السودان: ثورة بانتظار زعيم

مقال رأي

في إحدى الأمسيات العذبة في الخرطوم، انسل العاملون عبر العشب المتلألئ لتقديم أطباق الدجاج والسلمون والروبيان لمناسبة ليلة افتتاح مهرجان الأفلام في العاصمة السودانية، وبعد بعض  الخطب الرتيبة، تجمع الضيوف تحت ضوء النجوم لمشاهدة فيلم عن باتريس لومومبا، أحد مقاتلي الكونغو من أجل الاستقلال الذي استطاع أن يطيح بنظام الكونغو الوحشي والاستبدادي

كانت القصة تضرب على وتر حساس بالنسبة لبعض الجمهور السوداني، حيث قال حاتم موسى عبد العزيز وهو يعمل كاداريا “ لم يكن لدينا أي شخص من هذا القبيل الذي بامكانه أن يلهم الناس و يقود المعارضة.الناس يقولون نعم الحكومة سيئة، ولكن لا يوجد بديل عنها مما يعطي شريان الحياة للحزب الحاكم. لو كان لدينا شخص واحد مثل لومومبا، لاستطاع ان يجمع أحزاب المعارضة و  يصبح مصدر الهام وتشجيع لجيل الشباب

السودان التي لها حدود مع مصر وليبيا تعيش ثورة في طور الانتظار ، ثورة في حاجة لزعيم.فالاقتصاد في أدنى مستوياته منذ عقود في أعقاب انفصال الجنوب الغني بالنفط وضغط العقوبات الأمريكية الذي خلف ملايين الجياع والعاطلين عن العمل.و يعم العداء على نطاق واسع تجاه عمر البشير، الرئيس الذي يقوم باعتقال الناشطين بانتظام و يفرض الرقابة على الصحفيين وهو رئيس متهم بالإبادة الجماعية وجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية

و أعلن الشهر الماضي عن قضاء البشير اكثر من ٢٥ عاما بالسلطة و انه سيخوض الانتخابات العامة في نيسان المقبل و من المؤكد أن يفوز. عندما قام رئيس بوركينا فاسو بليز كومباوري مؤخرا بمحاولة مماثلة لمحاولة البشير لتمديد حكمه الحديدي و الذي امتد الكثر من ٢٧عاما، تحطم حلمه بسب ثورة شعبية عارمة وتبعثرت اماله مثل تبعثر الزهر في مهب الريح

فعلى الرغم من أن حكم البشير يترنح في مكانه، فان الثورة في ثالث أكبر بلد في أفريقيا لا زالت امرا بعيدا. وقددبت الحياة في الشرايين الاقتصادية لحكم البشير من قبل الصين وايران وقطر، ويقال انه يعتمد بشكل متزايد على جهاز المخابرات والأمن وميليشيا الجنجويد للحماية الشخصية التي جعلت اسمها مصدر للرعب في المنطقة الغربية من دارفور. و كان البشير قد استغل سياسة فرق تسد لاستغلال التوترات العرقية، في حين أن العديد من السودانيين من ذوي التعليم العالي و الذين كانوا بالامكان ان يصبحوا قادة السودان قد ذهبوا إلى المنفى

Anti-government protesters in Sudan in September 2013. Omar al-Bashir

 اعداد من المعارضة في احتجاج ضد الحكومة في السودان في ايلول عام ٢٠١٣ Photograph: Khalil Hamra/AP

من الممكن أن لا يكون مصير البشير مثل مصير كومباوري ولكن ربما مثل رئيس زيمبابوي روبرت موجابي والبالغ من العمر ٩٠ عاما

أطاح السودان الأنظمة العسكرية مرتين من قبل في عام ١٩٦٤ و ١٩٨٥، وبدا في سبتمبر من العام الماضي ان لحظة حساب البشير قد حانت. فقد خرج الآلاف إلى الشوارع ظاهريا احتجاجا ضد ارتفاع أسعار الوقود، ولكن كانت هناك كل مؤهلات الانتفاضة و الثورة. و كان رد الدولة هو ذبح ما يقرب اكثر من ٢٠٠ مدني بدم بارد أصيب اغلبهم في جبهته إلى جانب ما لا يقل عن ٨٠٠ حالة من الاعتقالات وسط تعتيم إعلامي شديد. وبعد ذلك بعام ألقي القبض على العديد من الزعماء المشتبه بهم لمنعهم من الاحتفال بالذكرى الاولى للمناسبة

غازي صلاح الدين العتباني كان يعمل مستشارا للبشير حتى اختلف معه بشأن التعامل مع الاحتجاج يؤكد أن هناك حالة من الذعر في قلب الحكومة والخوف من أن الربيع العربي قد وصل الى السودان واضاف “هذا صحيح جدا”، وقال في مقابلة مع صحيفة الغارديان في مسكنه الواسع المطل على نهر النيل. لهذا السبب كان الرد قاس جدا وأخذوا يرددون إذا حدثت انتفاضة أخرى فسوف تسحق تماما

ويبدو أن التكتيك اتى أكله على الأقل في الوقت الراهن. وأضاف العتباني: “أعتقد أن الشعب السوداني لا يزال في حالة صدمة بسب عدد القتلى. إنهم خائفون. لا تزال الحادثة في ذاكرتهم. لا نتوقع انتفاضة كبيرة لغاية العامين المقبلين 

الانقسامات القائمة منذ فترة طويلة على أسس عرقية وطائفية وسياسية قللت مسألة حدوث ثورة، وقال أنه يعتقد أنها لا تزال في طور التكوين. لم نتوصل الى حالة قومية، ونحن بحاجة لنتوحد على أشياء كثيرة. شهدنا انفصال الجنوب ونظريا من الممكن أن تنفصل أجزاء أخرى . إنها لحظة حاسمة في تاريخنا: الحنكة السياسية هي ما ينقصنا

تقلصت قوة البشير على الحكم بشدة منذ أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرة توقيف بحقه قبل خمس سنوات. حيث وجهت المحكمة له اتهامات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الانسانية بعد حملة من أعمال القتل والتعذيب والاغتصاب ضد المدنيين في دارفور حيث قتل مئات الآلاف و تشرد الملايين خلال عشر سنوات من القتال بين الحكومة و المتمرديين.و اضاف القضاة في وقت لاحق ثلاث تهم اخرى للإبادة الجماعية

و لكن كل هذا جاء بامر غير متوقع، كما يقول المحللون، و هو أن البشير البالغ من العمر ٧٠ عاما عازم على التمسك بالسلطة بأي ثمن لأنه يخشى ان أي خليفة له قد يسلمه إلى محكمة لاهاي

و لهذا يعم مناخ من الخوف واستعراض للقوة حيث يمكن رؤية الجنود النظاميين في المركبات العسكرية بدوريات في الشوارع المغبرة في الخرطوم أو عبور الجسور على النيل. حتى الجنجويد، الذين هم مجموعة من قطاع الطرق والمرتزقة، يقومون بالاستعراض في العاصمة. وفي الوقت نفسه تقوم طائرات البشير بقصف أبناء شعبه في جنوب كردفان والنيل الأزرق، و لا احد يبالي لان العالم مشغول بامور اخرى

يشبه العتباني قبضة الرئيس على الجهاز العسكري والأمني، وسطوته على حزب المؤتمر الوطني بسطوة فلاديمير بوتين على روسيا. ولكن كشخص اكد العتباني ان البشير أقل رهبة من بوتين. واضاف “انه ودي، محبوب وسخي. وقال بأنه قد لا يبدو كديكتاتور. ولكنك إذا مكنت شخصا ما أكثر من اللازم، فانه سوف يتحول الى الديكتاتورية. إذا قمت بإنشاء نظام رئاسي دون برلمان قوي، فانك تنشى حاكم مستبد

البعض هنا يقول إن العتباني نفسه هو البديل الذي تجمع عليه الأمة. وأعلن الطبيب السوداني، الذي لديه دكتوراه في الكيمياء الحيوية السريرية من جامعة سري في غيلدفورد، عن تاسيس حزب منشق يدعو إلى إجراء إصلاحات ديمقراطية و من المرجح ان ينال ثقة الغرب. ولكن بعض التوقعات تشير إلى أن شخص في الثالثة و الستين من العمر قد لا يكون مصدر الهام للجيل الجديد ويتساءل البعض لماذا كان مع البشير لعقدين من الزمن. واضاف “انه نوع من الوعي بعد وقوع الاحتجاج. “ أود أني فعلت ذلك قبل ١٠ اعوام. أنا الآن انتقد بصوت اعلى بكثير من السابق

جميع الأحزاب السياسية المعارضة و هي جميعا ضعيفة ومنقسمة يترتب عليها بطريقة او باخرىى إقناع الناس المتعبين و الذين نفذ صبرهم بأنها توفر بديل ذي مصداقية للوضع الراهن. وقال الدكتور أمين مكي مدني،٧٢ عام،و هو محامي في مجال حقوق الإنسان ورئيس اتحاد منظمات المجتمع المدني السوداني: نحن حقا بحاجة إلى توافق في الآراء بشأن الشخص الذي سيحل محل هذه الحكومة، وأنه لا بد لي أن أعترف، انه ليس على الطاولة اي بديل الان

وقال الناس لا يريدون الخروج الى الشارع ليقتلوا كالخراف بل ان يخرجوا و يموتوا من أجل مستقبل أولادهم وأحفادهم.انهم يحتاجون نوعا من الامان والا فانها ستكون مجرد مذابح بشعة

وقد أظهر الشباب استعدادهم للذهاب إلى خطوط الجبهة الامامية. و قالت طالبة علم النفس البالغة من العمر ٢٢ عاما، سعدية الشيخ كودك وهي تشير تحت حجابها البرتقالي إلى ندبة على شكل هرم فوق جبينها ناجمة عن هراوة، كما تقول، من قبل جهاز المخابرات والأمن الوطني خلال مظاهرة يوليو خارج البرلمان ضد الحرب في دارفور

واضافت كودك و هي تنحدر من دارفور من أسرة من اللاجئين في شرق تشاد، “لقد حققوا معي وكنت لا ازال انزف. لم يكن هناك أي مساعدة. سألوني عن قبيلتي ولماذا كنت التقط الصور. شعرت وكأني لا انتمي إلى هذا المكان. كانوا يضربونني في وجهي بأيديهم. قالوا لي: شعبك مرفوض و ادعت كودك انه تم اخراجها مع بقية الطالبات اللواتي كن معها من مكان اقامتهن في الجامعة في مدينة الخرطوم بالقوة الشهر الماضي و قد تعرض العديد منهن للاعتقال و التعذيب و التحرش الجنسي و الاهانة العنصرية من قوات الشرطة والامن

وقالت كودك و هي جالسة في حديقة احد المطاعم و ترتدي ملابس عصرية و تحمل جهاز تلفون من نوع سامسونج انها ولدت حين كان البشير في السلطة و لم ترى رئيسا غيره

. وقتل اثنان من أعمامها و أربعة من أبناء عمومتها في دارفور، بينما أصيب شقيقها البالغ من العمر ١٨ عاما وعليه استخدام العصا الان حتى يستطيع المشي. وقالت: “أشعر بالغضب الشديد واريد الانتقام لأعمامي وأبناء عمومتي وان اعمل شيئا لأفراد الأسرة الآخرين الذين لا يزالون على قيد الحياة. إذا تغير النظام، يمكننا أن نجعل من السودان بلد مسالم ودون عنصرية وتمييز

و تنتمي كودك إلى حركة شعبية تدعى “قرفنا” تشكلت قبل الانتخابات الماضية و اختارت البرتقالي لونا لها وعلامة النصر كرمز لها ونشرت ايمانها بالمقاومة السملية من خلال وسائل الإعلام الاجتماعية، فضلا عن الكتيبات العادية و من خلال الكتابة على الجدران واساور المعصم

و قال احمد محمود، ٢٧ عاما، وهو سينمائي ومغني راب سابق: “في قرفنا نعتقد ان السخرية هي المفتاح لكسر الخوف ونحن نسخر من النظام. ولكننا تعرضنا للكثير حيث ان الحكومة منذ عام ٢٠١٢ استهدفت قرفنا و تقريبا دمرتها تماما. وألقي القبض على العديد من أعضاءنا وتعرضوا للتعذيب وأجبروا على مغادرة البلاد

واعتقل محمود نفسه لمدة ١٢ يوما في عام٢٠١١ وتم حلق رأسه و صعقه بالصدمات الكهربائية والضرب بالعصي البلاستيكية وأجبر على تناول الطعام بالقوة والنوم على الأرض مع ٤٠ آخرين في أحد أركان الغرفة. “وكانت معظم الأسئلة، ‘هل أنت شيوعي؟” و اضاف. كان احد المعتقلين من دارفور و تعرض للضرب ا لمبرح حتى كاد ان يفارق الحياة

و يعتقد محمود ان الانتفاضة ضرورية وحتمية في السودان، ولا بد أن تحدث. لانه ليس هناك طريقة أخرى للتغيير.فكل شي يتدهور بدا من الحياة اليومية، والتعليم، والحياة الثقافية. لقد بدأت اولى خطواتي في الهندسة والان إما ان اذهب إلى السعودية أو اتعرف الى شخص يساعدني في الحصول على وظيفة لائقة. يتخرج الطلاب هنا و هم يحملون فكرة الانتقال إلى الخارج للعمل حيث لا توجد وظائف هنا

فقط خلال الأشهر الأربعة الماضية غادر السودان اكثر من ٤٠٠٠ شخص من أصحاب الكفاءات من المدرسين والأطباء وفقا لحزب الامة المعارض.فالاقتصاد في حالة احتضار و يصارع النقص الحاد في العملة الصعبة اللازمة لدفع ثمن واردات الغذاء والدواء في أعقاب خسارة ثلاثة أرباع إنتاج النفط بسبب استقلال جنوب السودان في عام ٢٠١١.و يتهم البشير بالفشل في تنويع الاقتصاد للتعويض خسائر النفط

العقوبات التجارية الأمريكية أصبحت واضحة في غياب شركات عالمية مثل أبل، وجوجل، ماكدونالدز، و بطاقات الائتمان بدأت بالتراجع أيضا وادت الىى حد كبير في قطع السودان عن الأسواق المالية العالمية.وصل التضخم الى نسبة ٤٠ بالمئة و أصبح كيلو من لحم البقر يكلف الآن حوالي ٩ دولار امريكى على الاقل . وتقول منظمة اليونيسيف ان أكثر من ٤،١٠٠،٠٠٠ مليون طفل لديهم احتياجات إنسانية حادة وأكثر من نصف مليون طفل يعانون من سوء التغذية الحاد و هذه الحالة تعتبر واحدة من أكبر أزمات المجاعات التي حدثت في العالم،و فوق كل هذا هناك تدفق اللاجئين من جنوب السودان الذي مزقته الحرب مع ان معظم ميزانية الحكومة تذهب بالانفاق على الأمن

Anti-government protests in Sudan during the funeral of an activist killed by security services in September 2013. Omar al-Bashir Khartoum

 مظاهر الغضب أثناء تشييع جنازة ناشط قتل على يد الأجهزة الأمنية خلال احتجاجات ايلول Photograph: Khalil Hamra/AP

هل نضجت الثورة؟ ربما حيث يواجه المتعلمون مستخدمي اجهزة الحاسوب مهمة شاقة للتواصل مع الفقراء والمهمشين في بلد شاسع حيث واحد فقط من كل خمسة اشخاص يستطيع استخدام الإنترنت. وأشار دبلوماسي غربي إلى أن الخرطوم تفتقر إلى ميدان عام كبير يمكن أن يصبح نقطة تجمع بالمقارنة مع ميدان تيانانمين أوميدان التحرير في مصر. وسوف تكون مهمة شاقة لاي شخص لتوحيد العرب وغير العرب في المناطق الحضرية والريفية،، والفصائل السياسية والطبقات الاجتماعية المختلفة المتنافسة تحت راية واحدة

وقال عوض محمد عوض، ٥١ عاما، ناشر ورئيس تحرير احدي الصحف: “أعتقد أن الناس مستاؤون من الحكومة ولكن من المعارضة أيضا. يقول الناس أننا نفتقر إلى زعيم. نحن فقط بحاجة قائد واحد جدير بالثقة وسوف يقوم الشباب باكمال المهمة. ونحن ما زلنا في انتظار هذا القائد البطل ليظهر ، ثم نقوم بدفعه للامام

أسامة محمد، ٣٢ عام، وهو ناشط لدية اتباع كثيرين عبر الانترنت ويعتقد أنه يمكن القيام بالثورة. و اكد “ان المجتمع السوداني يتمتع بطابع اجتماعي متميز. الناس ترتبط جدا مع بعضها البعض. السودان مثل برنامج فيسبوك على الأرض إلا أننا لا ننتبه لبعضنا البعض في الشارع. الذهاب الى اي الحي في السودان والتحدث إلى الناس في غاية السهولة. أستطيع الذهاب إلى أي مكان في الخرطوم واشعر بالأمان، بما في ذلك الأحياء الفقيرة جدا

واعتقل محمد في عام٢٠١٢، ويقول إنه تعرض للضرب بالانابيب البلاستيكية بعد نشر تغريدة عبر التويتر عن الاحتجاج ثم رفض الكشف عن كلمة السر لهاتفه. وكان من بين المئات من السجناء السياسيين الذين أمروا بالنوم على الأرض وأكل طعام فاسد يحتوي على الديدان. احتجز المعتقلون في زنزانة لمدة شهرين ولم يسمح لهم بخطوة للخارج حتى لبضع لحظات.و سقط العديد منهم مرضى نتيجة الاعياء الشديد

وتوقع محمد ان شيء ما سيحدث. الاقتصاد هو الذي سيغير قواعد اللعبة. الحكومة غير قادرة على ايجاد استراتيجية وحلول من شأنها تغيير الأمور نحو الأفضل. إذا ازداد الاقتصاد سوءا ، فإن كل شي سيخرج عن عقاله. الناس لن تكون قادرة على تحمل أي شيء وسوف يصلون إلى مرحلة انهم ليس لديهم اي شي ليخسروه.

مصدر الترجمة: 
The Guardian