الشرق الأوسط: ماذا بعد الاتفاق النووي؟

مقال رأي

في محاولة لاستقراء الوضع الراهن في الشرق الأوسط لابد أن نتحلي بنظرة مستقبلية لما قد تنتجه الخطوات الحالية، إنها نظرة من المستقبل – العام 2015 تحديدا – إلي وضعنا الحالي.

منذ التوصل لاتفاق نهائي بشأن برنامج إيران النووي منذ عدة أشهر، حدثت بعض الزلات الصغيرة من جانب طهران ما ترتب عليه عدم سلاسة عملية سحب العقوبات بشكل كامل. لكن بعيدا عن تلك العثرات، استمرت وكالة الطاقة الذرية في التأكيد علي تحقيق إيران لالتزاماتها. ما سمح لواشنطن بإشراك طهران بشكل مباشر في أهم أولويتين استراتيجيتين تمسهما بشكل مشترك – الحرب ضد الدولة الإسلامية في العراق وسوريا (داعش،) وتعزيز استقرار حكومة الوحدة الوطنية في أفغانستان.

وجدت الولايات المتحدة وإيران مصلحة مشترك في الحفاظ علي وحدة العراق. فإيران لم تنضم للتحالف ذي القيادة الأمريكية ضد الدولة الإسلامية. لكن المحادثات بين المسؤولين الأمريكيين والإيرانيين مضت قدما، والتي بدأت علي هامش محادثات "مجموعة 5+1" حول الشان النووي في يونيو 2014، فقد ركزت المحادثات الثنائية المباشرة علي هزيمة داعش. وكشفت واشنطن وطهران عن بعض التنسيق المحدود للجهود. ويعتقد البعض أن ذلك التنسيق قد امتد بالفعل إلي تبادل المعلومات الاستخباراتية والتعاون المباشر في العمليات العسكرية.

أقر مسؤولون أمريكيون بأن طهران استخدمت نفوذها في تنحية نوري المالكي في سبتمبر 2014، ثم حثت حكومة حيدر العبادي علي مشارك السلطة مع السنة والأقليات الأخري بشكل أوسع. وكانت النتيجة وضعا سياسيا محسنا رغم هشاشته، حيث مازال السنة لا يشعرون بالتمثيل الكامل في حكومة بغداد ويظل الشيعة مسيطرون علي الجيش.

سمح مناخ ما بعد الاتفاق النووي باختبار رغبة إيران في لعب دور بناء في تقدم الحل السياسي في سوريا. وفي ضوء أن غياب إيران عن مؤتمر آخر في جنيف حول الوضع السوري سيفقد المؤتمر قيمته، تدعم أمريكا مشاركة إيران في مؤتمر جنيف الثالث والذي ستعقده الأمم المتحدة قريبا. وسيشارك فيه أيضا السعودية، روسيا، تركيا، وممثلين عن المعارضة السورية المعتدلة وحكومة الأسد.

أكد كلا المسؤولون الأمريكيون والإيرانيون قبل المؤتمر علي تقديم المساعدة الفورية لتخفيف الأزمة الإنسانية في سوريا، بالإضافة إلي توقع تعهد من جانب طهران بتمديد تضافر الجهود الإنسانية. لكن مايزال من غير الواضح مدي رغبة إيران في استغلال امتيازها لتحقيق تسوية سياسية تؤدي في النهاية إلي إسقاط بشار الأسد. وبما أنها أصبحت لاعبا فاعلا في اللعبة، يجب أن تظهر أوراقها.

كان للتواصل الإيراني مع السعودية أفضل الأثر علي المؤتمر، حيث بدا أكثر تبشيرا. فبعد لقاء وزير الخارجية الإيراني جواد ظريف مع نظيره السعودي بنيويورك في سبتمبر 2014، سافر ظريف إلي جدة للقاء الملك عبد الله ملك السعودية. وورد نقاشهما حول الجهود المشتركة لدعم المعارضة السنية المعتدلة وتخفيف الدمار الذي أحدثته داعش في سوريا والعراق.

مكن الاتفاق النووي – بالإضافة للوجود الأمريكي الأصغر في أفغانستان – طهران من الاستجابة الإيجابية للمطالبات الأمريكية بالحوار المباشر حول أفغانسان. وقد شهدنا حتي الآن دعما علنيا قويا من قبل كلا المسؤولين الأمريكيين والإيرانيين لحكومة الوحدة الوطنية في أفغانستان. كما نشأت علاقة عمل بين السفير الأمريكي والإيراني في كابل. ورحبت إدارة أوباما بمشاركة إيران في تحالف الدول الداعمة للتحول السياسي في أفغانستان، ما يستحضر إلي الذهن فترة عمل البلدين بشكل مشترك لتأسيس حكومة أفغانستان الانتقالية والتي نتجت عن مؤتمر بون عام 2001.

مع تخفيف العقوبات يمكن الآن للمسؤولين الأمريكيين والإيرانيين أن يناقشوا مشاركة إيران المحتملة في "طريق الحرير الجديد،" وهو ركيزة رئيسية في استراتيجية واشنطن لدعم تنمية أفغانستان عبر التجارة ووصلات العبور التي تربط وسط وجنوب آسيا. حيث ستسمح التنمية الهندية الإيرانية المشتركة – لممر تجاري يمتد من ميناء شبهار بمحافظتي سستان وبلوشستان الإيرانيتين إلي الطريق السريع الرئيسي في أفغانستان – لأفغنستان الغير ساحلية بتقليل اعتمادها علي باكستان في خدمات النقل، ما يقدم لها وللولايات المتحدة خيارات دبلوماسية أوسع في المنطقة.

تبتعد الولايات المتحدة عن الضغط علي باكستان لتوقف مشروع خط أنابيبها مع إيران الذي أعيق طويلا. حيث تبدأ الولايات المتحدة، في ضوء المناخ التوافقي الجديد، في رؤية خط الأنابيب الذي يوصل الغاز الطبيعي من إيران إلي باكستان كوسيلة فعالة لمواجهة أزمة الطاقة الباكستانية.

لكن تظل نقاط خلاف هامة. هناك نزاعات مستمرة بين واشنطن وطهران حول تعينات الحكومة الأفغانية وهيكلة قوات الأمن. وهناك أيضا خلافات مستمرة حول عملية المصالحة وتواصل أشرف غاني مع طالبان، والتي يبدو أن واشنطن تدعمها. بينما تري إيران أن طالبان علي صلة بداعش، وهو ما يغذي بدوره الشك الإيراني في السعودية وقطر.

تجري محادثات أمريكية إيرانية أيضا للمساعدة في دعم العلاقات الثنائية. وتركز المحادثات الحالية علي بحث عودة الرحلات المباشرة وفتح قطاع للمصالح الأمريكية في طهران، وهو ما سيجلب الخدمات القنصلية الأمريكية لإيران للمرة الاولي منذ الثورة الإسلامية. كما تحوم شائعات حول إعلان الرئيس أوباما قريبا عن تعيين مبعوث خاص للولايات المتحدة في إيران. ورحبت الحكومتين بتقدم تبادل البعثات بين البلدين، خصوصا في مجالات العلوم، التكنولوجيا، الدين، الرياضة والثقافة.

تمثل أحداث الشهور القليلة الماضية تغيرا تاريخيا. فقد تم إنهاء الحظر المفروض علي العلاقات الأمريكية الإيرانية وأصبح من الصعب تخيل العودة إلي الوضع الذي سبق الاتفاق النووي. إلا أن الخلافات الأكثر عمقا تستمر. حيث يبقي سجل إيران السئ في مجال حقوق الإنسان صامدا. وتستمر طهران في دعم مجموعات إرهابية محددة، ومنها حماس في غزة وحزب الله في لبنان، سامحة لهم باستفزاز وتهديد اسرائيل.

مثل احتواء مخاوف وتوقعات اسرائيل أحد أصعب تحديات إدارة أوباما بعد الاتفاق، وكذلك مخاوف أعضاء الكونجرس الذين يظلون متشككين للغاية أو معارضين بشدة لبدء أعمال مع إيران. كما صعد الاتفاق مخاوف دول الخليج، التي تعتقد الآن أنها أكثر عرضة للضغوط الإيرانية.

ويستمر الرئيس الإيراني حسن روحاني في مواجهة المتشددين الذين يشتاقون لعودة إيران إلي عزلتها. فمع "فوز" روحاني في الأزمة النووية، تصبح السياسة في إيران أكثر من قاتلة حيث يتوقع البعض أن المعتدلون سوف يتفوقون علي منافسيهم المحافظين في الانتخابات البرلمانية القادمة وانتخابات مجلس الخبراء، الهيئة القوية المسؤولة عن اختيار المرشد العام الإيراني.

ما شهدناه خلال الشهور الماضية من مشاركة تدريجية لإيران مدروس، فهو ليس تقارب بالأسلوب القديم مثل الواقعة المثيرة لزيارة الرئيس نيكسون للصين وليست صفقة كبري أيضا. بل هو تعاون حذر يسعي لتحقيق أهداف استراتيجية مشتركة، ويبدو أن ذلك الأسلوب يروق المرشد الأعلي الإيراني علي خامنئي. فتري أمريكا بشكل متزايد المصلحة في العمل المشترك مع إيران، إلا أنه بحدود. كلا الطرفين يواجه غموض التعامل مع طرف لن يكون حليفا في أي وقت قريب، لكنه ليس عدوا مثلما كان من قبل.

عودة إلي الحاضر، بالتأكيد التصورات السابقة متخيلة، لكنها متلائمة مع سياق الاحتمالات المترتبة علي توصل القوي العظمي لاتفاق بشأن البرنامج النووي الإيراني. بالتأكيد يمثل منع امتلاك إيران لسلاح نووي وتجنب مواجهة عسكرية بسبب برنامج إيران النووي أهدافا حيوية هامة. وسيعتبر فتح قناة حوار استراتيجي أوسع بين الولايات المتحدة وإيران حول المصالح المشتركة المتقاطعة إنجازا ضخما.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب