السيسي والنزعة الأخلاقية

مقال رأي

تشهد العاصمة المصرية، في تحرّكٍ ربما ينبئ بالمزيد في المرحلة المقبلة، حملةً قوية ضد مايُصوَّر بأنه انحطاط أخلاقي وخسارة للقيم التقليدية. فقد داهمت شرطة الآداب التابعة لوزارة الداخلية حماماً في وسط القاهرة في السابع من كانون الأول/ديسمبر الجاري، بعد مداهمة مماثلة في تشرين الأول/أكتوبر 2013، وفي الحالتَين، اتّهمت مثليين جنسياً بـ"الفجور". وأعلنت السلطات أيضاً عن مصادرة مقهى بتهمة ممارسة عبادة الشيطان، وأصدر الأزهر ووزارة الشباب ووزارة الأوقاف الدينية بياناً مشتركاً عن إطلاق استراتيجية وطنية لمحاربة الإلحاد. هذه ليست سوى العوارض الأكثر وضوحاً لمسعى دؤوب يهدف إلى إعادة فرض سلطة الدولة الأخلاقية في نظر الرأي العام.

في خضم الوضع الاقتصادي المزري والاضطرابات في سيناء والصحراء الغربية، باتت السلطات تشير بوتيرة متزايدة إلى الأخلاقيات والآداب العامة في خطابها العام. يتعرّض المثليون جنسياً والملحدون على وجه الخصوص للهجوم من المسؤولين ومن الصحافة المصرية التي وصفتهم بأنهم أعداء الشعب (إلى جانب الإخوان المسلمين). وقد نسب بعض المراقبين هذا التزمّت الأخلاقي المفاجئ إلى الحاجة إلى تحويل أنظار الرأي العام عن فضيحة الفساد التي انتشرت عبر مواقع التواصل الاجتماعي في مصر في الأسابيع الأخيرة وعُرِفت بـ"سيسي ليكس". ويعتبر آخرون أن الرجل القوي الجديد في البلاد يحاول أن يثبت أنه قادر على صون قيم المجتمع وتقاليده. في نهاية المطاف، قد تكون هذه فرصةً سانحة أمام الدولة كي تقوم بالأمرَين معاً.

أثارت هذه التطورات قلق الليبراليين المصريين الذين أمِل عدد كبير منهم بأن يساهم عزل الرئيس مرسي العام الماضي في تقنين الحاجة إلى كبح التأثير غير الليبرالي للإسلاميين وتمهيد الطريق لقيام مجتمع مصري أكثر علمانية. وقد زعم مؤيّدو السيطرة العسكرية على الحكم أن الإخوان المسلمين سعوا إلى فرض عقيدتهم المتخلّفة على مختلف جوانب الحياة. لكن بالعودة إلى الوراء، يتبيّن أن إدارة مرسي لم تطلق - سواء عن قصد أم عن غير قصد منها - حقبة جديدة شديدة المحافظية في مصر. فبدلاً من فرض تزمّت أخلاقي صارم مستمَد من القراءة المحافظة للمعايير الإسلامية، حصر الإخوان نشاطهم في هذا الإطار بالميدان التعليمي إلى حد كبير، مع بعض التدخلات في الإنتاج الفني والإعلامي. فقد أقال التنظيم شخصيات ثقافية بارزة وحظر الرسوم الكاريكاتورية واعتقل مقدّم البرامج الساخر الشهير باسم يوسف بتهمة الإساءة إلى الدين. لكن الدعوات التي وجّهها شركاؤه السلفيون في مجلس النواب المصري لحظر الباليه واصفين إياه بأنه "فن العراة"، أو حل مجموعات الدفاع عن حقوق المرأة، أو حظر المشروبات الكحولية، أو تنظيم ملابس البحر، لم تلهم التشريعات سوى بطريقة هامشية. وقد امتنعت إدارة مرسي، إدراكاً منها لتداعيات الأمر على القطاع السياحي، عن تطبيق الفصل بين الرجال والنساء على الشواطئ. وكذلك أرجئ العمل بقرار اتُّخِذ في كانون الأول/ديسمبر 2012 لزيادة الضرائب على الكحول والتبغ، ولم يدخل حيّز التنفيذ سوى في السادس من تموز/يوليو 2014 عندما أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي مرسوماً بهذا الخصوص بغية خفض العجز في الموازنة.

حتى إن المحافظية الدينية للإخوان المسلمين لم تمارس تأثيراً كبيراً على الأرض: لم يمنعوا المصريين من استهلاك الكحول، أو افتتاح مزيد من الأماكن الترفيهية، أو تحدّي المحظورات الجنسية. على النقيض، وبعد تراجع مؤقت إبان انتفاضة 2011، سجّل حجم مبيعات المشروبات الكحولية ارتفاعاً شديداً في العام 2012 - على الرغم من التراجعات الحادة في القطاع السياحي. وقد فتح العديد من البارات والمقاهي الراقية أبوابه في القاهرة، وبعضها مخصّص للمثليين وثنائيي الجنس والمتحولين جنسياً. على الرغم من حكم الإخوان المسلمين، شهدت مصر أيضاً صعود حراك جديد للدفاع عن حقوق المثليين وثنائيي الجنس والمتحولين جنسياً (منها إطلاق مبادرة من أجل تعيين يوم وطني لمكافحة الهوموفوبيا أو رهاب مثليي الجنس والترانسفوبيا أو رهاب المتحوّلين جنسياً)، ماأحيا الآمال بتعزيز التسامح والتحرّر الاجتماعي.

لكن هذه الآمال لم تدم طويلاً. بعد انقضاء نصف عام على تسلّم السيسي منصبه، لايزال مثليو الجنس في مصر يعانون من الوصم بالعار والتمييز الاجتماعي. تُظهر استطلاعات الرأي تفشّي الهوموفوبيا، إذ إن نسبة المصريين التي توافق على أنه ينبغي على المجتمع قبول المثلية الجنسية لاتتعدّى ثلاثة في المئة. وقد عمدت حكومة السيسي، رغبةً منها في استرضاء قاعدتها الناخبة المحافظة، إلى زيادة إجراءاتها بحق المثليين جنسياً. فبعد عزل مرسي، سجّلت المجموعات الحقوقية وقوع أسوأ حملة تضييق تشنّها الدولة ضد المثليين والمتحولين جنسياً وثنائيي الجنس منذ عهد حسني مبارك. فقد اعتُقِل أكثر من 150 شخصاً منذ 30 حزيران/يونيو 2013 على خلفية الافتراض بأنهم مثليون أو متحولون جنسياً، ويواجه عدد كبير منهم أحكاماً بالسجن لفترات طويلة تصل إلى اثنَي عشر عاماً. بما أن العلاقات المثلية الجنس ليست محظورة رسمياً بموجب القانون المصري، لجأت السلطات إلى مجموعة من الأحكام القانونية المتعلقة بـ"الفجور" و"تحقير الدين" و"الآداب العامة" من أجل مقاضاة المثليين جنسياً - وقد استُخدِمت بعض هذه الأحكام أيضاً لملاحقة المتّهمين بالإلحاد والكفر. فضلاً عن ذلك، استُخدِمت القوانين التي تمنع الدعاية غير الأخلاقية بهدف ملاحقة الرجال الذين يبحثون عن شركاء مثليين عبر الإنترنت. ففي أيلول/سبتمبر الماضي، قضت محكمة في القاهرة بسجن ستة رجال لمدّة عامَين مع الأشغال الشاقة بعدما روّجوا لشقّتهم عبر موقع "فايسبوك" كمكان لالتقاء المثليين جنسياً، في قضية قد تكون الأولى من نوعها لناحية إدانة أشخاص بالاستناد إلى أدلّة جُمِعت عبر الإنترنت.

علاوةً على ذلك، فإن التمييز بحق الأشخاص الذين يُشتبَه بأن لديهم ميولاً جنسية مثلية يتجاوز بوتيرة مقلقة ومتزايدة النطاق التشريعي والكلامي في الأشهر الأخيرة: فخلال مداهمة الحمام مؤخراً، وفضلاً عن تكبيل الموقوفين وضربهم، تعرّضوا لتشويه سمعتهم في العلن، وجرى اقتيادهم أمام عدسات الكاميرات التلفزيونية. لقد تحوّل الإذلال الذي يذكّر بعهد مبارك ممارسة روتينية في معاملة القوى الأمنية للمواطنيين المثليين. والفحوص الطبية التي يخضع لها الأشخاص المشتبه بأنهم ذوو ميول جنسية مثلية تُشبه في همجيتها فحوص العذرية التي أجراها عناصر الجيش للفتيات المشاركات في التظاهرات في مطلع العام 2011. فبعد تنديد دولي واسع بهذه الممارسة، أمرت محكمة القضاء الإداري بالقاهرة في 11 كانون الأول/ديسمبر الجاري بوقف تنفيذ هذا الفحص المعيب معلنةً أنه غير قانوني. لكن يبدو أن حكمها هذا لايسري على المثليين وثنائيي الجنس والمتحولين جنسياً. يمكن أن يُعزى ذلك في شكل أساسي إلى غياب العمق والدقة في الخطاب الرسمي للدولة حول التمييز الجنسي. ففي حين لقي التمييز ضد المرأة درجة معيّنة من الاهتمام من قبل السلطات (وحتى من السيسي نفسه)، يبدو أن الهويات الجنسية والجندرية التي لاتندرج في إطار المغايرة الجنسية، أي الميل إلى الجنس الآخر، لامكان لها في مقاربة السيسي للآداب العامة. لقد عمدت مصر مؤخراً إلى تجريم التحرش الجسدي والشفهي بالمرأة، وحدّدت عقوبات غير مسبوقة لمثل هذه الجرائم. إلا أنه من غير المرجّح اعتماد إجراءات حمائية مماثلة لوضع حد للتعدّي الجسدي على المثليين أو المتحوّلين جنسياً أو ثنائيي الجنس في المدى المنظور.

بل إن الدعوات التي وجّهتها هيئة الفتاوى في الأزهر لطرد المثليين "كي لايُسمَح للرذيلة بالانتشار"، وكذلك التصريحات التي أدلى بها النائب العام المصري بأن إظهار الميول الجنسية المثلية "مخزٍ ومؤسف ويغضب الله"، تكشف أن اللجوء إلى الدين من أجل إثبات تمسّك الدولة بالأخلاق والآداب العامة ليس حكراً فقط على الحكم الإسلامي. واقع الحال هو أن الممارسات التي تنم عن ازدراء لحقوق الإنسان الأساسية مثل الحق في اختيار الهوية الجنسية وحرية المعتقد، لاتزال تتفشّى على نطاق واسع حتى في عهد رئيس أعلن أن إصلاح الخطاب الديني في مصر هو من أهدافه الراسخة. لقد تبيّن حتى الآن أن النسخة العلمانية الجديدة من التزمّت الأخلاقي المحافظ التي تروّج لها حكومة السيسي أشدّ ضرراً بأشواط على المثليين والمتحولين جنسياً وثنائيي الجنس بالمقارنة مع حكم الإخوان المسلمين الذي امتد لعام واحد. بعد استهداف الإسلاميين والناشطين والصحافيين والطلاب والملحدين، والآن المثليين جنسياً، السؤال الذي يطرح نفسه هو: من التالي؟

مصدر الترجمة: 
Carnegie Middle East Center