العمليات الخاصة في القرن الواحد والعشرين: البداية الجديدة

A U.S. Army Special Forces soldier with Afghan commandos near the Afghan-Pakistan border. (Credit: U.S. Army) - See more at: http://www.armymagazine.org/2014/11/18/special-operations-for-the-21st-century-starting-over/#sthash.j5g41Slw.l5Lg6YMb.dpuf

مقال رأي

لدى الإدارة الأمريكية رغبة في استخدام قوات العمليات الخاصة. فالتأكيد المتزايد علي أهمية هذه الشريحة من الجيش غير مسبوق في العصر الحديث، لكنه ليس إيجابي. فالميل لرؤية قوات العمليات الخاصة علي أنها "الخيار السهل،" والبديل الجاهز للجيوش التقليدية خاطئ للغاية. كما أن البناء الحالي لقوات العمليات الخاصة يتجه لطريق مسدود، وغير ملائم لتحقيق الحاجات الاستراتيجية للجيش الأمريكي في القرن الحادي والعشرين.

يجب علي قيادتنا السياسية والعسكرية أن ترجع لأساسيات الحرب الخاصة وأن تتعلم ما يجب فعله للحفاظ علي ما هو "خاص" في القوات الخاصة. فالجيش يحتاج لأسلوب أكثر اتساعا وشمولا في بناء واستخدام قوات العمليات الخاصة في المستقبل. علاوة علي ذلك، يجب علي صناع القرارات العسكرية الأمريكية أن يتوقفوا عن التفكير في الحفاظ علي هذا النوع من القوات، الذي ستحتاجه الولايات المتحدة في المستقبل، عند فرض ميزانيات متقشفة.

النقص الواضح

الخبر السئ هو أن الولايات المتحدة دخلت الحرب العالمية الثانية دون أي نوع يذكر من القوات الخاصة بصورتها الحالية. لكن الخبر السعيد هو أن الولايات المتحدة كانت غير مثقلة بعبء الأسلوب الروتيني المتحجر الذي يطبق علي الجميع لتلبية الحاجات الضخمة والمتنوعة للحرب العالمية.

فبعد الهجوم علي "بيرل هاربور،" انزلق الجيش إلي واحدة من أكثر الفترات إثارة من ناحية الابتكار العسكري في التاريخ الأمريكي. وانخرطت الولايات المتحدة طوال فترة الحرب في جميع نواحي ما يعرف الآن باسم "العمليات الخاصة" أو الحرب السرية: مثل العمليات النفسية، الشؤون المدنية، تقديم الاستشارة ومهام التدريب، وكل تفصيلة ممكنة من التدخل المباشر والاستطلاع بعيد المدي. كما ظهرت الحاجات المتنوعة لبناء القوات.

تنقسم وحدات القوات الخاصة إلي نوعين: يؤدي النوع الأول عمليات ومهام خاصة جدا. أي أنها قوات خاصة مصممة لمهام خاصة. ومن أفضل الأمثلة علي هذ النوع فرق "جيدبيرغ" التي نظمها مكتب الخدمات الاستراتيجية لتؤدي عمليات خلف خطوط العدو في الحرب العالمية الثانية.

أما النوع الثاني من القوات الخاصة فتؤدي مهام تقليدية، لكنها تؤديها في ظروف خاصة للغاية. وتمثل الوحدة المركبة 5307، والمعروفة باسم "ميريلز ماروديرز" أفضل مثال علي ذلك النوع من القوات. فقد تم نشرها في جنوب آسيا وكان دورها أن تنفذ عمليات وراء الخطوط اليابانية. وكانت خاصة لأنه توجب عليها أن تنفذ عمليات تقليدية دون الأنواع التقليدية من الاتصال، حيث استخدموا الإمداد المحمول جوا، والإخلاء الطبي، وحيوانات الجر للنقل واستخدموا المدفعية الخفيفة في عمليات الغابات.

وقد ضغط عدة رؤساء علي الجيش بعد الحرب لتوسيع قدرات القوات الخاصة. فقد أولي الرئيس دويت دي. أيزنهاور اهتماما كبيرا باستخدام القوات الخاصة كبديل، حتي ينافس القوات السوفيتية دون مواجهة مباشرة مع موسكو عبر الحرب التقليدية. كما كان الرئيس جون إف. كينيدي مولعا بشدة بامكانية استخدام العمليات السرية كوسيلة لخوض "حرب محدودة." وعلي مدار فترته الرئاسية الوجيزة جدا سرع كينيدي وتيرة العمليات السرية الأمريكية، ليعطي الضوء الأخضر لمئة وثلاثة وستون عملية كبيرة في أقل من ثلاث سنوات. وكذلك خلال مطلع العام 1967، سمحت إدارة الرئيس ليندون بي. جونسون بتأدية 142 عملية مشابهة. وعادة ما يتم إغفال أنه أثناء ذروة الحرب "التقليدية" في فيتنام، نفذ البنتاجون عمليات خاصة قوية.

تمثلت مشكلة أسلوب كينيدي وجوهنسون أنهما كانا يرون الوحدات الخاصة كبديل – وليس كمكمل – لاستخدام القوات العسكرية العادية.

سن الحراب

لم يكن استخدام القوات البرية شائعا بعد حرب فيتنام، ولكن توسع الإرهاب العابر للحدود في منتصف السبعينيات جدد الحاجة الأمريكية لتوسيع قدرات القوات الخاصة كأداة لمكافحة الإرهاب.

كانت الكارثة في العملية "ديزيرت وان،" وهي مهمة الإنقاذ الإيرانية الفاشلة، أنها كانت صيحة إيقاظ للجيش حتي يعيد الابتكار والاستثمار، بغض النظر عن مدي صحة أو خطأ ذلك. فقد استخدمت لجنة الجيش بمجلس الشيوخ دراسة حالة للمهمة كمبررا لتأييد إصلاح مشترك.

كان لتعزيز الرئيس ريجن للجيش والاصلاحات التشريعية لجولدووتر-نيكولز عام 1986 تأثير مزدوج علي تنشيط قطاع العمليات الخاصة، حيث أسس للقدرات الحالية للجيش. فقد أدي تأسيس قيادة قوات العمليات الخاصة عام 1987 وآلية التمويل المميزة الخاصة بها وتوسيع احتياجات المهام إلي تكوين أفضل قوات عمليات خاصة في العالم.

من وجهة نظر عملياتية، عكس استخدام العمليات الخاصة بعد الحرب الباردة فهما للاستخدام الأمثل لتلك القوات وعلاقتها وتكاملها مع القوات العسكرية التقليدية. وقد تم توضيح ذلك بشكل كبير في كتاب "العمليات الخاصة: دراسات حالة في حرب العمليات الخاصة: النظرية والتطبيق" الذي كتبه الأدميرال ويليم إتش. ماكرافين وصدر عام 1996. حيث حقق الكتاب شهرة عالمية كأساس للمبادئ المناسبة لنشاطات العمليات الخاصة. وهو مبني علي عدد من دراسات الحالة (الأمريكية والأجنبية،) فقد وثق أفضل الممارسات التي عكستها العمليات الخاصة الأمريكية منذ الحرب العالمية الثانية وما تبعها.

كما أكدت الترقية النهائية لماكرافين، ليصبح قائدا لقيادة العمليات الخاصة، علي ظهور الطريقة الأمريكية في الحرب السرية.

أزمات القطاع

كثرت الأيام السعيدة للعمليات الخاصة خلال العقد الماضي، لكن يجري نقاش خطير حول قرب نهاية تلك الأيام. فالبيت الأبيض يكرر أخطاء كينيدي وجوهنسون، حيث يري القوات التقليدية وقوات العمليات الخاصة – وكذلك جميع عناصر الجيش – كبدائل متماثلة.

تعتمد إدارة أوباما بشكل مفرط علي الاستخدام الأدني والتدريجي للقوة، بينما تعجلت إدارة بوش في اتخاذ طريق الحرب الشاملة، وكلا الأسلوبين خاطئ. فالعمليات السرية منخفضة التكلفة والمخاطر ليست كافية لترويض العالم ومنع الشرور من الحدوث. فعندما تحدث الشرور تجد الدولة نفسها غير مستعدة للتعامل معها لأن جيشنا أجوف. لنكتشف فجأة أننا يجب أن نضحي بالمزيد من الدماء والثروة، فنفقد ما حفظته استراتيجية دفاعنا العتيقة.

تكون عناصر القوة القومية أكثر فاعلية عندما تستخدم معا، وليس عبر التبديل بينها كأوراق اللعب. فيجب أن يكون الهدف الحفاظ علي قوتهم جميعا واستخدام المزيج الأكثر حكمة منها لأداء المهام المطلوبة. فأفضل طريق لتحقيق الانتصار هو التوزيع الأفضل لهم.

التفكير قدما

مبدأ "بناء القوة علي القوة" أكثر أهمية هنا من التفكير في الاستخدام الأفضل للقوات المشتركة.

القوات التقليدية والقوات الخاصة ليست بدائل مختلفة ومستقلة. فعادة ما تتأثر فاعليتهما بقدرات واستخدامات الأنواع الأخري. ويمثل الهجوم علي المجمع الخاص بأسامة بن لادن عام 2011 في باكستان مثالا جيدا. حيث يتم الإشادة بالمهمة كانتصار للعمليات الخاصة، لكن هل كان ليتحقق دون البصمة الواضحة للقوات التقليدية في أفغانستان، والتي هيئت البيئة المناسبة للعمل بفاعلية كاملة في المنطقة؟

توصف ميزانيات وزارة الدفاع المتقشفة عادة بمحاولة لإجبار وزارة الدفاع علي اتخاذ خيارات صعبة. لكن بالإضافة إلي ذلك فإنها تجبر وزارة الدفاع علي اتخاذ خيارات غبية، فهي تشبه تخيير سائق بين سيارة دون مكابح أو سيارة دون مقود.

مدرب لكن غير مستعد

هناك أيضا ضحية ثانية للميزانيات المتقشفة. فمع صراع قطاعات الجيش للحفاظ علي القدرات التقليدية، ومع تكليف قيادة القوات الخاصة بكل شئ تقريبا، كيف يمكن للجيش أن يوجد القدرة علي بناء وابتكار وتبني النوع الثاني من قوات العمليات الخاصة؟

أكثر ما يمكن تنبأه عن الحرب هو أنها لا يمكن التنبأ بها. حيث يجب علي القوة الدولية المتحملة لمسؤوليات عالمية أن تمتلك الوسائل المناسية للدعم والابتكار لتلبية الاحتياجات الغير متوقعة، عبر التحلي ببعد النظر والكفاءة، ناهيك عن القدرة علي مجابهة ما تتوقعه من احتياجات.

هناك ثلاثة خيارات. أحدها هو الحفاظ علي قوة متخصصة لتحقيق قوة مركزية. والتي يمكن أن تكون فرق الصاعقة البحرية أو قوة الصواريخ الباليستية علي سبيل المثال. أما الخيار الثاني فهو الحفاظ علي وجود طرف آخر يستطيع آداء نفس المهمة. ويتضمن ذلك القدرة علي تدريب وإعداد قوات الحلفاء والقوات المحلية لتأدية دورهم. أما الخيار الثالث فهو الحفاظ علي عقيدة، وقوات، وتدريب، وقيادة لإعادة تكوين القوات لتنفذ مهام أخري. وتمثل البنية التحتية الداعمة للوحدات التقليدية واستخدامها في تأدية نطاق من مهام ما بعد الحرب ومكافحة التمردات في العراق مثالا جيدا.

وتحت وطأة الضغوط الحالية لخفض الميزانية، سيستعد الجيش، في أفضل الأحوال، عبر تبني القليل من جميع الخيارات السابقة. وهو ما يمثل إنذارا عند التفكير مليا في قدرة الولايات المتحدة علي تنفيذ عمليات خاصة، بعد التكيف مع الوضع المالي الجديد، في المستقبل.

نعم يبدو الأمر مأسويا، لكن يحتمل جدا أن تأتي فترة في المستقبل القريب لن يستطيع الجيش فيها أن يتكيف بنفس السرعة التي تكيف بها خلال الحرب العالمية الثانية بالنسبة لقوات العمليات الخاصة.

مشكلات وحلول

ستتطلب معالجة العجز في النوع الثاني من القوات الخاصة، مع تطبيق الميزانية المتقشفة، تفكيرا مخالفا للمعتاد. وقد تأتي الحاجة لقوات مبتكرة من النوع الثاني بسبب نهاية ذلك النوع من النشاطات الذي تتطلبه العمليات الخاصة – بطريقة مباشرة أو غير مباشرة.

يكمن الحل المباشر، كما أوضحه مارافين في جلسة استماع أمام لجنة الجيش بمجلس الشيوخ عام 2012، في "الوحدات الصغيرة المتفوقة تكنولوجيا والشديدة الفتك، والاستخبارات القوية، والتعاون المشترك بين الوكالات، ثم دمج جميع تلك العناصر في ساحة معركة متصلة رقميا." ثم يأتي الحل الغير مباشر، والذي أوضحه ماكرافين، "ويتضمن تعزيز جيوش الدول المضيفة، وتقديم المساعدة الملائمة للوكالات الانسانية، وإشراك الفئات السكانية الرئيسية." فمن يراهن لا يضع جميع رهاناته علي عامل واحد، بل سينوع رهاناته. وهو ما سيتطلب أموالا لا تملكها وزارة الدفاع.

كما يفرض التفكير المتقشف تحديا آخر علي الجيش وهو عدم توافر التدرجية المحدودة لقوات العمليات الخاصة المعاصرة من وجهة نظر استراتيجية. فبعد أن يحصل البنتاجون علي نصيبه من الميزانية، سيصبح خالي الوفاض.

كما توضح تجارب العراق وأفغانستان، أنه ليس عمليا أن تبني قوات خاصة في خضم حرب لتتولي مهام بعرض البلاد مثل مكافحة التمرد أو التحديات الإقليمية. فالصعاب تكون أقوي عند إدراك الحاجة العالمية لتلك الوحدات. حتي إن استطاعت الولايات المتحدة أن تتخلي عن كل احتياجاتها لتواجه تهديدا واحدا، فستتجرد من القدرة علي مواجهة تهديدات أخري. فتركيز جميع الامكانيات علي حل مشكلة واحدة، سيترك بقية مصالح الأمن القومي في خطر.

التعبئة ليست خيارا ذكيا في حالة الميزانية المتقشفة. فهناك جزئين من الجيش الأمريكي، القوة العاملة والقوة المتكونة. تقوم القوة العاملة بالمهام مثل خوض الحروب. بينما تدعم القوة المتكونة القوة العاملة وتتيح القدرة علي إضافة المزيد في المستقبل.

تكمن خطة واشنطن الحالية في الوقاية من التهديدات المستقبلية عبر زيادة وسائل تعبئة المزيد من القوات في المستقبل، وهو ما يعني زيادة القوة المتكونة. وفي ظل الميزانية المتقشفة، يمكن تعبئة قوة متكونة أكبر عبر تقليل القوة العاملة. إنها لعبة متعادلة. وفي المقابل، تقلل القوة العاملة الأصغر القدرة علي مواجهة المخاطر التي قد تتحول إلي مشاكل أكبر يصعب حلها فيما بعد.

فللمفارقة، تؤدي مواجهة المخاطر عبر استراتيجية التعبئة إلي زيادة المخاطر.

التغيير الشامل

تؤثر الميزانية المتقشفة سلبا علي التوازن بين القوات الخاصة والقوات التقليدية. بالإضافة إلي تقليص التخطيط الحالي لوسائل تكوين قوات خاصة من النوع الثاني. وتخل طريقة مواجهة واشنطن لتهديداتها بتوازن القوة العاملة والقوة المتكونة.

لقد قادت الخمس سنوات الماضية الولايات المتحدة إلي الاتجاه الخاطئ تماما في تخطيط القوة. ويمثل التركيز القليل علي قوات العمليات الخاصة أحد أعراض المشكلة، وليس حلها. بل يكمن حلها في إدراك أن خفض ميزانية الدفاع ليس استراتيجية بقاء واستمرار، إن كانت الولايات المتحدة تخطط لتدريب وتجهيز القدر الكافي من الجنود لحماية مصالحها القومية الحيوية في المستقبل. فعند تخطيط قدرات القوات الخاصة، يؤدي أسلوب الولايات المتحدة إلي التقليص، وليس التوسع لمجابهة الحاجات المستقبلية.

لحل المشكلة، تحتاج الولايات المتحدة لتغيير شامل في استراتيجيتها.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب