التخلي الأمريكي عن ثوار سوريا

مقال رأي

بينما يعاني الكونجرس لتمرير مشروع قانون من أجل تمويل الحكومة لما تبقى من العام، لا بد أن يثير الفضول تساؤلاً بالغ الأهمية حول طلب إدارة أوباما لتمويل بقيمة 300 مليون دولار لتوسيع برنامج المخابرات المركزية الأمريكية السري لتسليح ثوار سوريا "المعتدلين".

علقت لجنة الاستخبارات الطلب – رغم ضغط مسؤولي الإدارة – لما يثيره من تساؤلات حول الجيش السوري الحر والتنظيمات الثورية الأخرى التي حصلت بشكل سري ولمدة سنوات على أسلحة من الولايات المتحدة وحلفائها، حسبما أخبرني مسؤولان في الإدارة. وفي ذات السياق يقول قادة المعارضة السورية إنه دون التمويل سيصارع الجيش السوري الحر للحفاظ على موقعه المتبقي في شمال سوريا، إلى جانب ضعف تقدمه ضد تنظيم الدولة الإسلامية ونظام بشار الأسد بشكل كبير.

وبهذا الصدد صرّح أوبي شهبندر، وهو مستشار كبير بالائتلاف الوطني السوري، قائلاً: "يمثل التمويل المطلوب مؤشراً حاسماً على الشراكة بين الولايات المتحدة ومقاتلي الحرية السوريين. خاصة في هذا التوقيت الهام".

ومع ذلك فلن يندب جميع أعضاء الإدارة الأمريكية قرار إيقاف التمويل، فقد تشارك العديد من أعضاء الإدارة مع الكونجرس خسارة الثقة في الثوار السوريين بعد خساراتهم أمام الأسد وتنظيم الدولة الإسلامية وجبهة النصرة في مدن الشمال السوري مثل إدلب. وما زاد الطين بِلة هو أن تلك الخسائر أدت إلى سقوط التسليح الأمريكي المتقدم في أيدي المتطرفين.

أدى ذلك الاستياء الأمريكي إلى تداعيات وخيمة على الثوار السوريين، حيث اتخذت إدارة أوباما مجموعة من الخطوات في الأسابيع الأخيرة للابتعاد عن الثوار المعتدلين في الشمال؛ فأوقفت تسليحهم ورفضت السماح لهم بلقاء المسؤولين العسكريين الأمريكيين، في ذات الوقت الذي يعاني فيه الثوار للبقاء في مدينة حلب وما حولها، وهي أكبر المدن السورية.

يخبرني قادة الجيش السوري الحر وممثلون عن التحالف الوطني السوري أنه حتى الدعم الهزيل الذي قدمه التحالف ذي القيادة الأمريكية خلال الشهر الماضي - وشمل أسلحة وذخائر إلى مجموعات الجيش السوري الحر - قد توقف. بينما مازالت ثلاث مجموعات مرتبطة بالجيش السوري الحر تحصل على دعم مالي محدود. 

كما أخبرني قيادي كبير في الجيش السوري الحر في شمالي سوريا، ورفض ذكر اسمه لأسباب أمنية، أنه: "يقول الأمريكيون إنهم لن يتخلوا عنا، حيث يتخلى عنا السعوديون والقطريون"، وأضاف: "لكننا نعلم أن الأمريكيون هم المسؤولون".

أكد لي مسؤولو الإدارة أن الأمر يتعلق بإعادة توزيع المساعدات التسليحية، لتبتعد عن المجموعات الثورية في الشمال والتي تصلها الأسلحة عبر خلية تنسيق في تركيا، وتتجه إلى المجموعات المتصلة بالجيش السوري الحر في الجنوب، والتي تحصل على الأسلحة بشكل سري عبر خلية منفصلة في الأردن. وأصرّ هؤلاء المسؤولون على أن الأمر إعادة توجيه فقط، وليس تخلياً عن الثوار.

ترى مجموعات الجيش السوري الحر وقف دعم التسليح الأمريكي لها كدلالة على عدم ثقة الإدارة الأمريكية فيها كشريك يمكن الاعتماد عليه، بل ويفاقم المشكلة حقيقة أنهم يرون داخل سوريا كحلفاء للغرب.

وقال مسؤول بارز في الجيش السوري الحر: "نوصم بالعار لكوننا تنظيم تدعمه الولايات المتحدة، ودون ذلك الدعم، يصبح لدينا علَم أمريكي كبير فقط، دون أسلحة للقتال". واستطرد: "يقول الأمريكيون إن الجيش السوري الحر ليس منظماً ولا يستطيع مواجهة جبهة النصرة، ونقول لهم إنهم إن دعمونا فسنكون قادرين على مواجهة الجبهة".

وعند مواجهة مسؤولي البيت الأبيض بمزاعم الثوار بتخلي الغرب عنهم، يشير المسؤولون إلى البرنامج الجديد ذي القيادة الأمريكية لتدريب وتسليح قوات الثوار السوريين في قواعد عسكرية في السعودية وتركيا. سيدير الجيش هذا البرنامج وليس وكالة الاستخبارات المركزية، فهو ليس برنامجاً سرياً، بالإضافة إلى كونه أساسياً في خطة الإدارة لحرب تنظيم الدولة الإسلامية ثم الأسد في النهاية. ولكن التأخيرات أعاقت البرنامج، وكذلك محدوديته، حيث ستكون مهمته تجهيز 5000 مقاتل سنوياً، رغم ميزانيته السنوية التي تصل إلى 500 مليون دولار.

علاوة على ذلك فقد تم إبعاد الثوار السوريين المعتدلين الذين عملوا مع الولايات المتحدة لسنوات عن الخطط. حيث أوضحوا أن الجنرال مايكل ناجاتا، مدير برنامج التدريب، لم يلتق أبداً بممثلين عن الجيش السوري الحر أو التحالف الوطني السوري المدني. ولم يبدأ التجنيد في البرنامج بعد، وهو ما يدفع الجيش السوري الحر للتفكير في عدم جدية الجهود الأمريكية.

وأضاف القيادي بالجيش السوري الحر الذي تحدثت معه: "إلى الآن، ليس هناك أي تفاعل بين البرنامج والجيش السوري الحر، فقد حاولنا عدة مرات التواصل مع ناجاتا، لكن الإدارة حددت إمكانياته بشدة. ربما هم يرغبون في إبقاء الوضع على ما هو عليه وليسوا مهتمين باتخاذ أي خطوات هامة".

كما علّق مسؤول سابق بالنتاجون عمل سابقاً في الشرق الأوسط بأن البيت الأبيض منع ناجاتا من لقاء الثوار، وعقد جهود الجيش لتنفيذ برنامج التجهيز والتسليح، وأحبط قادة الجيش الذين يريدون المشاركة بشكل أكثر قوة مع مجموعات الجيش السوري الحر.

وأنكر المتحدث باسم مجلس الأمن القومي، أليستاير باسكاي، بشكل قاطع منع البيت الأبيض للمسؤولين العسكريين عن لقاء الثوار. وعلق باسكاي قائلاً: "لدى الجنرال ناجاتا وفريقه الحرية الكاملة للقاء أعضاء المعارضة السورية المعتدلة كيفما يتلائم من أجل تقدم برنامج التدريب والتسليح، فليس لمجلس الأمن القومي أي تدخل في طبيعة لقاءاتهم".

بينما يشكك آخرون في قرار الإدارة بمساعدة الثوار. حيث قال الجنرال البارز المتقاعد مايك فلاين، والذي كان حتى وقت قريب مديراً لوكالة استخبارات الدفاع، إن الإدارة لم تتواصل مع ضباط الجيش السوري المنشقين الذين يعيشون الآن في عدة دول في أنحاء المنطقة، والذين سيكونون مثاليين لبناء جيش ثوري منظم وعالي الكفاءة.

وأضاف الجنرال فلاين: "أدرك أن هناك عدد كبير قد يصل إلى المئات من ضباط الجيش السوري السابقين سيودون أن يشاركوا في قوة منتقاة بشدة لقتال تنظيم الدولة الإسلامية، فإن كان هناك عسكريون سابقون جاهزون لحرب الأسد، فلم لا نتواصل معهم؟".

كما ذكر فلاين أن التدريب والإعداد للبرنامج سيتطلب وقتاً أكثر مما تظن الإدارة، خصوصاً لأن الموقف على الأرض يتغير بشكل دائم.

أدلى كبار مسؤولي الإدارة الأمريكية بشهاداتهم هذا الأسبوع والتي تضمنت عدم اعتقادهم بأن الجيش السوري الحر والمجموعات الثورية الأخرى ستستطيع أبداً أن تهزم الأسد عسكرياً، وأن خطة هزيمة داعش تركز على العراق أولاً، لأن أمريكا لديها المزيد من الشركاء الذين تستطيع الاعتماد عليهم هناك.

من يعرفون سوريا جيداً يرون أن الاستراتيجية الأمريكية معيبة. فقد صرّح روبيرت فورد، السفير الأمريكي السابق في سوريا، في لقاء مباردة "فورين بوليسي" الأسبوع الماضي أنه يري مشكلتين كبيرتين: الإدارة تريد أن توقف الدولة الإسلامية في العراق دون خطة حقيقية لهزيمتهم في سوريا، كما تظن أنها تستطيع إقناع الجيش السوري الحر بخطتها لتهدئة القتال ضد الأسد.

وأضاف فورد: "لنكون شديدي الصراحة، من المستحيل احتواء الدولة الإسلامية في العراق دون مواجهتها في سوريا أيضاً، ففكرة الإدارة حول أن الجيش السوري الحر سوف يقاتل الدولة الإسلامية دون قتال نظام الأسد، تعد واحدة من أكبر الخيالات المنتشرة حول الوضع السوري".

قال أندرو تابلر، الباحث البارز في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدني، إنه بينما الإدارة الأمريكية محقة في مخاوفها حول قدرة الجيش السوري الحر على القتال، فإن التخلي عنه سيزيد الأمور سوءاً. واستطرد تابلر: "سيؤدي ذلك لإضعاف القوات الأكثر اعتدلاً لصالح الجهاديين، وهذا عكس ما نريد تحقيقه، كما سيؤدي لتقوية نظام الأسد بشكل نسبي".

وهنا لا بد أن يطرح السؤال نفسه: إن كان البيت الأبيض متخلياً لهذه الدرجة عن المعارضة السورية، فلماذا طلب التمويل السري في مشروع القانون؟ تفسيران محتملان؛ أن الإدارة نوت استخدام الأموال في دعم مجموعات في الجنوب السوري، أو أن تلك الفرصة مثلت الرمق الأخير للشمال السوري قبل أن يصرف الكونجرس النظر عن الأمر.

تمثل كلتا الحالتين تخبطا في السياسة الأمريكية في سوريا. فيبدو أن إدارة أوباما تراهن على فكرة أن تهدئة العنف في سوريا ستؤدي إلى مرحلة جديدة من التفاوضات مع الأسد، ولكن لا يبدو مؤكداً أن الأسد، وكذلك الدولة الإسلامية، سوف يتماشيا مع تلك الخطة. فإن  خسر الجيش السوري الحر آخر معاقله في حلب بسبب نقص الدعم الدولي له، سيتحول خوف الإدارة من عدم وجود شريك يمكن الاعتماد عليه في سوريا إلى نبوءة ذاتية التحقق.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب