الاتفاق النووي مع إيران سوف يتطلب من الغرب إعادة تقييم افتراضاته

مقال رأي

بعد عشر سنوات من المفاوضات البطيئة مع إيران بشأن برنامجها النووي الشائك، تبدو احتمالات توصل الولايات المتحدة وقوى عالمية أخرى إلى اتفاق نهائي غير جيدة. عجلات الدبلوماسية تتحرك بصعوبة وينبغي مد المحادثات. ولكن حان وقت الاعتراف بأن سياسة التعامل تم بناؤها على سلسلة من الافتراضات التي، رغم منطقيتها، ثبت خطأها إلى حد كبير. وفيما تقيّم واشنطن خطواتها المقبلة، قد يكون من الحكمة إعادة النظر في الأحكام التي ذيلت نهجها في التعامل مع أحد أكثر خصومها مراوغة.

وقد اعتمدت إدارتي جورج دبليو بوش وباراك أوباما على الضغوط المالية لتهدئة الطموحات النووية لإيران. وفي جوهرها، جادلت هذه السياسة أن الضغط الاقتصادي المطرد سيغير حسابات الجمهورية الإسلامية، مما يؤدي في النهاية إلى تنازلها عن أكثر الجوانب المثيرة للقلق في برنامجها النووي. كانت هذه هي البراغماتية الأمريكية في أوضح صورها، حيث يتجاوز الاقتصاد الأيدولوجيا والتاريخ في تكييف الأولويات الوطنية. لا يمكن انكار ان تلك السياسة حققت بعض النجاحات، إذ عززت واشنطن نظام العقوبات حتى أجبرت إيران على تغيير أسلوب التفاوض. ومع ذلك، ما غاب عن واشنطن هو أن الجمهورية الإسلامية هي دولة ثورية نادراً ما تتخذ قرارات اقتصادية رشيدة. وفي الواقع فإن فكرة الاندماج مع الاقتصاد العالمي مخيفة لحكام إيران الأيديولوجيين للغاية، والذين يحتاجون إلى عدو خارجي لتبرير سلطتهم المطلقة.

بدت استراتيجات واشنطن الدبلوماسية على نفس القدر من الجهل بالديناميكات المتغيرة للسياسة الإيرانية. كانت الانتخابات الرئاسية المزورة في عام 2009 حدثاً فاصلاً في تاريخ إيران، لأنها حولت الجمهورية الإسلامية من حكومة من الفصائل إلى مجرد ديكتاتورية أخرى في الشرق الأوسط. أخرجت قوى الإصلاح من الجسد السياسي، تاركة ورائها فقط الملالي ذوي العقول المتشابهة. وفي حين أن العديد في الغرب ما زالوا يرون إيران كدولة من الفصائل المتعاركة والشخصيات المتنافسة، إلا أن الإيرانيين أنفسهم يتحدثون عن "النظام". لا يعني هذا أنه لا يوجد خلافات بين الجهات الفاعلة الرئيسية، ولكن النظام قد لفَّق التوافق حول القضايا الجوهرية مثل قمع المعارضة والحفاظ على المسار الأساسي للبرنامج النووي.

كان خطأ التشخيص الأكثر وضوحاً للولايات المتحدة عندما تولى حسن روحاني من البيروقراطية الكهنوتية، الرئاسة عام 2013، واعتبرت انتخاب روحاني توبيخاً للمرشد الأعلى آية الله علي خامنئي وافتراضاته الأيدولوجية. أقنع الكثيرون في واشنطن أنفسهم أنه من خلال الاستثمار في روحاني يمكنهم دخول عصر الاعتدال في إيران. وفجأة، سيقوم روحاني بعد تعاظم سلطته بتقديم تنازلات نووية هامة بل ويتعاون مع الولايات المتحدة للوصول إلى منطقة مستقرة. الغائب في كل هذا هو النظام الذي تشكل في عام 2009، وعزز قوته ودمّر اليسار الديمقراطي. وسعت إدارة أوباما للتعامل مع الفصائل الإيرانية في نفس اللحظة التي لم يعد فيها وجود الفصائل هو الجانب المعرّف للسياسة الإيرانية.

لن تغير إيران نهجها بسهولة. إذا كان هناك أي أمل في تغيير إيران لحساباتها، فإن على قادتها أن يروا الثمن - حسب قياسهم- غالياً. أي استراتيجية قسرية يجب أن تستند إلى المزيد من عزل إيران عن الأسواق العالمية والمؤسسات المالية؛ ففي وقت تراجعت فيه أسعار النفط، ينبغي على الاقتصاد الإيراني بالأخص أن يظهر ضعيفاً أمام هذا الضغط.

ولكن لا يمكن أن تكون هذه هي نهاية الأمر. يجب على إيران أن تواجه ضغوطاً على العديد من الجبهات، وينبغي أن تركز إدارة أوباما على إصلاح أسوار البيت بينما تعيد تأهيل حلفائنا المنهكين في الشرق الأوسط. من المهم لطهران ألا ترى انقسامات يمكن استغلالها بين البيت الأبيض والكونجرس. وسيكون الرئيس حكيما إذا تشاور مع الكونجرس على المعايير لاتفاق مقبول لضمان التوصل لقرار يجيز استخدام القوة في حال انتهكت إيران التزاماتها أو سعت لامتلاك قوة مدمرة.

ينبغي أن تركز استراتيجية الضغط أيضاً على عزل إيران عن جيرانها وتقويض التابعين لها. وسيتطلب ذلك تدخل الولايات المتحدة في العديد من الأزمات في المنطقة. فيجب على الولايات المتحدة أن تنهمك في تشكيل نتاج الحرب الأهلية السورية، لأسباب إنسانية واستراتيجية. خلق منطقة حظر طيران في الشمال على الأقل قد يحدث فارقاً إنسانياً وسياسياً وعسكرياً في سوريا، وسوف يبعث ذلك بإشارة إلى إيران بأن تكلفة دعم الديكتاتور بشار الأسد سترتفع. وبالمثل لا بد من ممارسة الضغوط على الحكومة العراقية للحد من نفوذ إيران. ومن غير المرجح أن تتحرك بغداد في هذا الاتجاه طالما ظلت حملتنا ضد داعش مترددة ونلمح إلى أن هناك إمكانية للتعاون مع إيران.  ويبقى جوهر نظام تحالف الولايات المتحدة في الشرق الأوسط هو الشراكة الوثيقة مع إسرائيل. لم يتم تعزيز قيمة الردع لدى الولايات المتحدة نتيجة تصورات عن وجود شقاق في تلك العلاقة الأساسية.
والغرض من هذه الاستراتيجية الجديدة القوية والقسرية هو الإشارة إلى استعدادنا للتباري، وإظهار أننا لسنا بحاجة إلى اتفاق مع إيران أكثر مما تحتاج إيران نفسها، ولرفع ثمن سياسات طهران البغيضة. لقد حان الوقت للضغط على الإيرانيين لاتخاذ خيارات صعبة ظلوا رافضين لاتخاذها.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب