العسكريون والمدنيون وأزمة الدولة العربية

مقال رأي

أثبتت العلاقة المدنية-العسكرية أهميتها المركزية للسياسة في العديد من البلدان العربية، سواء تلك التي مرت في مرحلة انتقالية في العام 2011، أم تلك التي لم تمر فيها. وقد أدّت محاولة إعادة صياغة الأطر الدستورية ووضع ترتيبات سياسية جديدة في ظل ظروف اتّسمت بالالتباس العميق إلى تكثيف الأنماط الحالية في العلاقات المدنية – العسكرية في تلك الدول، إلى حدّ تغييرها. وتأتي تلك التحوّلات أيضاً استجابة لأزمة الدولة التي تتنامى وتتفاقم منذ أمد طويل، وللاتجاهات الهيكلية للتحوّل الاجتماعي، وللتغيّرات في الشؤون العسكرية العالمية والأجندات الأمنية التي سبقت الربيع العربي.

وقد أضعف انهيار السيطرة السلطوية والانتقال في نظم الحكم القيود السياسية والقانونية المفروضة على الجيش في بلدان الربيع العربي. ففي مصر وتونس، اللتان تتميّزان بوجود مؤسّسات دولة قوية نسبياً ومؤسسات عسكرية مهنية و نظامية للغاية، مكّن انهيار السيطرة السلطوية الجيش من لعب دور سياسي كبير. في المقابل، أدّت الانتفاضتان في ليبيا واليمن إلى تعميق الانقسامات القبلية والمناطقية داخل الجيش وإبراز شلله وتفكّكه، وذلك بسبب ضعف الدولة والاختراق المتبادل من جانب القوى الاجتماعية القوية. وبالتالي فقد تجاوزت نتيجة ذلك، في كل حالة، مستوى التغيرات الجزئية لتؤذن بالدخول في مرحلة جديدة نوعياً في العلاقات المدنية-العسكرية.

تعنى العلاقة المدنية-العسكرية أساساً بالأسئلة التي تتمحور حول كيفية تنظيم واستخدام وسائل العنف التي تسيطر عليها الدولة، وبالطرف الذي قد يستخدم العنف ضدّه بصورة مشروعة. ولهذا السبب، فإن طبيعة وشكل التنظيمات العسكرية ترتبط بصورة حميمة بالتركيبة القائمة والتوازنات الداخلية وتوزيع رأس المال (المالي و غير المالي) داخل دولها ومجتمعاتها. وبالتالي فقد كان الربيع العربي يمثّل لحظة تفكّك حاسمة في نظم الرقابة السياسية والإدارية التي أدّت إلى ، أو مكّنت من، حدوث تحوّلات كبيرة في العلاقات المدنية-العسكرية.

حدث هذا التفكّك في إطار اتجاهات متنامية منذ أمد بعيد جداً. وتلاقت السياسات الاقتصادية الليبرالية الجديدة مع اتجاهين آخرين طويلي الأجل يؤثّران على العلاقات المدنية-العسكرية في جميع الدول العربية. أولاً، أفضت التغييرات الديموغرافية الكبرى في المجتمعات العربية على مدى العقود الأربعة الماضية إلى حدوث عملية تَمَديُن واسعة ما أدّى إلى تغيير طبيعة وحجم التحدّيات الأمنية وفرض شروط جديدة على أجهزة إنفاذ القانون في الدولة. ثانياً، تلاقت هذه التغييرات مع الثورة العالمية في الشؤون العسكرية وصعود أجندات مكافحة الإرهاب و إصلاح القطاع الأمني منذ تسعينيات القرن الماضي. وكانت لهذين الاتجاهين آثار تغييرية على الجيوش العربية، حيث عدّلت السياق الذي تجري فيه علاقاتها مع السلطات والمجتمعات المدنية.

ابتداءً من أوائل تسعينيات القرن الماضي، أدّت التحدّيات الناشئة إلى زيادات كبيرة في الميزانية والقوى العاملة الخاصة بقطاع الأمن الداخلي في معظم الدول العربية، الأمر الذي يعكس الأهمية السياسية المتنامية لهذا القطاع. وفي موازاة ذلك، أدّى الانخفاض النسبي في الحروب بين الدول منذ حرب الخليج العام 1991 وإعادة إطلاق عملية السلام بين العرب وإسرائيل إلى التشكيك في غرض وفائدة القوات المسلحة العربية. وعلى الرغم من أن معدلات إنفاق الدفاع الإجمالية لم تنخفض لدى الدول العربية كمجموعة، فقد تمت إعادة توجيه الجيوش بصورة متزايدة للتركيز على مهام حماية النظام وحفظ القانون والنظام الداخلي. غير أن تنظيم وتدريب وتسليح والعقيدة القتالية لهذه الجيوش باتت لا تتناسب مطلقا و مقتضيات التدخّل في المناطق الحضرية الكبيرة ذات الكثافة السكانية العالية والحواضن الاجتماعية المتنوٍِّعة، كما بيّن الربيع العربي في وقت لاحق بصورة جليَّة.

نتيجة لذلك، مرّت القوات المسلحة الوطنية في عدة دول العربية بتغييرات هيكلية، حيث تم إعادة تجهيز وتدريب وحدات مختارة للقيام بدورها الجديد. كما تسارعت وتيرة نمو القوات الخاصة، المنفصلة بصورة متزايدة عن فروع الجيش التقليدية، منذ هجمات أيلول/سبتمبر 2001 في الولايات المتحدة وبروز مكافحة الإرهاب باعتبارها عنصراً مركزياً محدّداً في العلاقات مع الشركاء الأمنيين الغربيين ومقدّمي التكنولوجيا والمساعدة العسكرية. ويتزامن ذلك مع توسّع ملحوظ لعَسكَرَة الشرطة و لإنشاء او توسيع قوى الدرك (الجندرمة) في كل الدول العربية تقريباً، ما يعكس تحولّاً في قطاع الأمن الداخلي أيضاً، من قوات الشرطة ذات الطراز القديم التي تعاني من نقص التمويل وضعف التدريب، نحو قوات التدخل السريع المتخصصة ووحدات مكافحة الإرهاب.

يعمل هذا الاتجاه على تحويل بعض الجيوش العربية، ومعظم قطاعات الأمن الداخلي، إلى هياكل ذات مستويين. فمن ناحية، تحظى وحدات النخبة، التي تشكّل جزءاً صغيراً من إجمالي القوى العاملة العسكرية، بأفضل الأسلحة والتدريب والرواتب والوضع المهني. وعلاوة على ذلك يرتبط هذا بتأثير الثورة العالمية في الشؤون العسكرية الجارية منذ تسعينيات القرن الماضي، حيث تمكّن التكنولوجيات الجديدة، وتستلزم في نفس الوقت، اعتماد عقائد وتكتيكات قتالية جديدة وأشكالاً تنظيمية مرتبطة بها. ومن ناحية أخرى، بقي الجزء الأكبر من أفراد الجيش ووحدات الدروع والمدفعية والمشاة التقليدية على حالها، و بحوزتها في كثير من الأحيان المعدات والأسلحة الثقيلة  المتقادمة او التي سحبت كلياً من الخدمة و وُضِعَت في المخازن، بموازاة تقليص ميزانيات الاقتناء.

يتمثّل الأثر التراكمي لكل ذلك في تغيير كيفية ارتباط الجيش بأهل السلطة والمجتمع. فوحدات المستوى الأول هي أقرب بالضرورة إلى نظم الحكم التي تساعد على الحفاظ عليها، وبالتالي غالباً ما تتشارك بوجهة النظر الطائفية أو الإقليمية/الجهوية أو القبائلية/العشائرية نفسها وتنظر الى الجماعات  الأخرى داخل مجتمعاتها على انها تشكِّل تهديدا أمنياً. أما بالنسبة إلى المستوى الأدنى الأكبر حجماً بكثير، فإن الوظيفة العسكرية توفر نظام رعاية  في خضمّ التخفيضات الحادّة في الخدمات الاجتماعية و تراجع خلق فرص العمل المموّلة من الدولة واتّساع التفاوت في الدّخل، و كل ذلك رافق "تراجع" الدولة منذ تسعينيات القرن الماضي.

ومن المفارقات أن أجندة إصلاح القطاع الأمني التي يروّج لها الشركاء الغربيون تزيد الأمور تعقيداً: فالدافع إلى حلّ أو إعادة هيكلة وحدات حماية النظام التي هي معاقل للحكم السلطوي أو مدانة بارتكاب انتهاكات طائفية و غيرها، يحرم الجيوش التي تواجه تهديدات أمنية جديدة ومعقّدة من أصولها الأكثر فّعالية، في حين تزيد السياسات الليبرالية الجديدة وتقلّص الإيرادات العامة من صعوبة الإبقاء على نظم الرعاية العسكرية القائمة بالنسبة للغالبية في وقت يزداد فيه التأزّم والاستقطاب الاجتماعي عمقاً.

وبينما تتلاقى اتجاهات التغيّر الديموغرافي بدرجة كبيرة مع تطور الأجندات الأمنية في السنوات المقبلة، في مشهد اقتصاد سياسي يتّسم بسياسات ليبرالية جديدة مشوَّهة تزيد من تركيز الثروة وتوسّع الفجوة بين الأغنياء والفقراء، فإن التحولات التنظيمية والعقائدية التي تمت مناقشتها آنفاً ستؤدّي إلى تأزيم الاصطفافات السياسية والتحالفات الاجتماعية التي دعمت العلاقات المدنية-العسكرية السابقة، ما يفتح الطريق أمام أنواع جديدة من العلاقات.

من بين الدول الأعضاء في جامعة الدول العربية لا تزال الجزائر ولبنان والعراق والسلطة الفلسطينية والصومال والسودان تعيش في مرحلة أو أخرى من الانتقال من النزاعات المسلحة، بينما لا تزال موريتانيا تعيش تبعات الانقلاب العسكري الذي وقع فيها العام 2008. فقد تغيّرت العلاقة بين الجهات العسكرية والمدنية الفاعلة في هذه البلدان، في ظل تآكل الأطر الدستورية و"قواعد اللعبة" المتفق عليها لتسيير أمور السياسة، وتفريغ الدولة بدرجات متفاوتة، والتراجع الحادّ في العقد الاجتماعي

شجّعت المعضلة الأمنية التي ترتّبت على ذلك الوضع على ظهور الميليشيات  القائمة على الطائفة أو العرق أو القبيلة أو المنطقة. وقد اتّبعت بعض الجماعات المسلحة غير الحكومية أشكالاً بديلة لبناء الدولة، بحيث يقدّم حزب الله اللبناني والدولة الإسلامية في العراق والشام نموذجين متناقضين تماماً لذلك. وظهرت في العراق أيضاً، كما هو الحال في سورية وليبيا والسودان واليمن، أشكال هجينة من"الأمن المحلي" عندما "أوكلت" الحكومات قضايا الدفاع الوطني وحماية النظام لمجموعة متنوّعة من الميليشيات الطائفية، ما أدّى إلى تقويض الدولة المركزية وقواتها المسلحة.

تتّضح نتائج ذلك بصورة تفصيلية في العراق وسورية، حيث كانت عملية إعادة بناء الجيوش المحطمة ومناقشة العلاقة المدنية-العسكرية جزءاً لا يتجزأ من إعادة بناء الدولة ومناقشة علاقتها مع المجتمع ككل في البلد الأول منذ العام 2003، أو ما ستكون عليه تلك العلاقة حتماً في الثاني. هذا الأمر يجعل إعادة تشكيل جيش وطني موحّد رهينة صراعات أساسية بين القوى السياسية والاجتماعية المختلفة في كلا البلدين، كما هو الحال في بلدان أخرى مثل ليبيا واليمن منذ العام 2011. فقد قوبلت المحاولات التي قام بها قادة الدولة الجديدة لاستخدام القوات المسلحة كقاعدة للدعم السياسي في العراق واليمن، على سبيل المثال، بتحركات مضادّة من خصومها السياسيين لحشد وسائل العنف داخل قواعدهم الاجتماعية، ما زاد من تفتيت السياسة الوطنية وعمّق انعدام الأمن.

في ليبيا، تم تشكيل الجيش من خلال اتجاهين رئيسين في السنوات العشرين التي سبقت انتفاضة العام 2011: التجنيد المكثّف لأبناء القبائل والمناطق الموالية لزعيم البلاد العقيد معمر القذافي، وتهميش الجيش بعد فشله في الحروب الحدودية مع تشاد التي خاضها في ثمانينيات القرن الماضي وظهور الإسلاميين في صفوفه في أوائل التسعينيات. ولذا فقد انشطر الجيش وفقاً لهذه الانقسامات ولم يعد موجوداً بالفعل كقوة عملياتية واحدة في العام 2011، حيث تحمّلت الميليشيات الثورية المتطوّعة وقوات حماية النظام، وخاصة "الكتائب الأمنية" التابعة للقذافي، العبء الأكبر من القتال

منذ إطاحة القذافي، عرقلت الديناميات القبلية والإقليمية والمؤسّسية نفسها الجهود التي بذلتها الحكومة الانتقالية لإعادة تأسيس جيش وطني. بدلاً من ذلك، يتم توزيع السلطة القسرية مرة أخرى بين الهياكل العسكرية والأمنية الموازية القائمة على ائتلافات الميليشيات الثورية المختلفة من جانب، والوحدات المتبقية من الجيش النظامي التي تعتبر على نطاق واسع ملجأً للموالين للنظام القديم. ولا تزال هشاشة الدولة الليبية تنعكس في الجيش الرسمي، والعكس بالعكس، ما يشير إلى نتيجة تتضمن شكلاً جديداً من القوات المسلحة الهجينة داخل دولة هجينة على حد سواء، حيث يؤول مركز السلطة في إطار العلاقة المدنية-العسكرية من المستوى الوطني إلى المستوى الطائفي أو الإقليمي.

أظهر الجيش اليمني نمطاً مشابهاً إلى حدّ كبير في تحديد تعيينات التجنيد والقيادة على أساس الانتماءات المناطقية والقبلية. غير أنه اختلف أيضاً من ناحية مهمة. فقد سمح الرئيس علي عبد الله صالح، حتى رحيله من منصبه في العام 2012، لشركائه ضمن ثلاثي النخبة الذي كان يشكّل الحلف الحاكم في اليمن بالاحتفاظ بإقطاعيات منفصلة داخل الجيش. وعكس شلل الحلف الحاكم في أثناء انتفاضة العام 2011 انهيار هذه الشراكة، حيث انحاز أعضاؤه إلى أطراف متناقضة.

وقد تم استنساخ الدينامية المختلّة نفسها عندما تنافس لاعبو النخبة الرئيسيون أنفسهم، إضافة إلى خليفة صالح ومنافسه الآن، الرئيس المؤقت منصور هادي، على الاحتفاظ بنفوذهم في سياق عملية إعادة هيكلة الجيش التي بدأت في العام 2013. وكانت النتيجة انهيار الجيش باعتباره هيكل موّحد للقيادة في وجه لاعب جديد تماماً، المتمردين الحوثيين، الذين استولوا على العاصمة والكثير من أنحاء البلاد صيف العام 2014. و في قلبهم  لهيكل السلطة في اليمن رأساً على عقب، و من خلال الوصول الى صيغة للتعايش مع قادة الجيش المستقلين في بعض مناطق البلاد، وضع الحوثيون العلاقة المدنية-العسكرية على مسار جديد.

بسبب مركزية العنف في جميع هذه الحالات، سوف تزداد أهمية التنظيمات العسكرية بكل أنواعها، إن لم تصبح أساسية، باعتبارها جهات فاعلة، سواء بالنسبة للدول الوطنية أو للجماعات المجتمعية التي تزداد استقلالية وعسكرة. وهذا يبشّر بعكس النمط الذي تأسّس في عهد الزعماء السلطويين مثل صدام حسين وحسني مبارك وحافظ وبشار الأسد وسواهم، الذين أكدوا هيمنتهم على القوات المسلحة باعتبارهم رؤساء مدنيين، أو تحولوا من عسكريين إلى مدنيين، الأمر الذي أدّى إلى تهميش المؤسسة العسكرية  سياسياً. وبدورها، قد تنتعش الصراعات الفئوية في صفوف المُؤَسَّسة العسكرية من جديد، عندما تصبح مرة أخرى طرفاً سياسياً فاعلاً ومركزياً، سواء على مستوى الدول الوحدوية أو على مستوى الجماعات مّا دون الدولة آلتي تدير شؤونها باستقلالية نسبية، ما قد يؤدّي بدوره إلى عودة نمط اقتتال الأخوة التي سادت في داخل العديد من الجيوش العربية في خمسينيات القرن الماضي و حتى أواخر سبعينياته.

في الدول العربية ذات المجتمعات المنقسمة بصورة أقلّ وضوحاً تعمل الاتجاهات والديناميات الاجتماعية الأخرى على تغيير نمط العلاقات المدنية-العسكرية. في مصر والجزائر، ويمكن القول في المغرب أيضاً، شهدت الجيوش الوطنية التي انتقلت منذ عقود من "مرحلة الانقلابات الدائمة إلى التأثير وإثراء الذات"، انضمام ضباطها إلى صفوف الطبقة الوسطى "الجديدة" في بلدانهم. وهذا يمثّل النقيض التام لحقبة خمسينيات وستينيات القرن الماضي التي استغل فيها الضباط ذوي الرتب الأدنى، القادمين من الطبقات الاجتماعية الآخذة بالصعود، سيطرتهم على أجهزة الدولة لإحداث تغييرات جذرية في توزيع الثروة الاقتصادية والسلطة الاجتماعية. وبدلاً من ذلك تتشبّث معظم الجيوش العربية اليوم بالوضع القائم الذي يدعم سياسات الليبرالية الجديدة في مجالي الاقتصاد والرعاية الاجتماعية، التي قد تتعايش بصورة مريحة مع تيار الإسلام السياسي بوصفه إيديولوجية اجتماعية محافظة، وهم على استعداد للدفاع عن ذلك الوضع القائم لخدمة مصلحتهم الذاتية.

أكدت القوات المسلحة المصرية، التي طالما اعتبر البعض أنها تحكم مصر بصورة فعلية، هيمنتها الرسمية على الدولة المصرية منذ شباط/فبراير 2011، عندما نقل الرئيس المنصرف حسني مبارك صلاحياته لها. كان المجلس  الأعلى للقوات المسلحة متردّداً في أن يحكم، ولكنه بالمقابل لم يكن راغباً في تمكين الحكومة المدنية الانتقالية التي عيّنها، وأثبت عجزه بصورة فاضحة في تعامله مع العملية السياسية والانتعاش الاقتصادي وإصلاح جهاز الدولة. وبعد أن فقد مأواه المحمي و البعيد عن السياسية نسبياً في ظل مبارك، سعى المجلس العسكري إلى إعادة إنتاج استقلاله القانوني والمؤسّسي عن الرقابة المدنية عبر إضفاء طابع رسمي عليه من خلال اصدار سلسلة من التعديلات والبنود الدستورية بين عامي 2011-2014.

أدّت إطاحة الرئيس محمد مرسي يوم 3 تموز/يوليو 2013، وهو أول رئيس مدني يتقلّد هذا المنصب منذ تأسيس الجمهورية في العام 1952، إلى استكمال هيمنة الجيش على الدولة المصرية. ومنذ ذلك الحين، انتقلت "جمهورية الضباط"، التي تطوّرت في عهد مبارك واستوطنت أجزاء كبيرة من الإدارات المدنية في الدولة والحكم المحلي والمخابرات العامة وقوات الأمن المركزي والشركات التجارية المملوكة للدولة، إلى الواجهة وتوسعت أكثر. وقد عيّن السيسي كبار الضباط في وظائف إضافية، مثل منصب أمين عام البرلمان، ومنح صلاحيات جديدة شاملة للقوات المسلحة في مجال الأمن الداخلي وإنفاذ القانون. وفي ظل غياب برلمان منتخب ومجلس شيوخ، وبعد غياب التوازن النسبي للسلطات في نظام مبارك و حلّ أكبر حزبين سياسيين في البلاد، الإخوان المسلمون والحزب والوطني الديمقراطي، تتّجه مصر إلى دكتاتورية عسكرية واضحة.

شكّلت تونس حالة منفصلة بين بلدان الربيع العربي على صعيد الاستقرار والتقدم النسبي في عملية انتقالها الديمقراطي، ولكنها مرّت أيضاً بتحوّل ٍ في علاقاتها المدنية-العسكرية منذ أن ساعد الجيش في الإطاحة بالرئيس زين العابدين بن علي. وقد تحاشى الجيش القيام بدور سياسي صريح بعد إطاحة بن علي، وعمل بدل ذلك على نقل السلطة إلى هيئات مدنية مؤقّتة تولّت المسؤولية الكاملة عن إدارة العملية الانتقالية. وعزا كبار الضباط حياد الجيش إلى العقيدة الجمهورية القوية التي تقضي بالخضوع الى السلطات المدنية الشرعية. لكنهم توقّعوا أيضاً أن يكون لهم رأي أكبر، وإن كان استشارياً، في سياسات الحكومة في المجالات التي يمكن القول إنها قد تؤثّر على الأمن القومي، مثل التجارة الخارجية والتعليم. وفي ظل وجود تيار إسلامي في صفوف الجيش، فإنه لن يبقى بمنأى عن الصراعات السياسية والإيديولوجية الجارية في المجتمع. فقد انتهت حقبة تهميشه وعزله التي استمرت لعقود طويلة

اكتسب الجيش التونسي بالفعل أهمية مع اقتراب التهديدات الجديدة. فقد أدّت مواجهة التدفّقات غير المشروعة للاجئين والأسلحة من ليبيا والتمرّد الجهادي على الحدود مع الجزائر إلى حدوث تقارب غير مألوف مع وزارة الداخلية، والتي لعبت الدور الرئيس في مراقبة الجيش قبل العام 2011. ويتزامن ذلك مع تحوّل كبير في المشهد السياسي في تونس: إذ تفوّق حزب نداء تونس على حزب النهضة الإسلامي في الانتخابات العامة التي جرت في تشرين الأول/أكتوبر 2014، و يمثّل نداء تونس ائتلافاً فضفاضاً يضم القوى السياسية العلمانية واليسارية المختلفة والشخصيات المرتبطة بعهد بن علي. وخسر مرشح النهضة المفضل للرئاسة أمام رئيس حزب نداء تونس، والموالي السابق لبن علي، الباجي قائد السبسي. ولا يزال من المستبعد أن يضطلع الجيش بدور سياسي علني، ولكنه قد يصبح عنصر توازن بين المعسكرين المتنافسين، الجمهوري-العلماني والإسلامي، على غرار ما يقوم به الجيش في لبنان.

وعلى العكس من ذلك، لعب سلك الضباط في الأردن، والذي يتعرّض للضغط باستمرار بسبب تعميق السياسات الليبرالية الجديدة، دوراً رئيساً في تشكيل المطالب الاجتماعية والاقتصادية والسياسية لحركة الاحتجاج الشعبية التي طالبت النظام الملكي بإجراء إصلاحات حقيقية في 2010-2013. في نهاية المطاف تم احتواء التحدّي، ويرجع ذلك جزئياً إلى حقيقة أن الضباط سعوا إلى تعديل الامتيازات أكثر من سعيهم إلى إحداث تغيير جوهري في العقد الاجتماعي أو الاقتصاد السياسي. غير أن ذلك التحدّي أظهر إمكانية حدوث نشاط سياسي في الجيش و نشوب تصدّع حرج ضمن نظام حكم راسخ ومستقر للغاية. في المقابل، كشف فشل التحول الديمقراطي في مصر، أو في الجزائر قبل عقدين، أن الشروط الاجتماعية اللازمة لدعم تحوّل العلاقات المدنية-العسكرية، مثل صعود برجوازية قوية "جديدة" مستقلة عن الدولة ضمن بيئة ليبرالية جديدة في تركيا في العام 2002، ليست متوفرة حتى الآن في معظم الدول العربية.

التحدّي الذي تواجهه الدولة العربية كبير ويتنامى باستمرار، حتى في الأماكن التي لا تعاني فيها الدولة من أزمة مباشرة أو واضحة: الشعوب العربية اليوم هي تقريباً ثلاثة أضعاف حجمها في الفترة بين 1950 و1970 وأكثر من ضعف ما كانت عليه في عامي 1973 و1974 في بداية التوسّع الهائل المموَّل من النفط في القطاع الحكومي، بما في ذلك القوات المسلحة، حيث أصبحت كل جوانب المجتمع والادارات والاقتصاد أكثر تنوّعاً وتعقيداً. وقد أصبحت العلاقات المدنية-العسكرية التي كانت قابلة للبقاء في السابق أقل استدامة، في حين يشير الاتجاه نحو بناء جيوش "جديدة" متخصّصة في تقنيات ضبط السكان والسيطرة عليهم إلى تشعّب داخل الجيش يتوافق مع تشعّبات متعدّدة داخل المجتمعات.

و المهم بالأمر ان هذه الاتجاهات تميل للعمل ضد عملية الانتقال السلمي أو الديمقراطي، وليس لصالحها، ما يجعل إحراز تقدم نحو السيطرة المدنية الديمقراطية على القوات المسلحة مسألة أكثر صعوبة وبطيئة للغاية. وفي حال كان الدور السياسي للجيش بالتعاون مع الأنظمة السلطوية والنخب الاجتماعية والاقتصادية القوية علنياً أم لا، فإنه لن يستمدّ شرعيته أو عدمها لدى الجمهور من مفاهيم سيادة القانون والتبعية للسلطة المدنية ودعم بناء الديمقراطية، بل من الاعتقاد السائد بين القطاعات المجتمعية الهامة ان الجيش يحميها من القطاعات المنافسة التي يَرَوْن انها تروّج لنظام اجتماعي بديل تعتبره تهديداً جوهرياً اها. ولعل هذا هو الدرس المأساوي المستوحى من مصر والبحرين وسورية منذ العام 2011، ومع ذلك فإن الانتقال التدريجي نحو علاقة أكثر توازناً بين المدنيين والعسكريين في تونس، وحتى الصياغات المختلطة والمضطربة للعلاقة المدنية-العسكرية في اليمن وليبيا، يشير إلى مسارات أخرى محتملة.

مصدر الترجمة: 
Carnegie Middle East Center