القرار الروسي بصدد خط أنابيب "ساوث ستريم" يغير المعادلة الإقليمية

مقال رأي

الخلاصة

استمرت تداعيات القرار الروسي بالتخلي عن خط أنابيبها الطموح "ساوث ستريم" حتى الثالث من ديسمبر، مع إعلان شركة الطاقة الإيطالية "سايبم" أنها ستخسر ما يقارب 2 مليار دولار بسبب خطوة موسكو. ودعا الرئيس البلغاري روزين بلفنلفيك الشركاء الأوروبيين في المشروع لتقرير مستقبل المشروع. وقال رئيس رابطة الغاز الطبيعي الصربي، فوجيزلاف فوليتك، إن بلاده مازالت مهتمة بالمشروع، بينما صرّح وزير الخارجية المجري، بيتر زيجارتو، أن بلاده ستضطر للبحث عن مصادر بديلة للغاز الطبيعي لتعويض إمدادات "ساوث ستريم."

وتأتي تلك التداعيات على خلفية القرار الروسي بالتخلي عن صفقة أنابيب الغاز في الأول من ديسمبر، أثناء زيارة تركيا. كما وجه بوتين اللوم بشكل صريح لمعارضة المفوضية الأوروبية للمشروع، رغم مواجهة المشروع لعوائق أخرى متزايدة (متعلقة بالتمويل بشكل رئيسي). إلا أن بويتن أعلن في ذات الوقت أن روسيا سوف تبني خط أنابيب مشابه ينتهي في تركيا، وعندها سيمكن لتركيا أن تصبح مركزاً لصادرات الغاز الطبيعي الروسي. لا يُغير القرار معادلة الطاقة في المنطقة فقط، بل أيضاً يؤثر على علاقات عديدة في أوروبا، وتركيا، وروسيا.

تحليل

مشروع "ساوث ستريم" هو خط أنابيب كبير تولّته عملاقة الغاز الطبيعي الروسية "جازبروم" لتصدير الغاز الطبيعي الروسي من الأراضي الروسية، عبر البحر الأسود، إلى دول جنوب ووسط أوروبا، مثل بلغاريا، صربيا، المجر، اليونان، سلوفينيا، كرواتيا، والنمسا. كان الهدف الرئيسي لخط الأنابيب توصيل أوروبا بروسيا مباشرة دون المرور بأوكرانيا، والتي نقلت سابقاً 80 بالمئة من الغاز الطبيعي الروسي إلى أوروبا. ونص الاتفاق على تقسيم مراحل المشروع بنسبة 50 بالمئة لشركة "جازبروم" الروسية، و20 بالمئة لشركة "إي إن أي" الإيطالية، و15 بالمئة لشركة "وينترشال" الألمانية، و15 بالمئة لشركة "أي دي إف" الفرنسية. وتضمنت الخطة الأولية أن توصل خطوط الأنابيب ما قيمته 63 مليار متر مكعب من الغاز بحلول العام 2018، وهو ما يمثل حوالي 40 بالمئة من صادرات الغاز الروسية لأوروبا إذا حقق المشروع تلك القدرة.

أصبح المشروع مهماً بشكل متزايد بالنسبة لموسكو خلال العام الماضي مع تهديد الأزمة الأوكرانية – سياسياً وتقنياً – لإمكانية استمرار صادرات الغاز الطبيعي الروسي لأوروبا عبر أوكرانيا. إلا أن المشروع واجه مجموعة من العقبات منذ وضع تصوره عام 2007.

عارض الاتحاد الأوروبي المشروع في البداية، زاعماً أنه ينتهك "حزمة الطاقة الثالثة"، وهي التشريع الأوروبي الذي يفصل إنتاج الطاقة عن نقلها. واستخدمت المفوضية الأوروبية القانون في الضغط على دول الاتحاد الأوروبي الموقعة على الاتفاق مع روسيا لبدء المشروع. ونتيجة لذلك أوقفت بلغاريا بناء الجزء الخاص بها من المشروع في يونيو.

وتمثلت العقبة الثانية في ارتفاع تكلفة أنابيب التوصيل، فقد حددت شركة "جازبروم" تكلفة 10 مليار دولار عام 2007، لكن التكلفة تصاعدت إلى 30 مليار دولار عام 2014 وعلى الأرجح ستستمر في الارتفاع. كما حذّر كلاويديو ديسكلازي، المدير التنفيذي لشركة "إي إن أي"، في منتصف شهر نوفمبر من أن شركته سوف تتخلى عن المشروع إن استمرت الأسعار في الزيادة. وتتمتع شركة "جازبروم" بوضع مالي جيد نسبياً، على خلاف شقيقتها "روزنيفت". إلا أنه مع التخطيط لبدء مشروعات كبيرة ومكلفة خلال السنوات القليلة الماضية، ومنها مشروع "يامال" للغاز الطبيعي وتوصيل خطوط أنابيب "باور أوف سايبريا" إلى الصين، يصبح من المرجح ألا تستطيع "جازبروم" تحمل التكلفة الكاملة لمشروع "ساوث ستريم" دون مساعدة مالية من الكرملين. ومع الهبوط الاقتصادي الروسي الحاد وهبوط أسعار النفط، امتنع الكرملين عن منح كميات كبيرة من الأموال مثلما فعل في الماضي.

أنفقت "جازبروم" بالفعل 4.5 مليار دولار على المشروع، أغلبها على 300,000 طن من خطوط الأنابيب الرئيسية تحت الماء، والتي تم توصيلها إلى ساحل البحر الأسود. إلا أن تلك الأنابيب يمكن استخدامها في بناء خطوط الأنابيب الجديدة الموصلة إلى تركيا. ووفقاً لرئيس "جازبروم،" أليكسي ميلر، فإن خط الأنابيب البديل يمكنه نقل 63 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي، وتستطيع تركيا شراء 14 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي ثم تنقله إلى جنوب شرق أوروبا إلى نفس الدول التي كانت ستحصل على الغاز من مشروع "ساوث ستريم." أي أن التغيرات في مشروعات خطوط الأنابيب تؤدي إلى نفس الطريق تقريباً؛ حيث ستكون النتيجة متماثلة، إلا أن طريق نقل الغاز هي محور التساؤل، بما أن أية بنية تحتية لخطوط الأنابيب داخل أوروبا ستخضع لنفس قوانين الاتحاد الأوروبي التي طاردت "ساوث ستريم".

التداعيات السياسية

عبر إلغاء مشروع "ساوث ستريم" واقتراح خط أنابيب روسي تركي، غيرت روسيا معادلة السياسية والطاقة الخاصة بالمنطقة. فأولاً، استخدمت روسيا مشروع "ساوث ستريم" للتأثير على أوكرانيا وعدة دول في جنوب شرق أوروبا. حيث عرضت روسيا على بلغاريا، وصربيا، والمجر بعض محفّزات الاستثمار – مثل وعود بأمن الطاقة، ووظائف في قطاع البناء وإيرادات النقل – في حالة دعمهم للمشروع. على سبيل المثال، تهيئت بلغاريا للحصول على ما يصل إلى 500 مليون دولار سنوياً لنقل الغاز الطبيعي من "ساوث ستريم". كذلك استخدمت موسكو احتمالية استخدام بدائل لنقل الغاز الطبيعي في تفاوضات الطاقة مع كييف. ومع التخلي عن المشروع، فقدت روسيا ذلك التأثير.

كما يضر ذلك القرار بعلاقات روسيا السياسية مع بعض شركائها الأوروبيين في المشروع. حيث أنفقت دول مثل المجر وصربيا الكثير من رأس مالها السياسي متحدية الاتحاد الأوروبي عبر دعم بناء خطوط الأنابيب. أمّا الآن فتصرح تلك الدول بأنها ستتجه للاتحاد الأوروبي لمساعدتها في تأمين احتياجاتها من الطاقة.

تغيُّر العلاقات المتعلقة بالطاقة

في حالة بناء خطوط الأنابيب الروسية التركية المقترحة، سوف ترفع روسيا من قدرتها بدرجة كبيرة إلى تركيا مباشرة، وهي أكبر مستوردي الغاز الروسي، حتى تحقق مستوى خطوط أنابيب "نورد ستريم" التي توصل بين روسيا وألمانيا، ثاني أكبر مستورد للغاز الروسي. علاوة على ذلك، يرجح أن تحصل تركيا على خصم بقيمة 6 بالمئة على إمدادات الغاز الحالية كجزء من اتفاقية البناء. فمع اتصال تركيا مباشرة بروسيا لن تعتمد إمدادات الغاز الطبيعي على دول مضطربة سياسياً مثل أوكرانيا. وتحصل تركيا حالياً على النصف تقريباً من إمدادات الغاز الخاصة بها من خطوط أنابيب متجهة إلى أوروبا.

إلا أن خطوط الأنابيب الروسية التركية سوف تقدم دولة وسيطة أخرى في صادرات الغاز إلى أوروبا. حيث كان الهدف من مشروع "ساوث ستريم" هو التوصيل المباشر للغاز الروسي إلى جنوب شرق أوروبا، وتخطي أوكرانيا. وفي ظل الخطة الجديدة، ستظل إمدادات الطاقة مبتعدة عن أوكرانيا، لكنها ستكون مشروطة بنقل تركيا للإمدادات. ليس لدى روسيا التأثير الذي امتكلته على أوكرانيا، أي أن موسكو سيكون لديها قدرة أقل على تسييس إمدادات الغاز الطبيعي المتجهة إلى القارة.

إلا أن إضافة طريق توصيل جديد لإمدادات الغاز الطبيعي عبر تركيا سوف يوفّر لموسكو المزيد من المرونة في تقديم الإمدادات إلى أوروبا. فروسيا لديها بالفعل خطوط أنابيب توصل إلى أوروبا عبر بيلاروسيا، وأوكرانيا، وألمانيا. وإضافة طريق آخر عبر تركيا سوف يوفر لروسيا قدرة أكبر على تحويل إمداداتها من طريق إلى آخر، لتستهدف دولاً أوروبية محددة بقطع الإمدادات حسبما تريد موسكو أن تشكل البيئة السياسية.

كما يضيف المشروع المقترح المزيد من التعقيد إلى مشروعات الطاقة الأخرى التي تشارك فيها تركيا. فقد تم اقتراح إنشاء خطوط أنابيب "ترانس-أنطولين" لنقل الغاز الطبيعي التركماني عبر منطقة القوقاز إلى تركيا وأوروبا. وبالفعل تتحرك تركيا قدماً نحو صلة مشابهة، وهي خطوط أنابيب "ترانس-أدريتك"، والتي ستنقل الغاز الطبيعي الأذربيجاني. وامتدت المحادثات طويلاً حول إمكانية توصيل عملاقة الغاز الطبيعي "تركمانستان" لتلك الطرق عبر خط أنابيب "ترانس-كازبيان". ومثلما تبارى مشروع "ساوث ستريم" مع تلك الخطط، سيفعل خط الأنابيب المقترح ليوصل إلى تركيا. وستستمر أنقرة في محاولة تحقيق التوازن بين موسكو والمزودين البدلاء مثل أذربيجان. إلا أنه مع قدوم الغاز مباشرة من تركيا، سيقل الحافز من أجل استمرار التودد لتركمانستان من أجل إمداداتها من الغاز.

رغم كل ما قيل، يظل إعلان روسيا عن تخليها عن مشروع "ساوث ستريم" مرتبطاً بالتوتر السياسي الحالي بين موسكو والاتحاد الأوروبي. فتستطيع روسيا أن تعيد النظر في خططها في حال تغيُّر العلاقات. أمّا بالنسبة للآن، فيبدو الانسحاب الروسي من المشروع كانتكاسة في استراتيجية الطاقة الروسية في أوروبا، لكن يمكن أن تكون روسيا ببساطة متلاعبة بالمشروعات المماثلة لتشكيل محادثاتها السياسية والمتعلقة بالطاقة بشكل عام في المنطقة.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب