إسرائيل والأردن: الثنائي الغريب بالشرق الأوسط

مقال رأي

في منطقة تعنونها النزاعات، وجدت إسرائيل والأردن نفسيهما في شراكة نادرة لحماية أمنهما ومصالحهما الاستراتيجية وأصبحتا أهم الشركاء الإقليميين في شرق أوسط دائم التقلب. ورغم أن أمن إسرائيل من مصلحة الأردن، إلا أن الأردن ليس لديها الثقل الدبلوماسي الكافي لتمارس دوراً قيادياً في محادثات السلام الإسرائيلية الفلسطينية، والتي تبنتها مصر سابقاً.

وفي محاولة للحفاظ علي استقرار العلاقة المتزايدة الأهمية، التقى وزير الخارجية الأمريكي جون كيري يوم الخميس برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وملك الأردن عبد الله الثاني في عمان عاصمة الأردن، لبحث سبل إخماد العنف الذي اتسعت دائرته مؤخرا في إسرائيل، بين اليهود والفلسطينيين. ورغم التقارب الجغرافي بين البلدين، إلا أن نتنياهو والملك عبد الله لم يلتقيا كثيراً بشكل شخصي.

أشارت الأردن، وهي دولة عربية معتدلة وحليف إسرائيلي قوي، لعدم رضاها عن الأفعال الإسرائيلية الأخيرة عبر سحب سفيرها الأسبوع الماضي، إثر خلافات بين اليهود والمسلمين حول موقع مقدس في مدينة القدس. الأردن مسؤولة عن الموقع وترعاه، حيث يتبع المسجد الأقصي وقبة الصخرة السلطات الأردنية، وفقاً لاتفاقية سلام وقعتها الأردن مع إسرائيل عام 1994.

وقد علّق نيري زيلبر، وهو باحث زائر بمعهد واشنطن، قائلا: "صدرت بعض التكهنات حول تضرر اتفاق السلام الأردني الإسرائيلي على خلفية سحب السفير، لكن في حال تصاعد الموقف أكثر من ذلك في القدس، سوف تتخذ الأردن وعدة دول عربية أخرى موقفاً أكثر قوة ضد إسرائيل".

انتمى ذلك الموقع من قبل للمعابد اليهودية، لكن إسرائيل لا تسمح حالياً لليهود بالصلاة هناك في محاولة لمنع الصدامات الدينية حول استخدام الموقع. وقد حفّز العنف مجموعة من الهجمات في أنحاء البلاد، على الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني، ما أدّى لإصابات خطيرة. ووجّه الفلسطينيون اللوم إلى المتطرفين اليهود، يوم الأربعاء، لإحراق مسجد في الضفة الغربية واتهموا اليهود بمحاولة السيطرة على المواقع الإسلامية المقدسة.

وصرح وزير الخارجية الأردني ناصر جودة، بعد لقاء الخميس، أن الأردن اتخذت خطوة سحب السفير حتى ترسل "إشارة واضحة للغاية" إلى إسرائيل مفادها أن أفعالها في الأماكن المقدسة "ليست مقبولة بالنسبة إلى الأردن". كما أضاف أن بلاده غير مستعدة لعودة السفير وسوف تنتظر لترى تطبيقا صحيحاً لإجراءات التهدئة، التي توافقت مع نتنياهو عليها.

تحاربت الأردن وإسرائيل لعقود، مع سيطرة إسرائيل بعد حرب الستة أيام عام 1967 على الضفة الغربية التي انتمت من قبل للأردن. حيث لم تكن العلاقات قبل توقيع اتفاقية السلام عام 1994 ذات طابع رسمي، ورغم العنف الظاهر إلا أن ملوك الأردن الهاشميين حافظوا علي علاقات قوية مع القادة اليهود عبر قنوات سرية.

ويقول آرون دايفيد ميلر، وهو مفاوض الولايات المتحدة السابق للشرق الأوسط ونائب رئيس مركز "ويلسون" حالياً، إن الاتفاق كان مبنياً على مصالح أساسية لكلا البلدين.

ويضيف ميلر: "على خلاف أية علاقة كوّنتها إسرائيل مع دول جوارها – لبنان، مصر، وبالتأكيد فلسطين، سوريا – كانت العلاقات الأردنية-الإسرائيلية هي الأكثر عملية والأكثر فعالية؛ "فمصر والأردن هما الدولتان العربيتان الوحيدتان اللتين كونتا علاقات طبيعية مع إسرائيل. ورغم ذلك فإن دولاً أخرى، في المنطقة، تتواصل مع الدولة اليهودية عبر "قنوات تعاون مخابراتية سرية أو غير سرية".

تتشارك إسرائيل والأردن حدودهما الأطول، وتعاونهما الأمني والاستخباراتي واسع. وتخدم الأردن إسرائيل عبر عزلها عن الدول الإسلامية المتشددة من جهة الشرق، بالإضافة إلى التهديد المتصاعد من تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا، حيث تشارك إسرائيل كلا الأردن وسوريا الحدود. ورغم عدم وجود قواعد عسكرية لأي من الدول الثلاثة علي أراضي الأخرين، إلا أنهم نسّقوا ضد جبهة النصرة حيث تتلاقى حدود الثلاثة.

ويقول ميلر: "هناك نوع من التزام الاسرائيلي غير المكتوب و غير المعلن تجاه الأردن، فإن حدثت مشكلات خطيرة في الأردن، وأشير هنا إلى تنظيم الدولة الإسلامية وامتداد العنف من سوريا، ستتخذ إسرائيل، في مرحلة ما، فعلاً لعون الأردن. فالأردن ثمينة جداً استراتيجياً بالنسبة لإسرائيل".

كما يضمن التقارب الجغرافي بين الدولتين أن الأردن سوف تحصل علي مساعدة عسكرية أمريكية؛ لأن استقرار الأردن يساهم في استقرار إسرائيل.

ويقول جابي شينمان، مدير السياسات في مركز السياسات اليهودية، أن معونة كلا البلدين "متداخلة للغاية".

كما أن البلدين متصلتين اقتصادياً، خصوصاً في الضفة الغربية. فالأردن ليس لديها بترول، لذا تعتمد بشدّة علي صادرات الغاز الإسرائيلية في توفير الطاقة. كذلك تضخ إسرائيل مليارات الجالونات من المياة العذبة إلى الأردن.

يدعم أقرب الحلفاء العرب لإسرائيل حل الدولتين بالنسبة للسلام الإسرائيلي الفلسطيني، فالأردن تشجع الطرفين بشكل معلن علي تحقيق ذلك الاتفاق. كذلك حافظت الأردن على علاقات تاريخية مع منظمة التحرير الفلسطينية بقيادة محمود عباس، والذي لديه مقر إقامة في الأردن ويقضي به وقتاً طويلاً. وتقدّم الأردن للاجئين الفلسطينيين الجنسية الأردنية، أي أن جزءاً كبيراً من المواطنين الأردنيين ذوي أصل فلسطيني.

لكن رغم مصلحتها الكبيرة في استقرار غربها، إلا أنه ليس مرجّحا أن تتخذ الأردن دوراً في تنسيق مفاوضات السلام بين إسرائيل وفلسطين. فقد لعبت مصر تاريخياً دوراً كبيراً في التوسط في المفاوضات، حيث قطع ذلك الدور اضطرابها المحلي خلال السنوات القليلة الماضية. ولا تتمتع الأردن بالثقل الكافي لملأ ذلك الفراغ.

ويعلق ميلر: "الأردنيون ليسوا هامشيين حتى تلك الدرجة، لكنّهم لم يتمتعوا بنوع التأثير الذي يتمتع به المصريون على الفلسطينيين. فمثلاً هم لا يستطيعون أن يقدموا أموالاً لخدمة استمرار المحادثات. أظن أن الأردن جزء ضروري، لكن غير كافي من المعادلة الإقليمية. فإن أردت ثقلاً إقليمياً، فعليك بالتوجّه إلى المصريين، السعوديين، أو المغاربة".

انهارت آخر جولة من محادثات السلام في أبريل، رغم بذل كيري لقصاري جهده. وتشير توترات الأسبوع الحالي – والتي نتجت عن حرب غزة الأخيرة – إلى أنه من غير المرجح للغاية أن تستمر التفاوضات في المستقبل القريب. والتقى عباس كذلك بكيري في الأردن، لكنّه لم يلتق نتنياهو. وعلق كيري يوم الخميس: "إنها ليست اللحظة المناسبة بالفعل للطرفين ليحققا اتفاقا".

ويقول شينمان أن الأردن حذرة أيضاً من اتخاذ دور أكبر من حجمها في العملية وأن تتحمل مسؤولية فشل المحادثات. ويضيف: "أسوء ما قد تفعله الأردن أن تلام من قبل الطرفين على أحد مراحل المفاوضات. فإن اتخذت دوراً أكبر في المحادثات وانتهت نهاية فاشلة، فلا تريد أن تلام من قبل الطرفين معا".

لكن حتى وإن كانت الأردن لا ترغب في لعب دور مهيمن في دفع عملية السلام المستمر، ستظل الأردن حليفاً استراتيجياً رئيسياً لإسرائيل.

"عادة ما يتم تجاهل الأردن بشكل صريح لأنها دولة صغيرة، ولافتقارها للنفط، ولأنها ليست فعلياً في حرب. لكنها دولة عصفت بها التقلبات الحادثة في المنطقة. إنها دولة مهمّة للغاية من وجهة نظر إسرائيل، وكذلك من وجهة نظر الولايات المتحدة. فكثيراً ما يتم تجاهلها وهو ما يجب ألا يحدث".

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب