أسعار النفط المنخفضة لن تحوّل المنتجين إلى لقمة سائغة

مقال رأي

لقد ولّد الانخفاض الحاد في أسعار النفط، خلال النصف الثاني من 2014، تعليقات كثيرة حول كيف أضعف هذا التطور الدول الرئيسية المنتجة للنفط، ومن المفترض أنه قد جعل حكوماتهم أكثر لينًا حول القضايا التي تفصل بينها وبين الدول الأخرى. ينبع هذا التعليق جزئيًا من ميل وسائل الإعلام والمعلقين إلى الإفراط في تحليل أي تطور كبير وتقسيم الأمر إلى فائزين وخاسرين. وفي الحالة الراهنة فإنه يعكس أيضًا كيف لاحظ الناس بسعادة أن العديد من المنتجين الكبار، الذين كانت إيراداتهم الأكثر تضررًا من تراجع السعر، هم دول عادة ما تعتبر خصومًا للولايات المتحدة، ومن ضمنهم فنزويلا وروسيا وإيران. يلاحظ إدوارد لوتواك أن انخفاض السعر "قوّض المعارضين الرئيسيين لأميركا دونما حتى محاولة منها".

يعكس التعليق أيضًا الاعتقاد الذي يظهر كلما وُضعت آمال مماثلة على عواقب الألم الاقتصادي لشخص آخر، عندما يفرض السوق هذا الألم بدلًا من العقوبات. ذلك الاعتقاد يعني أن ثمة علاقة موثوقة وإيجابية بين التأزم الاقتصادي في البلد الآخر واستعداد حكومته لتقديم تنازلات دبلوماسية.

هذا اعتقاد خاطيء، بغض النظر عن ما إذا كانت الأسواق أم العقوبات هي من تسبب في الضرر الاقتصادي والمالي. هو خاطيء لأن الصلة المفترضة بين التأزم الاقتصادي لبلد ما والمرونة الدبلوماسية لنظامه تقدم فقط نصف حسابات ذلك النظام. النصف الآخر يشمل ما إذا كان، وبأي قدر، يعتقد ذلك النظام أنه يستطيع تحسين الوضع الاقتصادي من خلال تقديم تنازلات لخصومه. إذا لم ير احتمالًا للتحسين، فإنه لا يوجد لديه حافز للتنازل.

تلك النقطة تصبح أكثر وضوحًا عندما، كما هو الحال مع الانخفاض الأخير في أسعار النفط، يكون السوق هو الذي يسبب الألم الاقتصادي. الأسواق ليس لها آلية للحد من الألم عندما يغير شخص ما موقفه التفاوضي أو الدبلوماسي. إذا دفع انخفاض أسعار النفط حقًا قيادة روسيا لأن تكون أكثر استعدادًا لتقديم تنازلات بشأن النزاع في شرق أوكرانيا، ماذا يفترض أن يحدث بخصوص الأسعار والألم إذا تم إجراء مثل هذه التنازلات؟ هل سيكون مالك السيارة في الغرب سعيدًا جدًا بسبب هذا التطور لدرجة أنه سيبدأ بالقيادة أكثر، وبالتالي حرق المزيد من الوقود، مما يرفع أسعار النفط الخام الاحتياطي مرة أخرى، ويصلح الأضرار التي لحقت بالمالية الروسية؟

الافتراض الأبعد، وعادة الضمني، الكامن وراء المعتقدات الخاطئة حول التأزم الاقتصادي الناجم عن السوق الذي يؤدي إلى المرونة الدبلوماسية في حالات مثل روسيا أو إيران، هو أن الأثر التراكمي لكل من العقوبات وانخفاض الأسعار سيدفعان النظام إلى ما بعد النقطة الحرجة، بعدها فإنه سيتوقف عن المقاومة. فكرة وجود نقطة حرجة تشكل أساس تفكير آخر لدى السياسة الخارجية الأمريكية، والذي انطوى ليس على التأزم الاقتصادي فحسب، بل أيضًا على إلحاق الألم الحقيقي من خلال الوسائل الحركية. كانت هذه الفكرة الأساس لعملية "هزيم الرعد"، حيث مددت حكومة الرئيس ليندون جونسون ضرب فيتنام الشمالية وصعدته في الستينيات. الفكرة هي أقرب إلى مغالطة المقامر الذي يظن بأنه من خلال الاستمرار واللعب لفترة أطول قليلًا فإن نتائجه ستتغير إلى الأفضل.

يوضح مثال حرب فيتنام جزءًا آخر من المنطق المرتبط بمثل هذه الحالات وهو أساسي ولكن يتم تجاهله عادة عندما يضع الناس الآمال على العواقب المنتظرة من ألم شخص آخر. هذا الجزء يتعلق بالأهمية التي يضعها الطرف الآخر للمسائل التي على المحك. الأنظمة والدول ستتحمل قدرًا كبيرًا من الألم نيابة عن القضايا التي تعتبر مهمة جدًا بالنسبة لهم. وعلاوة على ذلك، في مثل هذه العلاقات المساومة يعمل ذلك المنطق في كلا الاتجاهين، وتكون الأهمية النسبية إلينا وإلى الرجل الآخر حول القضايا المطروحة بالغة الأهمية أيضًا. إذا كان من المنطقي بالنسبة لنا أن نفكر في وجود نقطة حرجة للجانب الآخر، فإن ذلك يجعل من المنطقي تمامًا للجانب الآخر أيضًا التفكير في النقطة الحرجة لدينا، حتى لو كانت تلك النقطة لا تظهر في شكل شدة الألم في أي لحظة معينة ولكن بدلًا من ذلك في نفاد الصبر ومدة التأزم.

وحتى لو كانت فكرة وجود نقطة حرجة صالحة، فنحن كأميركيين غير مؤهلين لتحديد أي نقطة من هذا القبيل لدى الآخرين، بما في ذلك الخصوم موضع المناقشة. قال وزير الخارجية الروسي، سيرجي لافروف، في إشارة إلى انخفاض أسعار النفط، "لقد كنا في حالات أسوأ بكثير في تاريخنا، وفي كل مرة كنا نخرج من هذه الأزمات أقوى من قبل بكثير. وهو ما سيحدث هذه المرة أيضًا". هو على حق بخصوص التاريخ الروسي، والذي شمل، من بين المحن الأخرى، المعركة المكلفة بشكل لا يصدق ضد النازيين في الحرب العالمية الثانية. أيضًا كان لدى الإيرانيين المحن الخاصة بهم، من أبرزها وأكثرها تكلفة للقادة الإيرانيين الحاليين حرب الثماني سنوات التي أطلقها العراق في عهد صدام حسين ضد بلدهم.

الأمل الزائف نفسه المعلق على انخفاض أسعار النفط وتأثيره المفترض في إضعاف مواقف الخصوم قد يكون له تأثير ضار وهو تثبيط المرونة التي ستكون لازمة من جانب الولايات المتحدة لحل قضايا مهمة لم تحل بعد. هذه المرونة، وليس مجرد الندم والتنازل من فلاديمير بوتين، ستكون مطلوبة حتى لحل جزئي للأزمة التي طال أمدها في أوكرانيا. إحتمال أكبر للضرر يتعلق بالمفاوضات النووية مع إيران. الأمل في طهران أكثر ألمًا و، كالمفترض، أكثر لينًا كنتيجة لانخفاض عائدات النفط ربما يكون ترسيخًا أكثر لفكرة أن إيران يجب أن تقدم كل التنازلات المتبقية للتوصل الى اتفاق. هذه الفكرة، إذا ما استمرت، من المحتمل أن تعني فشل المفاوضات وضياع فرصة ذهبية لحل القضية والتأكد أن برنامج إيران النووي سيبقى سلميًا.  

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب