الطائفية الاعتيادية: مفارقات حليف مناهض للدولة الإسلامية

مقال رأي

أول ما لفت انتباهي عندما زرت العوامية، وهي بلدة شيعية تقع في شرق السعودية الغني بالنفط، كان انعزالها التام وفقرها المدقع. فالبلدة التي تُزنِّرها بساتين التمور هي لوحةٌ من مبانٍ باهتةٍ، ومحالٍ لإصلاح السيارات، وشبانٍ متململين. لوحةٌ تتناقض تناقضاً حاداً مع الثروة البرّاقة التي يتصوّرها معظم الأشخاص حين يفكّرون في السعودية. لم يكن سهلاً الوصول إلى البلدة؛ كان على مضيفيّ الشيعة أن يسلكوا طريقاً ملتوياً غير معبّدٍ يخترق بساتين التمور مروراً بحواجز الشرطة. وما إن دخلنا البلدة حتى لاحظتُ تواجداً أمنياً كثيفاً: متاريس ذات أبراج، ومركبات مصفّحة، وجنود يغلبهم التعب.

منذ العام 2011 (وحتى قبله)، كانت العوامية إحدى بؤر الربيع العربي المنسيّة إلى حدٍّ بعيد. إذ شهدت نضال شيعة السعودية – الذين يشكّلون حوالى 15 في المئة من سكان البلاد – من أجل اكتساب مزيد من الحقوق السياسية والاقتصادية، ولاسيما من أجل معاملتهم بمساواة من جانب المؤسسة السلفية المهيمنة في البلاد، التي تنظر إليهم على أنهم خارجون على العقيدة السنّية. ومنذ موجة الاحتجاجات الأولى في العام 2011، لقي حوالى 20 شاباً من العوامية وغيرها من البلدات الشيعية حتفهم على أيدي القوات الحكومية، تارةً أثناء التظاهرات السلمية، وطوراً أثناء اشتباكات عنيفة مع الشرطة. ولم تنحصر مطالبات هؤلاء بالإصلاحات الخاصة بالشيعة، بل تعدّتها لتطال تغييرات في بنية السلطة في السعودية، مثل إصلاح القضاء، وإطلاق سراح السجناء السياسيين، وسنّ دستور، ومنح الهيئات المنتخبة سلطةً أكبر. وهذا بالضبط ماجعلهم يبدون خطرين جداً.

في 15 تشرين الأول/أكتوبر، تصاعدت حدّة التوترات عندما أصدرت محكمة الرياض حكماً بالموت على نمر النمر، وهو رجل دين شيعي من العوامية يتمتّع بالكاريزما. واتُّهِم النمر بطلب "التدخّل الأجنبي" وحمل السلاح ضد قوات الأمن. لاشك أن تهجّماته الشخصية على الأسرة المالكة كانت استفزازية وغير حكيمة من الناحية السياسية، بما في ذلك خطبته الشائنة التي ألقاها في العام 2012 احتفالاً بوفاة الأمير نايف بن عبد العزيز آل سعود، ولي العهد الراحل ووزير الداخلية. لكن نمر كان أيضاً حريصاً على تجنّب التحريض على العنف في خطبه، ونأى بنفسه عن إيران، ودعا إلى سقوط نظام بشار الأسد في سورية. والواقع أن العديد من الناشطين الشيعة الذين تحدّثت معهم يبجّلون النمر معتبرين أنه رمز للمقاومة، ولكنه لطالما أشاد، وفقاً لهم، بفضائل النشاط السلمي والكرامة.

كان الحكم على النمر إجراءً صادماً وضعَ العوامية على مسرح التوترات الإقليمية الأوسع، وأثار احتجاجات في المناطق الشيعية في شرق السعودية، وإدانةً من إيران وحزب الله، وتهديدات بالردّ من الجماعات الشيعية المتشدّدة في العراق والبحرين. ولصبّ المزيد من الزيت على النار، عمد مسلّحون سنّة، في 3 تشرين الثاني/نوفمبر، إلى قتل سبعة مصلّين شيعة وجرح العشرات في قرية في محافظة الأحساء المجاورة، في خلال الاحتفال بيوم عاشوراء المقدس لدى الشيعة.

وقد ألقى الحكم على النمر ومقتل المصلّين الشيعة الضوءَ بقوةٍ على مفارقات أحد حلفاء واشنطن الأساسيين في المعركة ضد الدولة الإسلامية. فالرياض تعهّدت بمواجهة وحشية الدولة الإسلامية، وحذّرت من أن هذه المجموعة الإرهابية تنوي التحريض على نزاع طائفي داخل المملكة. بيد أن الحكومة السعودية كرّست الطائفية، من خلال سياساتها المحلية، في كل جانب تقريباً من جوانب الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية. وهذه تُعتبر مروحة عوامل مخيفة غفلت عنها الولايات المتحدة إلى حدّ كبير، لكنها لطالما شكّلت الركيزة الإيديولوجية الأساسية للدولة الإسلامية والجماعات الجهادية السنّية.

لاشك أن الحكومة السعودية حقّقت منذ التسعينيات بعض التقدّم النسبي في مايتعلّق بتطوير البنية التحتية في المنطقة الشرقية التي تخلّفت قراها وبلداتها الشيعية تاريخياً عن جيرانها السنّة على صعيد التمويل الحكومي. كما أن الحكومة أتاحت بعض الحرية الدينية لممارسة الطقوس والشعائر الشيعية. وربما كانت إحدى النتائج الثانوية الإيجابية لعمليات القتل في الأشهر الأخيرة، التعبيرات النادرة عن الوحدة العابرة للطوائف من قبل رجال دين سنّة نافذين، ومسؤولين سعوديين كبار، وكاتبي الافتتاحيات. وقد ذهب بعض المراقبين إلى حدّ التنبّؤ بأن هذه المأساة تمثّل نقطة تحوّل تبشّر بعهد جديد من الوئام السنّي-الشيعي في المملكة.

لكنّ ثمة حدوداً جوهرية تُقيِّد مدى التقدّم الذي يمكن أن تحرزه المصالحة الحقيقية بين السنّة والشيعة في السعودية، نظراً إلى العقلية الإقصائية الفطرية للعناصر المتشدّدة في المؤسسة السلفية في البلاد، التي لاتعتبر الطائفية عقيدة راسخة وحسب، بل أيضاً وسيلة مناسبة للحفاظ على المكانة السياسية والاقتصادية. وهذه العقلية تسمح بها الأسرة المالكة ضمناً باعتبارها استراتجية حكم. والنتيجة، إذاً، هي طائفية اعتيادية خبيثة يبتلي بها المواطنون العاديون، ولاسيما في زمن الاضطراب الإقليمي والتوتر الحادّ مع إيران.

ومايثير القلق على وجه التحديد هو أن قائد مرتكبي الهجوم كان أحد الجهاديين السعوديين العائدين من العراق وسورية كما زُعِم، وتتّهمه السلطات السعودية بتنفيذ الهجوم بأمرٍ من الدولة الإسلامية. ولاشك أن تجربة هذا الشخص في الخارج أدّت إلى تطرّفه، علماً أن التصريحات الرسمية صوّرت المرتكبين على أنهم يستمدّون إلهامهم من "الإيديولوجية المنحرفة" لتنظيم القاعدة، والتي لطالما رأى مؤيّدو النظام أنها غريبة عن مدرسة الفقه الإسلامي الرئيسة في المملكة. إلا أن الطائفية كانت أصلاً متجذّرةً بعمقٍ في عقلية منفّذي الهجوم. وأصول هذه الطائفية محلية أساساً، وليست مقتصرة على المحيط.

يحاجج معلّقون سعوديّون بأن الدولة الإسلامية، على الرغم من تجاوزاتها، لها الفضل على الأقل في تشكيل منطقة سنيّة عازلة ضد توسّع الهلال الشيعي. وفي أعقاب الهجوم الذي شهدته الأحساء، حاولت أصوات متفرّقة في السعودية – من الهيئة الدينية إلى الكتّاب الصحافيين – توجيه اللوم مجدّداً إلىسورية وإيران، حتى أن بعضهم ألمحوا إلى أن الشيعة أنفسهم وداعميهم الإيرانيين قد دبّروا الهجوم. ينشئ هذا النوع من الخطاب المخادع أرضاً خصبة للعنف، ويقيّد إجراء إصلاحات دائمة عابرة للطوائف.

في الأشهر الأخيرة، أظهرت مؤشرات واضحة مدى ترسّخ هذه القيود. إذ تعرّض الوسطاء المحتملون بين السنّة والشيعة إلى ضغط متزايد وملاحقات قضائية. والدليل الأول في هذه الحملة القاسية المضايقات التي تعرّض إليها مخلف الشمري، وهو كاتب سنّي جريء وشخصية مرموقة من قبيلة بارزة لديها فروع سنيّة وشيعية. فقد قام الشمري بالتوسّط لصالح الشيعة السعوديين، إذ حضر خطب الشيعة وجنازاتهم ودافع عن رجال الدين الشيعة من هجمات السلفيين، الأمر الذي جعله محبّباً لدى الشيعة، لكنه أثار غضب المحافظين السنّة. وفي 3 تشرين الثاني/نوفمبر، حكمت عليه محكمة جنائية بالسجن لمدة سنتين وبمئتَي جلدة، بسبب لقائه زعماء شيعة في الشرق، وتقديمه واجب العزاء إلى أسرة أحد المحتجين الشيعة القتلى، كما زُعم. ويُضاف هذا الحكم إلى حكم آخر صدر بحقّه في حزيران/يونيو 2013، وقضى بسجنه لمدة خمس سنوات لقيامه بنشاط مماثل، في ظل اتهامات مبهمة عن "زرع الفتنة".

بعد يوم من مقتل الشيعة في الأحساء، أعلن وزير الثقافة والإعلام السعودي عن إغلاق قناة وصال، وهي قناة فضائية معادية للشيعة، يحتقرها على نطاق واسع العديد من الناشطين الشيعة الذين التقيت بهم. لكن، بعد مرور أقل من يوم على ذلك، أُقيل الوزير من منصبه من دون الإعلان عن أسباب إقالته، واستَبعد عددٌ من المراقبين وجود أي علاقة بين الحدثَين. الأمر المؤكد هو أن قراره بحظر القناة أثار انتقادات من جانب السنّة السعوديين على وسائل الإعلام الاجتماعي، إذ طالب بعضهم بإغلاق قنوات شيعية أيضاً. وحتى كتابة هذه السطور، تواصل قناة وصال عملها وتحظى بالمشاهدة في السعودية.

يكشف هذان الحدثان المعضلة التي تواجهها الأجنحة الأكثر اعتدالاً في العائلة المالكة السعودية، والتي قد ترغب حقّاً في تخفيف حدّة العقيدة الطائفية وفي إجراء إصلاحات محدودة، لكن عليها أن تحذر من ردود الفعل العنيفة من جانب المحافظين. والنتيجة هي حفاظ العائلة المالكة على توازن دقيق يسفر عن حدوث انتكاسات متكررة وإرسال إشارات متضاربة إلى الشيعة. وربما يكون الحكم على النمر قد نتج عن حسابات مماثلة. كانت هذه هي الوسيلة التي قرّر آل سعود طرقَها للتخفيف من ضغط رجال الدين السلفيين والفصائل المحافظة الذين يعارضون قيام النظام بسجن السنّة الذين ينتقدون إصلاحات الملك عبدالله، لابل بعضهم مستاء أيضاً من مشاركة المملكة في الائتلاف الدولي المناهض للدولة الإسلامية، حيث يعتبرون أنه يميل ميزان القوى الإقليمي لصالح إيران والشيعة.

أخبرني الكثير من المراقبين السعوديين والدبلوماسيين الغربيين أن الحكم على النمر لن يُنفَّذ على الأرجح، وأن الملك عبد الله سيصدر عفواً ملكياً في اللحظة الأخيرة. لكن الضرر أصاب ثقة الشيعة والنسيج الاجتماعي في السعودية. عبر تخفيف العقوبة، سيحاول الملك عبدالله مرة أخرى أن يظهر لشيعة بلاده أنه حاميهم الصالح الذي يلجم الأصوليين السنّة. لكن القيادة السعودية ستفشل مرة أخرى في اتخاذ الخطوات اللازمة لمعالجة جذور المعارضة الشيعية.

سوف تكون معالجة هذه الأسباب الجذرية والانتقال نحو مشهد أكثر تعددية في السعودية نضال أجيال، يتجاوز إلى حدٍّ كبير قدرة السياسة الأميركية على التأثير. مع ذلك، وبينما تلتمس الولايات المتحدة مساعدة المملكة في مكافحة إرهاب الدولة الإسلامية، يتعين عليها بذل المزيد من الجهود في التدقيق في شؤون السعودية الداخلية، ولاسيما في المجال القضائي، لضمان أن سياسات الحكومة في الداخل لاتغذي التطرف الذي تدّعي أنها تحاربه.

يتعيّن على واشنطن، على وجه الخصوص، المطالبة بإلغاء قوانين مكافحة الإرهاب الشاملة الجديدة، التي تجرّم فئات واسعة من الحيوية الاجتماعية والسياسية، مثل تلك التي مارسها النمر والشمري. كما ينبغي على الولايات المتحدة أن تكون حذرة من برامج "مكافحة التطرّف" المستندة إلى الدين، والتي تعرضها المؤسسة الدينية المموّلة من قبل الدولة في الرياض، باعتبارها جزءاً من الحرب على الدولة الإسلامية. "مكافحة التطرّف" لاتعني "مكافحة الطائفية" في السياق السعودي. وتتوجّه حجج دينية كثيرة في هذه البرامج نحو حماية النظام من هجمات الأصوليين، بينما تتجاهل المبادئ الأشد تعصّباً وطائفية ومعاداة للولايات المتحدة في خطاب المتطرفين. ولأن رجال الدين الذين يبعثون هذه الرسائل مرتبطون بالحكومة، فإنهم غالباً مايفتقرون إلى المصداقية في أعين الجماهير الأكثر تأثّراً بالدولة الإسلامية.

لعلّ الأهم هو أن على الولايات المتحدة أن تستمر في دفع الرياض نحو إجراء إصلاحات توفّر فرصاً سياسية واقتصادية متساوية لجميع السعوديين، بغضّ النظر عن طائفتهم. إذ لن تؤدي هذه السياسات فقط إلى إصلاح مظالم الشيعة في المدن المضطربة على نحو متزايد، مثل العوامية، بل ستحارب أيضاً سردية الشوفينية السنيّة التي تدفع بسعوديين إلى الالتحاق بصفوف الدولة الإسلامية.

مصدر الترجمة: 
Carnegie Middle East Center