الأفعال وردود الأفعال في الشرق الأوسط

مقال رأي

عندما اندلعت احتجاجات واسعة في العالم العربي عام 2011، رأت إدارة أوباما فرصة سانحة. فساعد الرئيس في دفع حليف الولايات المتحدة طويل الأمد حسني مبارك على التنحي من الرئاسة المصرية، وصرح: "أعتقد ان التاريخ في نهاية المطاف سيسجل أننا في كل مرحلة من مراحل الوضع في مصر كنا على الجانب الصحيح من التاريخ."

وبعد حوالي أربع سنوات، لم تصل "سلطة الشعب" للحكم في الشرق الأوسط. بل أن بعض البلدان، مثل ليبيا وسوريا، استنذفتها الحروب الأهلية التي بدأت كاحتجاجات سلمية. أما في مصر، أنتجت الانتخابات حكومة إقصائية لدرجة أنه بعد عام من وجودها في السلطة، أيد الكثير من الشعب العودة إلى الحكم العسكري. وبعد ثلاث سنوات ونصف من وفاة أسامة بن لادن، أصبحت قوات الجهاديين في تصاعد في المنطقة. وفي الوقت نفسه، وجدت الولايات المتحدة نفسها تخوض معارك في الشرق الأوسط وسط تحالفات متوترة ونفوذ متقلص. ما الخطأ الي حدث؟

يعتمد موقف المرء على مكان جلوسه. فبالنسبة للبعض، تقع المشكلة في أن الولايات المتحدة تخلت بسرعة عن مبادئ النفعية. في حديثه في وزارة الخارجية بعد أسبوع من وفاة بن لادن، أثار الرئيس آمال المثاليين، عندما قارن الاحتجاجات التي جرت في الشرق الأوسط بالثورة الأمريكية والنضال الأمريكي من أجل الحقوق المدنية خلال خمسينيات وستينيات القرن العشرين. فقال "بعد عقود من قبول العالم كما هو في المنطقة، لدينا فرصة للسعي من أجل (تشكيل) العالم كما ينبغي أن يكون." ومع ذلك، فإن تصاعد العنف والفوضى في الشرق الأوسط دفعت الولايات المتحدة للعمل بشكل وثيق مع القوات المسلحة وأجهزة الاستخبارات، والزعماء المستبدين الذين كانوا قبلها بشهور يبدون وكأنهم قد ولى زمانهم.

كان الصراع بين المثل العليا والمصالح أمرا واضحا بشكل صارخ في البحرين، حيث يوجد مقر الأسطول الخامس الامريكي، وحيث تقوم الحكومة التي يقودها السنة - بدعم من المملكة العربية السعودية وغيرها من الدول المجاورة- بقمع انتفاضة الاغلبية الشيعية . لم تتأثر عمليات القاعدة البحرية، واستأنفت الولايات المتحدة مبيعات بعض المعدات العسكرية بعد أشهر فقط من بدء الاضطرابات.

لكن بالنسبة لآخرين، لم تظل الولايات المتحدة مثالية فحسب، بل كانت أيضا ساذجة في مواجهة التهديدات الحقيقية والمستمرة في الشرق الأوسط. فاستمر حلفائها في الخليج العربي في الشكوى من أن إدارة أوباما قد "ألقت حسني مبارك تحت الحافلة" ساكتة عن الفوضى. عبرت الحكومات الإقليمية المحافظة عن حيرتها في أن الولايات المتحدة ظلت عمياء عن خطر الإخوان المسلمين، حيث رأتهم ديمقراطيين، في حين أن  هذه الحكومات قد رأتهم رجال الدين متعطشين للسلطة. فلم تتسائل هذه الحكومات عن دعم الولايات المتحدة لها في حالة مواجهتها تحديات داخلية فحسب، بل إنها تسائلت ما إذا كانت الولايات المتحدة ستقدم المساعدات لأعدائها بسبب اعتقاد في غير محله في أن أعداء تلك الحكومات يتمتعون بنوايا حسنة. ويشكو الواقعيين في الولايات المتحدة أن الخلل الذي يصاحب التغيير السياسي السريع هو أمر عميق، إلا أنه يمكن التنبؤ به، ويعكس حرص الولايات المتحدة في تبني مثل هذا التغيير غياب الوعي التاريخي أو التفكير الاستراتيجي.

ولعل الموضوع الأكثر إثارة للدهشة في الأشهر الأخيرة- في الساحات التي تبذل فيها الولايات المتحدة قصارى جهدها، مثل العراق على سبيل المثال – أن حكومة الولايات المتحدة قد وضعت تركيزا تاما على العلاقات بين الحكومات. وبذلك، فإن الرئيس يعتمد على المسؤولين - الذي غالبا ما يكونون فاسدين أو غير كفء - للوصول إلى العدد الأكبر من السكان الذين يتسمون بعدم الرضا، وهم الذين قد رآهم الرئيس واعدين قبل بضع سنوات.

في حين أن البعض يندفعون في أن يصفوا تصرفات الحكومة الأميركية بعدم الكفاءة أو حتى الخبث، إلا أن حالة عدم الكفاءة هي نتاج عن حالة عدم اليقين المستمر من قبل الولايات المتحدة. ودفعت السياسة المضطربة في الشرق الأوسط الولايات المتحدة نحو موقف أكثر حذرا تجاه دوام حلفائها. ببساطة، فليس لديها استعداد للمراهنة على نجاحهم. فالسرعة التي تحركت بها الولايات المتحدة لإقامة علاقة عمل مع جماعة الإخوان المسلمين في مصر اقشعر لها أبدان العديد من قادة المنطقة، كما كان الأمر حيال تردد الولايات المتحدة البطيء في قبول استيلاء الجيش المصري على السلطة. وبالنسبة للولايات المتحدة، كان الأمر تعبيرا مبدئيا يهدف للتركيز على العملية بدلا من النتيجة. أما بالنسبة لحلفائها العرب، فقد كان رعاية – ذو نزعة انتهازية - للمنتصرين عوضا عن الأصدقاء.

ويلقي عدم الثقة في نوايا الولايات المتحدة بظلاله على تقييم القادة العرب للمفاوضات التي تقودها الولايات المتحدة بشأن البرنامج النووي الإيراني. وتخشى الحكومات العربية أن الولايات المتحدة سوف تحاول بشدة استيعاب إيران في المفاوضات، وتتفاعل بشكل سلبي جدا على الانتهاكات الإيرانية اللاحقة لاتفاقاتها، مما يتركهم محاطين بطموحات الهيمنة الإيرانية. وتنبع مخاوف قادة دول الخليج على وجه الخصوص من احتمال استقلال الولايات المتحدة في مجال الطاقة، والذي يعتبرونه تناقص في اهتمام الولايات المتحدة بالشراكة معهم، وبأمنهم.

بينما هناك اتفاق واسع النطاق بأن سياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط يجب أن تكون متجاوبة مع الأوضاع على الأرض، هناك قلق على نطاق واسع أن تلك السياسة قد أصبحت تتكون بالكامل من ردود الأفعال، فأصبحت مدفوعة بالأزمات، خالية ممن المبادئ، وغير منسقة. ويسبب التصور أنها مكونة من ردود أفعال في الشكوى بأنها لا تلتزم بردود الأفعال بما فيه الكفاية بالنسبة لشكاوى الالتماسات الفردية. وهذا يجعل الأمر يبدو فارغا.

إذا ما أخذنا في الاعتبار سواء"الدبلوماسية التحويلية" لكوندوليزا رايس أو "فن الحكم في القرن الـ21" لهيلاري كلينتون، تواصل الولايات المتحدة الافتقار إلى الاستراتيجية التي تحتاجها للتعامل مع العالم الذي يزداد تعقيدا - والشرق الأوسط الذي يزداد تعقيدا- والذي يتسم بجهات فاعلة غير حكومية قوية، واتصالات أكثر قوة، وأولويات من الصعب المحافظة عليها. وبنفس القدر من الأهمية، لقد ساعد تعقيد السياسة الخارجية في خلق عالم يصعب فيه تمييز أولويات الولايات المتحدة الاستراتيجية بشكل متزايد. وخاصة نظرا للدفعة البيروقراطية القوية نحو إدراج الأولويات في الوثائق الاستراتيجية بدلا من الاختيار بينهم.

إذا فالاستراتيجية الواضحة ستبدو بهذا الشكل: يقع أمن الطاقة العالمية –بتعريفه الواسع-  بالتأكيد في مصلحة الولايات المتحدة الااستراتيجية ، وكذلك احتواء الإرهاب الدولي. فضلا عن الحفاظ على أمن الحلفاء الرئيسيين ضد الدول المعادية، وتعزيز قدرة الحكومات الصديقة. كما أن العمل مع الدول الصديقة في المنطقة، في أوروبا، وآسيا، يجب أن يكون هدفا استراتيجيا. ولأجل الوصول لتلك الأهداف، لا ينبغي على الولايات المتحدة أن تعمل مع الحكومات الصديقة فحسب، ولكن عليها أيضا الدفع إلى تمكين مجموعة من الجهات الفاعلة غير الحكومية التي تشاركها الأفكار، سواء في الولايات المتحدة أو الخارج. من خلال كل ذلك، يجب على الولايات المتحدة أن تأخذ في الاعتبار أن بعضا من أعظم نجاحاتها لم يأت مما فعلته بشكل مباشر، ولكن من خلال إنشاء مؤسسات وحوافز تشجع الناس والحكومات على العمل بطرق مرغوب فيها. لا يزال على الولايات المتحدة أن يكون لها ردود أفعال، ولكن ردود الأفعال  تلك تحتاج إلى أن تصبح حصة أصغر من أعمالها في الشرق الأوسط وخارجه.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب