تستمر مشكلات المياه اليمنية في تهديد البلاد وعلى الأرجح ستستمر في التفاقم، ستتكلف التحسينات الضرورية 12.7 مليار دولار تقريباً. ويعتبر تطوير البنية التحتية من أهم التدابير التي يمكن تنفيذها لضمان وصول المياه للشعب المتزايد. ولأن الكثير من إمدادات المياه يأتي من باطن الأرض، فيجب على الحكومة أن تُحسن إدارتها وسيطرتها على عدد الآبار المحفورة. وستكون تلك مهمة ضخمة، في ضوء حقيقة أن أقل من 10 بالمئة من منصات الآبار المحفورة مرخصة وأقل من 2 بالمئة من الآبار مسجلة. ويجعل العدد الكلي للآبار غير القانونية وضعف سلطة الحكومة المركزية إدارة موارد المياه الجوفية مستحيلة.

وتمثل جهود الحفاظ على المياه وتطبيق وسائل بديلة لتوفير المياة الصالحة للشرب مثل تحلية المياه حلولاً قصيرة ومتوسطة المدى لأزمة المياه. لكن التكلفة تبعد تلك الاستراتيجيات عن حيز التنفيذ. فنظرياً، تستطيع دول مثل السعودية أن توفر تمويلاً لمشروعات تحلية المياة. وبينما سيوفّر ذلك المياه للمناطق الساحلة، سيتوجب ضخ تلك المياه المحلاة إلى المدن الداخلية مثل صنعاء عبر مسافة كبيرة، وهو ما سيكون مكلفاً للغاية وسيمثل هدفاً جذابأ لمن يريدون تهديد أمن اليمن.

قيود سياسية

في ضوء عدم استقرار اليمن تظل جميع تلك الحلول غير مرجحة. حيث يتطلب تطبيق سياسات إدارة مائية قوية وضمان صيانة مستمرة حكومة مركزية قوية ووضع أمني مستقر، ولا يتوافر كلاهما في صنعاء. فمع صعود مليشيات الحوثيين والاضطراب الحالي والضبابية السياسية في العاصمة، لن تستطيع إدارة الرئيس عبد ربه منصور أن تطبق أي من ذلك. بل في الواقع فإن الحكومة المركزية غير قادرة حالياً علي ممارسة سلطاتها على ما هو أبعد من العاصمة.

وتُمثّل المحاولة الأخيرة الفاشلة لخفض دعم الوقود أحد الأمثلة الأكثر وضوحاً على ضعف الحكومة. فقد ساعدت تلك المبادرة في إشعال انتفاضة لقبيلة الحوثيين كادت تصل إلى الإطاحة بالحكومة الهشة. إلا أنه لو تم تنفيذها لكان لها تأثير كبير علي حل أزمة المياة؛ فمضخات الوقود تُستخدم بشكل واسع عند استخلاص المياة الجوفية. وسيؤدي خفض الدعم الحكومي إلى التقليل من استخراج المياه بشكل غير مرخص. لكن لأن صنعاء تم إجبارها على التراجع عن خفض الدعم بعد الانتفاضة الحوثية - بالإضافة إلى مطالبات مشابهة من فصائل أخرى - تم استبعاد أي خفض محتمل لاستخدام المياه الجوفية.

من غير المرجح أن يتغير الوضع السياسي اليمني في المستقبل القريب، وستستمر المشكلات الأمنية في إزعاج البلاد. وبالتالي فإن عبء التغيير سيهبط إلى وحدات الحكم المحلي الفاسدة عادة، وغير الكفؤه وضعيفة التمويل. دون القدرة على تنفيذ وسائل إدارة الموارد المائية الضرورية، ستظل أزمة المياة اليمنية علي الأرجح في وضع خطر، وستساهم في احتمالية حدوث المزيد من الاضطراب وستضيف المزيد من الضغط على السعودية لاحتواء جارتها الجنوبية.

دول أخرى في خطر

جدير بالذكر أن دول أخرى في المنطقة تشارك اليمن أزمتها. فالأردن، ومصر، وبعض أجزاء الأراضي الفلسطينية جميعها تستنفذ سنوياً نفس القدر المتاح بشكل متجدد أو أكثر. وستواجه مصر بعض الضبابية بخصوص توافر إمدادات المياه من النيل، خصوصاً مع تقدم بناء السد الأثيوبي الكبير. وعلى الناحية الأخرى، فإن الأردن على الأغلب ستضطر للاعتماد على مساعدة إسرائيل لتوفير مصادر بديلة ضرورية. وكذلك ستواجه الأراضي الفلسطينية تحدي مشاركة الموارد المائية مع جار عدائي في إسرائيل.

مستقبلاً سيعيق عدم الاستقرار الممتد في تلك الدول قدرة حكوماتها على تطبيق أي نوع من استراتيجيات إدارة المياه. ايضا الحكومات الضعيفة ذات السيطرة القليلة على بلادها سوف تواجه تأثيرات مشابهة. وسيكون للفشل في تطبيق ممارسات لمواجهة أزمة المياه على المدى القريب عواقب على المدى البعيد بالنسبة لتوافر المياه. اليمن هي الحالة الأولى، ولكنها ستظل مثالاً أمام الدول الأخرى في المنطقة التي تعاني من ضغوط مشابهة لتجنب نفس المصير.

 

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب