الدب يستيقظ: العسكرية الروسية تعود

مقال رأي

كانت أحد الخصائص المميزة لرئاسة فلاديمير بوتين التزامه بتنشيط الجيش الروسي. كان بوتين قد أشار إلى أن ضعف روسيا الملموس يجعلها عرضة للضغوط الخارجية والاضطرابات الداخلية، لذا فهو يضغط من أجل زيادة التمويل لتحويل القوات المسلحة الروسية من البقايا المنهكة التي ورثها من الآلة العسكرية للقوة السوفيتية العظمى القديمة إلى قوة أصغر، لكن أكثر حداثة، وحركة، وقدرة وتقدما تكنولوجيا، بحيث تناسب القرن الحادي والعشرين.

في عام 2013، في كلمة ألقاها في يوم "المدافعين عن أرض الآباء"، أعلن الرئيس الروسي: "أن ضمان تمتع روسيا بقوة عسكرية موثوق بها هي الأولوية للسياسة لدولتنا. وللأسف، فإن العالم الحالي هو أبعد ما يكون عن السلام والأمان. فينضم على الصراعات القديمة طويلة الأمد غيرها جديدة، ولكنها لا تقل صعوبة. ويزداد عدم الاستقرار في مناطق واسعة من العالم ".

هذا ليس كلاما فارغا. فهذا الخطاب يقابله تخصيص اعتمادات موارد متزامنة ؛ وتشارك روسيا الآن في أكبر حشد عسكري منذ انهيار الاتحاد السوفياتي قبل أكثر من عقدين من الزمن، مع زيادات كبيرة في ميزانية الإنفاق الدفاعي كل عام حتى 2020. وقد دفع بوتين لصالح هذا البرنامج حتى على الرغم من اعتراضات البعض داخل الكرملين، الذين قلقوا حول التكاليف والتأثير السلبي المحتمل على الازدهار الروسي؛ وكانت معارضة التوسع في الإنفاق العسكري أحد الأسباب التي غادر وزير المالية ألكسي كودرين – الذي خدم لمدة طويلة - من أجلها مجلس الوزراء قبل عدة سنوات.

بقية العالم ينتبه لذلك!

بعد سنوات من التفكير في روسيا وكأنها "فولتا العليا التي لديها صواريخ"- فهي الأمة التي تمتلك مخزونا نوويا استراتيجيا كبيرا ولكن قواتها التقليدية لم تجلب لنفسها المجد بشكل خاص في عملياتها بعد انهيار الاتحاد السوفيتي- ولدت الخطط الروسية للإصلاح العسكري وإعادة التسلح بعض القلق، لا سيما في منشئات الأمن القومي الأمريكي، الذي كان يفترض أن روسيا لن تكون في وضع يمكنها من فرض الكثير من القوة عبر حدودها. لذا، فاستئناف دوريات قاذفات القنابل في المحيطين الأطلسي والهادئ، وإيفاد قوات عمل (وخاصة لمنطقة البحر الكاريبي)، وحملة عام 2008 ضد جورجيا، وحجم النمو والتطور في المناورات السنوية المشتركة مع الجيش والبحرية الصينيين، قد عملت جميعها لإحياء صورة روسيا كتهديد عسكري. فالمبرر من أجل نفقات وزارة الدفاع الامريكية، والتي ركزت في السابق إلى حد كبير على الزيادات في الإنفاق الصيني، تحسب الآن حساب الحشد العسكري الروسي أيضا.

وبمعاينة تقارير الميزانية وأوراق المستندات، تبدو الخطط الروسية- بقيادة وزير الدفاع سيرجي شويجو وديمتري روجوزين، نائب رئيس الوزراء المسؤول عن الصناعة الدفاعية-  مثيرة للإعجاب بالتأكيد، بل ومشؤومة أيضا. وإذا كانت ميزانية بناء السفن للبحرية الروسية - قبل بضع سنوات فقط- أقل من 10 في المئة من البحرية الامريكية، فقد أغلق الروس الآن تلك الفجوة، بل أن الروس -من حيث الإنفاق في الميزانية- ينفقون الآن حوالي نصف ما سوف يكون مخصصا للبحرية الامريكية لبناء سفن جديدة. وبحلول عام 2020، سيتم هيكلة الجيش الروسي إلى ألوية قتالية مستعدة وقادرة على الانتشار بسهولة، بهدف أن تكون تلك القوات مجهزة بنسبة 70 في المئة على الاقل بالجيل القادم من الأسلحة والمعدات. وإذا سارت الأمور وفقا للخطة، سيصبح تعداد الجيش الروسي - بحلول عام 2020 - مليون فرد في الخدمة الفعلية، تدعمهم 2300 دبابة جديدة، وحوالي 1200 طائرات هليكوبتر وطائرات أخرى جديدة، وستستحدث البحرية خمسين باخرة سطحية جديدة وثمانية وعشرون غواصة، إلى جانب مائة قمر صناعي جديد مصمم لتعزيز قدرات الاتصالات والقيادة والسيطرة في روسيا. وقد التزم بوتين بإنفاق المليارات على مدى العقد القادم للوفاء بهذه المتطلبات.

ويدعم عدد متزايد من الروس الحشد العسكري. فأظهر استطلاع مركز ليفادا أن 46 في المئة من الروس يساندون زيادة الإنفاق العسكري حتى لو أدى ذلك إلى تباطؤ الاقتصاد (مقابل 41 في المئة يعارضون ذلك إذا تسببت زيادة الإنفاق على الدفاع في مصاعب اقتصادية). وسبب ذلك جزئيا هو الخوف المتزايد من أن الموارد الطبيعية الشاسعة في روسيا- وخاصة في منطقة القطب الشمالي- عرضة للخطر إذا كان البلد يفتقر إلى الوسائل اللازمة لحمايته. لفد حذر روجوزين نفسه باستمرار أنه بدون قوة عسكرية حديثة، فروسيا معرضة "للنهب" في المستقبل.

إلا أنه غالبا ما يكون هناك فجوة ملحوظة بين النوايا الروسية المعلنة والنتائج القابلة للتنفيذ. إلى أي مدى يمكن لهذه الأهداف الطموحة أن تتحقق؟

استعد بعض المراقبين لشطب هذه الخطط بدعوى أنها دعاوي وهمية، أو طرق جديدة ومبتكرة لنقل كمية أكبر من أموال الدولة الروسية إلى أيدي القطاع الخاص من خلال مخططات فاسدة مبتكرة. بالتأكيد، يمثل أي توسع  في الميزانية العسكرية فرصا هائلة للكسب غير المشروع. ولكن سيكون من الخطأ استبعاد دليل واضح على أن هذا الحشد يستعيد قدرات القوات المسلحة الروسية التي فقدت بعد انهيار الاتحاد السوفياتي. في الأشهر الثمانية عشر الماضية، أجرت روسيا مناورات عسكرية على نطاق لم يسبق له مثيل منذ نهاية الحرب الباردة (مثل المناورات العسكرية التي اختتمت مؤخرا في الشرق الأقصى). ومع استمرار تسليط الضوء على المشاكل مع أنظمة القيادة والسيطرة ومع المعدات، فقد أثبتت أيضا أن الإصلاحات بدأ تأثيرها، وأن روسيا قادرة على إيفاد قوة أكثر فاعلية وتحركا.

وهذا يقلق الناتو بشكل كبير. فقدرة حلف شمال الأطلسي على إجراء عمليات "خارج المنطقة"، إلى جانب القرار الذي اتخذته معظم البلدان الأوروبية للخفض الكبير في الإنفاق الدفاعي، كان يقوم على افتراض أن روسيا لم تعد تشكل تهديدا. ورغم أنه ليس هناك من يتوقع استعداد الدبابات الروسية مرة أخرى إلى الانطلاق إلى فجوة فولدا، يجب إعادة النظر في التوقع الأمريكي أن أوروبا يمكن أن تصبح "مصدر أمني" إلى أماكن أخرى من العالم أكثر اضطرابا، وذلك لأن روسيا قد أنهت حالة "نزع السلاح" التي كانت تتبعها في تسعينيات القرن العشرين، وهي الحالة التي استندت عليها مثل هذه التوقعات.

وفي الوقت نفسه، فإن الحشد لن يكون مسألة سلسلة بالنسبة للحكومة الروسية.

فالمسألة الأولى هي ما إذا كانت صناعة الدفاع الروسية يمكنها في الواقع أن تنتج الأدوات المطلوبة في الاستراتيجية الدفاعية الجديدة. وقد لاحظت ديمتري جورنبرج من مركز التحليلات البحرية أن الخطط الصادرة عن وزارة الدفاع تعتمد على تقييمات مفرطة في التفاؤل بالنسبة للسرعة التي يمكن للمصانع وأحواض بناء السفن الروسية أن تنتج معدات جديدة – وذلك بفرض أنه لن يكون هناك تأخير أو مشاكل فنية أو تصميمية أو عقبات. وقد أدت مشاكل التصميم بالفعل إلى التأخير لمدة سنتين في تنفيذ أمر لشراء الدولة لسبعة وثلاثين طائرة سو 35 ، والتي لن يتم الوفاء بها حتى عام 2016. ويقول جرونبرج وغيره من الخبراء انه من المستبعد جدا أن ذلك الحشد العسكري سوف يقترب من تحقيق الأهداف المعلنة.

وعلاوة على ذلك، لا يزال المجمع الصناعي العسكري الروسي بعيدا عن تحقيق مستوى "خالي تماما من العيوب" عند إنتاج المعدات. لذا فسلسلة من الإخفاقات في صنع الصواريخ (خاصة في صواريخ بولافا البالستية التي تطلق من الغواصات)، والتأخير في إنتاج السفن الجديدة (أو في تجهيز حاملة الطائرات الاميرال غورشكوف / فيكراماديتيا المحدثة للخدمة في سلاح البحرية الهندي)، ومشكلات مراقبة الجودة في السيارات،  قد أدت جميعها إلى إثارة الأسئلة حول دقة المنتجات العسكرية روسية الصنع.

وهناك أيضا قلق حقيقي حول صحة قطاع البحث والتطوير في روسيا وما اذا كانت روسيا يمكنها أن تنتج محليا العديد من التقنيات اللازمة لإنتاج منظومات أسلحة الجيل الخامس أم لا. قاوم وزير الدفاع السابق اناتولي سيرديوكوف بقوة الضغط في اتجاه أن يأمر ببساطة بإنتاج نسخ أحدث قليلا من معدات الحقبة السوفياتية القديمة، على الرغم من أن قطاع الصناعة الروسية كان يضغط من أجل زيادة طلبات الدولة، وسعى لاستيراد معدات دفاعية من الخارج، بما في ذلك طائرات بدون طيار من إسرائيل ومركبات خفيفة متعددة المهام من نوع إفيكو من إيطاليا، وسفن هجومية برمائية ميسترال من فرنسا، وذلك لتزويد الجيش الروسي بأحدث التقنيات التي لا يمكن أن تنتجها هيئات محلية. (سيكون إيجاد طرق لترخيص أو عكس هندسة التكنولوجيا العسكرية الأجنبية أحد المهام الرئيسية في صناعة الدفاع الروسية في العقد القادم). ولقد كان الاستياء الناجم عن استعداد سيرديوكوف للجوء إلى موردين أجانب أحد العوامل المساهمة في إزالته من منصبه في وزارة الدفاع العام الماضي.

حاول سيرديوكوف أيضا إصلاح هيكل القوى العاملة في الجيش الروسي، حيث أثار أيضا معارضة كبيرة بسبب جهوده للحد من حجم سلاح الضباط (وخصوصا عدد الضباط العوام وضباط العلم) وتحويل الجيش الروسي عن الاعتماد على مشروع نحو تطوير قوة محترفة متطوعة. ولكن الخطط المعلنة لزيادة حجم الجيش النظامي تعارض الحقائق الديموغرافية في روسيا. روسيا لديها نقص في اليد العاملة. وقد قلل انتعاش الاقتصاد الروسي من فائض العمالة الزائدة التي كانت ليستوعبها المشروع في السنوات الماضية. لذا فبسبب التأجيل وزيادة المشاكل الصحية لدى بعض شرائح السكان الروس، فإن نحو 60 في المئة من من الشباب الذكور سن التجنيد غير مؤهلين للخدمة الآن. وكانت الجهود المبذولة لجعل عقد الخدمة أكثر جاذبية (بعد بعض الإصلاحات التي أجريت في الولايات المتحدة في التحول إلى قوة تعتمد تماما على المتطوعين في سبعينيات القرن العشرين) قد لاقت بعض النجاحات، ولكن في الوقت الذي أعلن فيه الجيش الروسي أنه سيتم إنشاء أربعين لواء جديدا بحلول عام 2020 (بالإضافة إلى الألوية السبعين الموجودين بالفعل)، فإنه يجب أيضا التعامل مع واقع أن العديد من الوحدات القائمة تضم أقل من قوتها المطلوبة ب25 في المائة. يجب على شويجو مواصلة الإصلاحات حول كيفية تجنيد (ومعاملة) الجيش الروسي لأفراده – فلا يتناسب المشروع الإلزامي والظروف القاسية التي أنشأها النظام الذي يطلق عليه ديدوفشتشينا ( حيث يتلقى المجندين الجدد المضايقات من ضباط الصف وغيرهم من الرؤساء) مع خلق قوة عسكرية أكثر مهنية قادرة على جذب واستبقاء المتطوعين. ربما يكون ايضا المبلغ الذي يجب إنفاقه على زيادة الرواتب والامتيازات والحوافز لجذب المزيد من الروس للتعاقد للدخول في الخدمة أكثر مما تستعد مؤسسة الدفاع على دفعه.

يتوقف الكثير على عدة عوامل. الأول هو ما إذا كانت المالية الروسية سوف تتمسك بنفس المستوى المتوقع من للأموال الناتجة عن تصدير النفط والغاز الطبيعي لدعم التحول العسكري. لذا فأي انهيار كبير في أسعار الطاقة، سيعيق هذه الخطط. والثاني هو ما إذا كانت صناعة الدفاع الروسية يمكن أن تصبح أكثر مرونة وتكيف. هل سيستخدمون الزيادات في الإنفاق الحكومي لكشف النقاب عن منتجات جديدة بنجاح؟ سيكون هذا مهما ليس فقط للوفاء بمتطلبات بوتين ولكن أيضا للاحتفاظ بالأسواق الروسية الخارجية المربحة عادة من مبيعات السلع العسكرية. ستفقد روسيا قدرتها التنافسية ليس فقط أمام المنافسين الأمريكين والأوروبين، ولكن أيضا أمام للشركات الصينية إذا لم تتمكن من مواكبة أحدث التطورات في تكنولوجيا الدفاع. والنقطة الثالثة هي ما إذا كان الجيش الروسي يمكنه الحصول على القوى العاملة التي يحتاجها، سواء من خلال تقديم شروط أفضل لعقد الخدمة الذي يقدمه أو بالسماح للتجنيد في صفوف السكان الناطقين بالروسية في أماكن أخرى من الاتحاد السوفياتي السابق.

ولكن حتى لو لم تتحقق أهداف وزارة الدفاع الطموحة بعدد الموظفين التي تتوقع أن يكونوا في سلاحها، وكمية المعدات المتطورة التي تأمل في إمدادها للجيش، فإن قوة الجيش الروسي في ازدياد. قد لا تكون روسيا في وضع يمكنها من تحدي الولايات المتحدة مباشرة، والتي لا تزال تفوق إنفاق موسكو بكثير، ولكن بالنظر إلى الاتجاهات الإقليمية الأخرى، لا سيما في أوروبا، فهي تستعيد قدراتها التقليدية التي تسمح لها بالترقي ثانية لمكانة قوة عظمى. ولا يزال السؤال مطروحا، ما إذا كانت تلك الثقة التي ستنتج عن ذلك سوف تجعل روسيا أكثر تعاونا أو عرقلة على الساحة الدولية.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب