الخطط النووية الإقليمية في أعقاب صفقة إيرانية

ورقة بحثية

في نيسان/إبريل 2009، قال العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز مقولته الشهيرة للمبعوث الأمريكي الخاص دنيس روس إنه "إذا امتلك الإيرانيون سلاحاً نووياً سنمتلك سلاحاً مماثلاً". تشير مثل هذه التعليقات إلى أن القادة في الرياض والعواصم الخليجية الأخرى سيدرسون عن كثب أي اتفاق يتم التوصل إليه مع ايران، سواء عند انتهاء المحادثات النووية الحالية في 24 تشرين الثاني/نوفمبر أو بعد انتهائها. يُذكر أن رسالة المملكة العربية السعودية التي تم إيصالها مراراً وتكراراً، والتي أوصلها مؤخراً إلى واشنطن رئيس المخابرات السابق الأمير تركي الفيصل بن عبد العزيز، تتجلى في أن دول الخليج العربي ستريد الحصول على كل ما تحصل عليه إيران. وبغض النظر عما تطمح إليه الولايات المتحدة، يمكن للمملكة العربية السعودية والكويت وقطر والإمارات العربية المتحدة وربما حتى الأردن أن تطرح قضية معقولة تماماً كايران لبناء محطات للطاقة النووية. فمن وجهة نظر هذه الدول، إذا كان سيُسمح لإيران بتخصيب اليورانيوم والاحتفاظ بصواريخها ذات القدرة النووية، وهذا ما يعتقدون أنه سيحصل على الأرجح نظراً إلى النهج الذي قيل أن واشنطن تتبعه في المفاوضات حتى الآن، فلماذا إذاً لا يُسمح  لها باكتساب قدرات مماثلة؟

حسابات الإمارات العربية المتحدة النووية

من المرجح أن يكون التحدي الأول الذي قد يواجه نجاحاً دبلوماسياً مع إيران، حتى لو كان محدوداً، من جهة أبو ظبي، وهي المشيخة الرائدة في دولة الإمارات العربية المتحدة. على الرغم من أن حوالي 10 بالمائة من النفط في العالم موجود في أراضيها، فإن الإمارات العربية المتحدة تتمتع بالخطط الأكثر تقدماً في المنطقة على صعيد الطاقة النووية المحلية. إذ إن أول منشأتين نوويتين في أراضيها هما قيد الإنشاء، ومن المقرر البدء بالعمل فيهما بشكل متتالي في العامين 2017 و 2018. يُشار إلى أن أبوظبي حصلت على مفاعلات من كوريا الجنوبية، ولكن بغية تأمين الحصول على التكنولوجيا والمواد والمعدات الأمريكية، وافقت أيضاً على التخلي عن تخصيب اليورانيوم من خلال التوقيع على ما يسمى بـ "الاتفاق 123" بناءً على طلب من واشنطن.

مع ذلك فإن التزام دولة الإمارات العربية المتحدة المستمر في الامتناع عن التخصيب مضمون بالكاد. فمن جهة، قد يتيح "اتفاق 123" بحد ذاته مخرجاً لأبوظبي. فالاتفاق معروف باسم "123" بسبب الفقرة 123 من "قانون الطاقة الذرية" للعام 1954 الذي ينظم التعاون النووي بين الولايات المتحدة والدول الأجنبية. وبناءً على كيفية قراءة "المحضر المتفق عليه" الملحق بهذه الفقرة، في حال توصلت واشنطن وشركائها من مجموعة "الخمسة زائد واحد" (روسيا والصين وفرنسا وبريطانيا وألمانيا) إلى اتفاق مع إيران، قد تحصل الإمارات العربية المتحدة على سبب لإعادة التفاوض على حقوقها في تخصيب اليورانيوم. ولا بد من الإشارة بشكل خاص على مقطع من المحضر يقول: "يجب ألا تكون مجالات التعاون وأحكامه وشروطه الممنوحة ...أقل أفضلية من حيث النطاق والتأثير من تلك التي يمكن أن تُمنح من وقت لآخر إلى أي دولة أخرى لا تمتلك أسلحة نووية في الشرق الأوسط في إطار اتفاق تعاون نووي سلمي".

 الأهم من ذلك، في حال قررت الإمارات العربية المتحدة أن استئناف عملية التخصيب، سواء وحدها أو مع شركائها  في الخليج، هو أمر يصب في مصلحتها، فإنها لن تحتاج إلى أن تطلب من واشنطن إعادة التفاوض على "اتفاق 123". بدلاً من ذلك، يمكنها ببساطة التخلي عن التعاون النووي مع الولايات المتحدة بالكامل والحصول على المساعدة التقنية التي تحتاجها من مكان آخر. الجدير بالذكر أن سلوك الإمارات أي من الطريقين سيعتمد على قرار ولي العهد الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، حاكم أبو ظبي الفعلي، الذي لا يُضاهي إعجابه بالولايات المتحدة سوى خيبة أمله من سياسات إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما. إذ غضب بالفعل عندما سمحت واشنطن للنشوة الأولى من "الربيع العربي" بأن تصرف اهتمامها عن إيران، ويُقال أنه غاضب في الوقت الحالي من احتمال أن يتم التأكيد على وضع طهران شبه النووي من خلال اتفاق لا يستحق برأيه حتى الورقة المكتوب عليها.

إضافة إلى ذلك، لم يصرّح المسؤولون الإماراتيون أبداً بشكل علني عن استئناف البلاد تخصيب اليورانيوم في حال سُمح لإيران بذلك. بيد أنه من غير المؤكد ما إذا كانوا يلتزمون الصمت لأنهم لا يخططون لذلك أو لأنهم لا يرغبون في كشف أوراقهم.

التفكير السعودي

لا تصل خطط المملكة العربية السعودية للطاقة النووية إلى مستوى خطط الإمارات العربية المتحدة في هذا الشأن إلا أنها تتسم بطموح أكبر، إذ سيتم بناء ستة عشرة منشأة على مدى السنوات العشرين المقبلة. وعلى الرغم من أن المملكة تمتلك حوالي ربع احتياطيات النفط في العالم، إلا أن طلبها المتزايد بسرعة على الطاقة قد يستنزف الكثير من صادراتها النفطية إن لم تجد وسائل للحد من الاستهلاك. بالتالي فإن التحول نحو مصدر وقود بديل لتوليد الكهرباء وزيادة كفاءة استخدام الطاقة هما أكثر وسيلتين واعدتين.

لكن طموح المملكة هذا سيوسع من قدراتها. فحتى الآن لديها مؤسسة نووية واحدة فقط فاعلة، وهي مدينة الملك عبد الله للطاقة الذرية والمتجددة. وعلى الرغم من إسم المؤسسة الذي يبدو مدنياً، فقد أشار مسؤول أمريكي الشهر الماضي إلى أن النوايا النووية المتصورة في المملكة لم تكن واضحة أو صريحة، وأن انتقال قيادة مدينة الملك عبد الله للطاقة الذرية والمتجددة الذي تم مؤخراً يمكن أن يكون أيضاً عبارة عن غطاء لتغيير للسياسات.

خطط خليجية أخرى

تباطأت تحركات الكويت النووية الأولية في الآونة الأخيرة، إلا أنها لم تتوقف نهائياً. ففي العام 2009، شكلت الحكومة "اللجنة الوطنية الكويتية لاستخدامات الطاقة النووية للاغراض السلمية". إضافة إلى ذلك، تم إجراء دراسات حول الجدوى الاقتصادية ودراسات استقصائية في الموقع، كما وتم إرسال الطلاب إلى الخارج لتحصيل التعليم المتخصص. وعلى الرغم من أنه تم إلغاء قسم كبير من البرنامج الناشئ بعد الحادث النووي الذي وقع في اليابان في العام 2011، إلا انه تم نقل أنشطة اللجنة إلى معهد الكويت للأبحاث العلمية، ووضعت خطط لإقامة منشأة للأبحاث والتدريبات النووية.

من جهتها، تحققت قطر أيضاً من جدوى الطاقة النووية المحلية. ففي العام 2008، أعلنت عن أنها لا تعمل على أي خطط من هذا القبيل، ولكن بعد عامين طرحت احتمال مشروع نووي إقليمي. يُذكر أن الدوحة كانت قد وقّعت أيضاً اتفاقية تعاون مع شركة "روساتوم" للطاقة النووية وهي مؤسسة حكومية روسية.

أما بالنسبة إلى الأردن فقد استمر في التطرق إلى خطط الطاقة النووية بطموح. ففي أيلول/ سبتمبر، وقع اتفاقاً مع شركة تابعة لشركة "روساتوم" بهدف التوصل إلى عقد بناء نهائي في غضون عامين. ومن المتوقع أن تصل تكاليف محطة توليد الطاقة إلى 10 مليارات دولار، وهو مبلغ ستتولى روسيا دفع نصفه. كما أن الأردن لديه أيضاً خطط تتعلق باستخراج رواسب اليورانيوم المحلية وهو يعمل مع كوريا الجنوبية على مشروع لبناء مفاعل صغير للأبحاث والتدريبات.

الصواريخ وأجهزة الطرد المركزي وباكستان

في هذا الصدد، نذكر من بين أوضح الإشارات حول كيفية نظر زعماء دول الخليج إلى الدبلوماسية الإيرانية، قرار المملكة العربية السعودية في التفاخر بصاروخين من الصواريخ ذات القدرة النووية في خلال العرض العسكري في نيسان/ إبريل. وقد حصلت المملكة على الأسلحة من الصين في الثمانينات لكنها لم تقم بعرضها على العلن حتى الآن، بالتالي فإن التوقيت كان بارزاً. فدول الخليج العربي تعتقد أن الصفقة النووية التي تنوي واشنطن عقدها مع طهران من غير المرجح أن تشمل قيوداً على ترسانة النظام من الصواريخ بعيدة المدى التي من الممكن تعديلها لحمل رأس حربي نووي. في هذا الإطار، كان قرار مجلس الأمن رقم 1929 (2010) قد دعا إيران إلى وقف العمل على الصواريخ ذات القدرة النووية، ولكن ليس هناك ما يدل على أن إيران التزمت بالقرار.

من جانب باكستان، يبقى دورها المحتمل في الانتشار النووي مثيراً للقلق أيضاً. فقد كان قائد الجيش الباكستاني الجنرال رحيل شريف من بين الوجهاء الذين شاركوا في العرض العسكري السعودي في الربيع الماضي (ولا بد من الإشارة إلى أنه قام بزيارة رسمية إلى واشنطن في وقت سابق من هذا الأسبوع). فحتى لو كانت الإدارة الأمريكية تأمل بأن يقضي اتفاق مع إيران على احتمال أن تقوم الرياض باقتراض أو بشراء رؤوس نووية من باكستان، فإنه يجب بها أيضاً أن تنظر في الإمكانية الواضحة المتجلية في أن يطلب السعوديون من إسلام أباد تكنولوجيا للتخصيب. يُشار إلى أن باكستان تشغّل حالياً أجهزة الطرد المركزي P-2، أي ما يعادل أجهزة الطرد المركزي الإيراني من نوع IR-2m ، الذي يسبب الكثير من القلق بسبب كفاءته الأعلى مقارنة بأجهزة الطرد المركزي من نوع IR-1 التي بحوزة إيران بأعداد أكبر.

منذ وقت بعيد، أي منذ الثمانينات، ترتبط المملكة العربية السعودية، إلى جانب الإمارات العربية المتحدة، ببرنامج التخصيب الباكستاني. وقد شمل هذا الارتباط استضافة العالم النووي المثير للجدل عبد القدير خان، الذي تم وضعه تحت الإقامة الجبرية منذ عشر سنوات عندما تم الكشف عن تعامله النووي مع إيران وليبيا وكوريا الشمالية. وقبل وقت طويل من عملية اعتقاله والإفراج عنه لاحقاً، كان خان يقوم بزيارات متكررة للمملكة العربية السعودية، إذ يضم أحد الكتيبات الذي يعود إلى العام 1998 حول التجارب النووية الأولى لباكستان صوراً له في خلال لقائه وزير الدفاع السعودي السابق الأمير سلطان بن عبد العزيز، وكذلك المرحوم الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، وهو والد ولي العهد الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ومؤسس دولة الإمارات العربية المتحدة. وفي العام 1989، زار الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان، وقد كان في ذلك الوقت وزير الإعلام في الإمارات وهو الآن وزير الخارجية فيها، محطة لتخصيب اليورانيوم في باكستان تقع في منطقة كاهوتا خارج إسلام أباد.

يبدو أن إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما تعتقد بأنه بإمكانها وقف انتشار التكنولوجيا النووية لحلفائها في الخليج من خلال دفع الموردين إلى الإصرار على أنظمة تفتيش صارمة للغاية مثل تلك المستخدمة في إيران. بيد أنه من غير المحتمل أن تحبذ الدول الخليجية، التي هي شريكة الولايات المتحدة منذ فترة طويلة، فكرة أن يُقال لها أنه سيتم التعامل معها بنفس طريقة التعامل مع إيران، بكل ما يحمل سجلها الحافل من انتهاكات لالتزاماتها أمام الوكالة الدولية للطاقة الذرية. إضافة إلى ذلك، فإنه من غير الواضح بأي شكل من الأشكال ما إذا كان جميع الموردين المحتملين لتكنولوجيا التخصيب، مثل باكستان، سيفرضون مثل هذه القيود الصارمة على دول الخليج. باختصار، في حال تم التوصل إلى اتفاق مع إيران، ولم يحبذ زعماء دول الخليج ذلك، فإن منع انتشار التكنولوجيا النووية في المنطقة سيطرح تحدياً كبيراً.

 
 

مصدر الترجمة: 
Washington Institute for Near East Policy