اقتصاد الجهاد: كيف تجني الجماعات المتطرفة الأموال؟

ورقة بحثية

قبل اثني عشر شهراً، كانت الجماعة المعروفة الآن باسم الدولة الإسلامية معروفة قليلاً على الساحة الدولية، بعيداً عن هؤلاء الذين ألهمتهم للسفر والانضمام إليها كمقاتلين، أو المهتمين الأكاديميين والمهتمين بالأمن ممن يراقبون التطورات في سوريا والعراق.

حتى مع ظهورها، تم التعامل مع الدولة الإسلامية كواحدة من كثيرين استفادوا من الفوضى الناجمة عن الصراع واسع النطاق في سوريا ضد الرئيس بشار الأسد.

وفي يناير 2014، قلل الرئيس أوباما من القدرات والتهديدات التي يشكلها هؤلاء الذين يرفعون علم القاعدة في الفلوجة وفي أماكن أخرى من العراق وسوريا.

ولكن في غضون بضعة أشهر، تحكمت الدولة الإسلامية من مساحات شاسعة ومهمة من الأراضي في شمال سوريا والعراق.

ووصف وزير الدفاع الأمريكي السابق تشاك هيجل الدولة الإسلامية بأنها "متطورة وممولة جيداً أكثر من أي جماعة رأيناها من قبل، إنهم أكثر من مجرد جماعة إرهابية، إنهم ممولين بشكل جيد جداً".
وربما أكثر من أي جماعة مسلحة أخرى، أصبح تمويل الدولة الإسلامية والإيرادات التي تجنيها من النفط والضرائب والابتزاز والنهب محل اهتمام المجتمع الدولي.

وقد وجهت قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة جزءاً كبيراً من ضرباتها الجوية إلى مصافي النفط وطرق التهريب التي يُعتقد أنها الدعامات الأساسية للصمود المالي للجماعة، على اعتقاد أن تعطيل مصادر تمويلها سيعجّل في نهاية المطاف من زوالها.

أهمية التمويل في الصراع هو صراع قديم في حد ذاته، فقد ذكر الخطيب الروماني ماركوس توليوس شيشرون إن "أواصر الحرب هي إمدادات غير محدودة من المال".

وفي عهد قريب، خلال الحرب الباردة، رعت الولايات المتحدة العنف السياسي عن طريق تمويل ودعم وكلائها.
ومع ذلك، فإن نهاية الحرب الباردة، واستخدام قرارات مجلس الأمن الدولي ضد دول مثل ليبيا والسودان، شهدت انخفاضاً كبيراً في الإرهاب الذي ترعاه الدول.

وفي حين تستمر منظمات مثل حزب الله في العمل بدعم من الدولة، فإن المنظمات الإرهابية بعد الحرب الباردة كانت في معظمها غير قادرة على الاعتماد على رعاية الدول، وبالتالي كانت في حاجة لمصادر تمويل خاصة بها.

وتعد الإدارة المالية الماهرة في صميم نجاح أي منظمة إرهابية أو متمردة، إنها تمثل شريان الحياة لها، وأيضاً واحدة من أهم نقاط ضعفها.

المانحون

تأمين التمويل والحفاظ عليه هو مفتاح الانتقال من كون الجماعة جماعة راديكالية هامشية إلى كونها منظمة إرهابية معترف بها، من منظمة تقتات مما تجده إلى نموذج منظم ومخطط.

وغالباً ما تُعرف الجماعات الناجحة بمهارات مديريها الماليين بقدر ما تُعرف بخبراتها العسكرية وقدرتها على تجنيد مقاتلين.

وبشكل عام، يمكن للجماعات الإرهابية الاعتماد على التمويل من اثنين من المصادر الأولية:

  • داخلياً، يتم توليد التمويل عن طريق فرض ضرائب على الأفراد، وعلى الأعمال التجارية وطرق النقل، والعائدات من الخطف والفدية، وأرباح التجارة.
  • ويتم توفير التمويل الخارجي من المانحين المتعاطفين مع القضية، سواء كانوا من الداعمين الأثرياء (غالباً ما يكونوا من دول الخليج ويشار إليهم أحياناً باسم "السلسلة الذهبية")، أو من أبناء الدولة في الشتات.

ويتم نقل التبرعات في بعض الأحيان بين الجماعات المتشابهة في التفكير. على سبيل المثال، ذكرت وسائل إعلامية أن جماعة بوكو حرام النيجيرية قد تلقت 250 ألف دولار من تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي في عام 2012.

في رسالة له عام 2005، دعا نائب زعيم القاعدة آنذاك أيمن الظواهري  فرع التنظيم في العراق إلى تحويل 100 ألف دولار له، نظراً لقطع العديد من خطوط التمويل الخاصة بالتنظيم.

وفي حين أن التبرعات يمكن أن توفر مصدراً أولياً للتمويل، فإنها عرضة للتعطيل من قبل السلطات ولا يمكن الاعتماد على إمداداتها.

ولإنشاء الاستقلال المالي، تحتاج الجماعات الإرهابية للانتقال من التمويل الخارجي الأولي، إلى التمويل الذاتي الداخلي، وهو الأكثر صعوبة في تعطيله بالنسبة للمجتمع الدولي.

المخدرات

تعتبر حركة الشباب في الصومال مثالاً جيداً في هذا الصدد. ففي حين تحصل الجماعة على تمويل محدود من مصادر خارجية، فقد عملت على تطوير نشاطها المتعلق بتصدير الفحم النباتي بشكل جيد لتصل أرباحها السنوية من هذه التجارة إلى ٨٠ ميلون دولار وفقاً للأمم المتحدة. 

وقد برعت جماعة الشباب في أداة أخرى للتمويل، مثل فرض ضرائب تجارية وشخصية وعلى النقل. ومثل داعش فإن الشباب تسيطر على الأرض والسكان، وتقوم بإدارة المنطقة في شكل شبه حكومي في المناطق الخاضعة لسيطرتها، فتقوم بزيادة الضرائب وتقديم بعض الخدمات في المقابل لاسيما خدمات الأمن والعدالة. 

وتَعد داعش المسلمين في المناطق التي تسيطر عليها بتقديم إمدادات الطعام. 

ويسمح السيطرة على الأراضي بالقيام بأعمال مربحة مثل ازدهار زراعة الأفيون في أفغانستان. 

وعلى الرغم من إنفاق أكثر من ٧ مليار دولار وجهود قوات حلف شمال الأطلسي خلال ثلاثة عشر عاماً لمحاربة تجارة المخدرات في البلاد، فقد وصلت زراعة الأفيون إلى أعلى مستوياتها على الإطلاق، مع استغلال طالبان لموقف أفغانستان باعتبارها المورد لأكثر من ٩٠٪ من إنتاج الأفيون في العالم ليصل ربحها من هذه التجارة إلى ١٥٠ مليون دولار سنوياً. 

ولكن ليس كل المجموعات تسيطر على أراضي يخضع سكانها لفرض الضرائب والابتزاز.

ففي المناطق الفسيحة في منطقة الصحارى أو الساحل قليلة السكان يعتمد تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي على مصدرين رئيسيين: 

  •  اختطاف السياح والعمال الأجانب للحصول على فدية لتخليصهم، ويُعتقد أن التنظيم قد حصل على ما يقرب من ١٠٠ مليون دولار على مدى خمس سنوات من هذا النشاط. 
  •  السيطرة على طرق تهريب المخدرات والتي يتم تصديرها إلى أمريكا اللاتينية على طول "الطريق السريع ١٠" في إشارة إلى مدار ١٠ درجة، لأنه أقصر الطرق عبر المحيط الأطلسي إلى أوروبا. 

وتعتمد شبكة حقاني، ومقرّها في المنطقة الحدودية بين أفغانستان وباكستان، أيضاً على التهريب كمصدر رئيسي للتمويل.

مع تجذرها في معارضة غزو الاتحاد السوفياتي لأفغانستان في عام 1979، فهي تسيطر على طرق التهريب الراسخة والتي تستفيد من عدم الاستقرار في أفغانستان وباكستان لدعم التمويل التي تقوم بجمعه من نشاطها الإجرامي واسع النطاق.

تجارة الرهائن

يُستخدم الخطف من أجل الحصول على فدية على نحو متزايد من قِبل الجماعات الإرهابية.

وتشير التقديرات إلى أن تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية، ومقرّه اليمن، قد جنى 20 مليون دولار بين عامي 2011 و2013 بهذه الطريقة.

ورصدت الأمم المتحدة ربحية هذه التجارة، وكشفت مؤخرًا أن الجماعات الإرهابية قد جنت ما يقدر بـ120 مليون دولار من مدفوعات الفدى بين عام 2012 و2014.

ويعتقد أن داعش قد جنت وحدها 45 مليون دولار في العام الماضي فقط.

إذن، لو أرادت الجماعات الإرهابية أن تبني نفسها، وتبقى على قيد الحياة وتنمو، فإنها في حاجة إلى تطوير مصادر موثوقة للتمويل على أساس الأراضي والسكان والموارد التي تعمل خلالها.

وبدا واضحاً إقرار تنظيم القاعدة في العراق بالأهمية الحاسمة للتمويل من خلال الوثائق السرية المضبوطة في أعقاب الغزو عام 2003، والذي حددت فيه الجماعة سوء إدارة الأموال والدخل غير المنتظم كمساهمين حاسمين في فشل الجماعة.

وبقدر الأهمية الواضحة للتمويل كشريان حياة للمنظمة الإرهابية بقدر ما هي كعب أخيل بالنسبة لها أيضاً.

فمنذ هجمات الحادي عشر من سبتمبر، سعى المجتمع الدولي لعرقلة الجماعات الإرهابية من خلال استهداف مواردهم المالية.

كانت الخطوة الأولى للرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش في ما يسمى بـ"الحرب على الإرهاب" هي ضرب الأساس المالي لشبكة الإرهاب العالمية.

ومع ذلك، كما نشهد في جميع أنحاء شمال سوريا والعراق، فإن منع التمويل عن المتطرفين ليست مهمة سهلة طالما تطوروا من الاعتماد الخارجي إلى الاكتفاء الذاتي الداخلي.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب