أولويات ملكية سعودية

مقال رأي

تم الإعلان عن موازنة المملكة العربية السعودية في وقت متأخر من شهر ديسمبر، وبقي الإنفاق الداخلي والخارجي مرتفعاً حتى مع انخفاض عائدات النفط، وهو ما يعكس قلق العائلة المالكة من الاضطرابات الداخلية بعد أربع سنوات من الربيع العربي. الخيارات الصعبة مؤجلة في الوقت الراهن.

ويبلغ الإنفاق على المشاريع السعودية للعام المقبل 229 مليار دولار، في حين تبلغ الإيرادات 190 مليار دولار، وفقاً لجريدة "سعودي جازيت". ويبلغ العجز المتوقع 38,6 مليار دولار. وفي الواقع، سيرتفع الإنفاق قليلاً عن العام الماضي، في حين انخفضت الإيرادات نتيجة لانخفاض أسعار النفط. وسيكون هذا العجز هو الأكبر في تاريخ المملكة.

وقال وزير المالية، إبراهيم العساف، إن العجز سيتم تمويله من احتياطات المملكة، والتي تقدر بنحو 750 مليار دولار أو أكثر. وقد أذِن الملك عبد الله بن عبد العزيز بالفعل بالسحب من الاحتياطات للحفاظ على الإنفاق عالياً. وكان الملك قد وعد أيضاً باستمرار ضخ نحو 9,6 مليون برميل يومياً.

وفي أوقات سابقة من انخفاض الأسعار، كانت المملكة تخفّض الإنفاق. ففي عام 1998، على سبيل المثال، قال الملك عبد الله إنه على السعوديين تغيير نمط حياتهم لإدراك "أن زمن الوفرة قد ولى". وفي عام 2009، قلّص السعوديون عدد الوظائف الحكومية والمشاريع العامة. وكانت أسوأ أزمة قد حدثت في عقد الثمانينات ووقتها انخفض نصيب الفرد من الدخل القومي بنسبة 50 % تقريباً.

ولكن منذ بداية الربيع العربي في عام 2011، رفعت الأسرة المالكة في السعودية الإنفاق الحكومي بشكل كبير لدعم العاطلين عن العمل والطبقة المتوسطة ولتوفير السكن بأسعار معقولة. وارتفعت رواتب 2 مليون موظف في الحكومة بصورة مباشرة أو غير مباشرة. وزاد الانفاق على التعليم والرعاية الصحية. وقد سعى الملك لشراء أي معارض. حتى في المنطقة الشيعية الشرقية ارتفع الإنفاق على البرامج العامة.

ورفعت العائلة المالكة أيضاً النفقات العسكرية والأمنية. ففي مارس عام 2011، خلق عبد الله 60 ألف وظيفة أمنية لتعزيز الأمن في المنشآت الحكومية الرئيسية. وبقي الإنفاق على واردات الأسلحة عالياً. ومع مشاركة القوات الجوية الملكية السعودية في الضربات الجوية ضد الدولة الإسلامية ارتفعت تكاليف التشغيل.

ويعكس قرار الملك عبد الله بالإبقاء على الإنفاق في أعلى مستوى له على الإطلاق قناعة آل سعود بأن أكبر خطر يهدد بقائهم هو خطر داخلي ينبع من المواطنين الساخطين. ويشعر السعوديون بقلق أكبر بشأن الاضطرابات الداخلية أكثر من معظم المراقبين الخارجيين. وبالطبع فإن العائلة المالكة على معرفة بمزيد من الضغوط الداخلية أكثر من معظم الغرباء. في الوقت الذي يعاني فيه الملك عبد الله وولي عهده الأمير سلمان صحياً، فإن هذا الوقت ليس مناسباً لاضطراب اجتماعي أو لتجارب إصلاح سياسي محفوفة بالمخاطر. وعدم السماح للنساء بقيادة السيارات هو أحد الانعكاسات للعقلية المحافظة.

وقد ارتفعت أيضاً النفقات الخارجية السعودية منذ عام 2011. فالمملكة تساعد أصدقائها الملكيين في السلطة في البحرين والأردن بدعم حكومي كبير. كما أن النظام العسكري في مصر حليف مكلّف للغاية. وباكستان أيضاً مستفيد آخر من السخاء السعودي. أما اليمن فهي الأزمة الأكثر إلحاحاً، مع سيطرة الحوثيين على صنعاء، تواجه المملكة عدواً قديماً يسيطر الآن على حدودها الجنوبية الغربية. وبينما قطعت المملكة المساعدات عن الحكومة التي يسيطر عليها اليزيديون، فإن عليها زيادة الإنفاق على السنة لمقاومة الحوثيين. وقد تضطر لخوض حرب حدودية أخرى مع العدو الحوثي. وقد أخبرني مسئول سعودي كبير سراً إن المملكة أنفقت 30 مليار دولار في عام 2014 لدعم أصدقائها. دون حساب تكاليف الحرب في سوريا والعراق حيث تمول الرياض الجماعات السنية الصديقة هناك.
ونظراً لحجم احتياطاتها فإن المملكة يمكن أن تتعامل مع عجز كبير أفضل كثيراً من خصمها الإيراني. لدى الرياض رفاهية الانتظار حتى ترتفع أسعار النفط مرة أخرى. فالأولوية في الوقت الراهن هي للحفاظ على الوضع الداخلي هادئاً وعلى المستبدين الآخرين في الخارج في السلطة.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب