القيصر يلتقي السلطان

مقال رأي

إلتقى، أقل الزعماء الأوروبيين شعبية، القائد الروسي فلاديمير بوتين والرئيس التركي رجب الطيب أردوغان بأنقرة، في الأول من ديسمبر، من أجل اجتماع التعاون التركي الروسي رفيع المستوي. نحّى كل واحد منهما، وكلاهما صريح ومتعجرف، خلافاتهما الكبيرة حول سوريا، وأوكرانيا، وقبرص جانباً وسعيا لإيجاد وسائل جديدة لتعميق التعاون بين روسيا وتركيا.

اختار بوتين تلك اللحظة بطبيعة الحال ليعلن حرب الغاز الطبيعي على أوروبا. حيث قال الرئيس الروسي، في مؤتمر صحفي مشترك مع أردوغان، أن موسكو سوف توقف متابعة خطط بناء خطوط أنابيب توصيل الغاز الطبيعي لأوروبا، وهي خطوط أنابيب "ساوث ستريم"، وبدلاً منها ستضع خططاً لخطوط جديدة توصل بتركيا. ومع توقيع موسكو وأنقرة يوم الاثنين ميثاق تفاهم لبناء مركز جديد، وضعت روسيا حجر الأساس لخط الأنابيب.

يُلقي بوتين اللوم على الاتحاد الأوروبي لتعنته. وقال معلقاً في المؤتمر الصحفي: "سيصل الغاز الروسي إلى أسواق عالمية أخرى في صورة غاز طبيعي مسال، إنه خيارهم"، وقال أيضاً من يحتاج للغاز الروسي سيضطر لشرائه عبر تركيا.

أمّا بالنسبة لتركيا فيبدو التحالف الجديد متوافقاً مع إعادة التقييم الأخير الذي قام به أردوغان للعلاقات مع الاتحاد الأوروبي. وصرّح الأخير، في مقابلة تلفزيونية العام الماضي، أن منظمة شنجهاي للتعاون، وهي شراكة أمنية بين روسيا والصين وعدة دول سوفيتية سابقة، "أفضل وأكثر قوة من الاتحاد الأوروبي". وانقسم الأتراك، كعادتهم، في رد فعلهم تجاه هذا التعليق.

جاء الإعلان مباشرة بعد حث الأمين العام لحلف الناتو لتركيا على الانضمام للاتحاد الأوروبي في فرض العقوبات علي روسيا. لكن هذا الموضوع بالكاد ظهر على أجندة اجتماع الرئيسين. بل وتعهدا بزيادة حجم التجارة بين البلدين والتي تقدر بقيمة 33 مليار دولار لتصل إلى ثلاثة أضعافها بقيمة 100 مليار دولار بحلول نهاية العقد الحالي. تركيا بالفعل هي ثاني أكبر سوق لصادرات الغاز الروسي خارج دول الاتحاد السوفيتي سابقاً. واتفق الزعيمان أيضاً، خلال هذا الاجتماع، على خفض سعر الغاز الطبيعي لتعميق العلاقات. كما أعلن الرئيس بوتين خلال المؤتمر الصحفي المشترك أن روسيا سوف تخفض سعر الغاز الطبيعي الذي ترسله لتركيا بقيمة 6 بالمئة بحلول الأول من يناير 2015، وأنها سوف ترفع القدرة الحالية لخطوط أنابيب غاز "بلو ستريم" بقيمة 3 مليارات متر مكعب. وأضاف أنه يستطيع أن يُقدّم شراكة أفضل إذا توصّلت روسيا وتركيا إلى اتفاق أفضل بصدد تعميق التعاون في مجال الطاقة.

وفي المقابل سيسر بوتين أن يشهد تقدماً في مشروع "روساتوم" لبناء أول محطة طاقة نووية تركية بقيمة 20 مليار دولار، في أكويو قرب مدينة ميرسن الساحلية. وتستعد تركيا لتحقيق ذلك. كما وافقت وزارة البيئة والتخطيط العمراني التركية على تقرير تقييم بيئي مثير للجدل لأول محطة تركية لتوليد الكهرباء في مقدمة زيارة بوتين للبلاد. ووفقاً لتقارير إعلامية، حذّر نشطاء ومنظمات بيئية، مثل منظمة "جرين بيس"، من آثار النفايات المشعة الخطيرة، وقالت إنها سوف ترفع دعوى قضائية بهذا الصدد.

لنكن متأكدين أن بوتين وأردوغان يختلفان حول عدد لا يحصى من المشكلات، خصوصاً فيما يتعلق بالسياسة الخارجية. لكن لم يسمح أي منهما لتلك المشكلات بإلقاء ظلالها على لقاء أنقرة. وانتقد أردوغان حلفائه في حلف الناتو لضعف موقفهم تجاه سوريا بشكل أسبوعي، لكنّه كان رقيقاً جداً مع بوتين، رغم كونه أحد أكبر داعمي بشار الأسد. ورغم أن كلاهما قد أكد على موقفه، إلا أنهما أزاحا الضغينة بينهما من أجل التعاون ضد عدو مشترك، وهو الغرب.

عادة ما يُشبّه النقاد الغربيون نزعات أردوغان الاستبدادية بتلك الخاصة ببوتين، ويتسائلون إن كان أردوغان يبني رئاسته على النموذج الروسي. وشبهت المجلة الألمانية "فوكاس" لقاء بوتين الأخير مع أردوغان بأنه لقاء "القيصر مع السلطان". فبالفعل بين الإثنين ما هو مشترك بشكل كبير. فكلاهما يبجل إرث ماضي بلاده الامبراطوري، ويمتلك كل واحد منهما دعماً قوياً في بلاده، رغم اتهامهما بالاستبدادية والديكتاتورية خارج بلادهما. وتلاعب كلاهما بدستور بلادهما لتمديد فتراتهما في مناصبهما السياسية. وتبدّل كل منهما بين منصبي الرئيس ورئيس الوزراء، ليعدلا توازن القوة في العملية السياسية. واستخدم كلاهما النظام القضائي في قمع الخصوم السياسيين. وسحق كلاهما حركات احتجاج شعبية، بالإضافة لاستخدام نظريات المؤامرة لتعزيز الوطنية. وأخفى كلاهما فكره الحقيقي وراء ستار الديمقراطية، وكلاهما لديه نهج إشكالي تجاه حقوق المرأة.. وتطول قائمة التشابهات.

يبدو أن أردوغان بالفعل ينتهج نهج بوتين في استعداء الغرب. فصورة الزعيم التركي في الغرب تتدهور يوماً بعد يوم. بل في الواقع، وقبل زيارة بوتين بأيام، ألقى أردوغان خطاباً أمام اللجنة الدائمة للتعاون الاقتصادي والتجاري بمنظمة التعاون الإسلامي في اسطنبول، وقال: "أنا أتحدث صراحة، يحب الغربيون النفط، والذهب، والماس، والعمالة الرخيصة التي تتوافر في العالم الإسلامي. هم يحبون صراعات وحروب ونزاعات الشرق الأوسط. صدقوني، هم لا يحبوننا. هم يعاملوننا كأصدقائهم، لكنهم يريدون موتنا، هم يحبون رؤية أطفالنا موتى. إلى متى سنتحمل تلك الحقيقة؟"، وقال أيضاً إن دول الشرق الأوسط تستطيع أن تحل مشكلاتها بنفسها دون أي مساعدة من الغرب.

أردوغان ليس ساذجاً، يجب أن يستوعب أن تحالفه مع روسيا ليس شراكة استراتيجية، ولكنها شراكة برغماتية. لكن بينما قد تتمتع تركيا بالمزايا قصيرة المدى لهذا الاتفاق الجديد، يجب أن يتسائل أردوغان حول تأثير الاتفاق على مصالح تركيا بعيدة المدى. وقد يؤدي تطور العلاقات مع بوتين إلى تصعيب الأمور على الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، لكن لن تسر أنقرة ولا موسكو إذا سعت أوروبا من أجل توصيل أنابيب غاز بديلة تحت الماء، مثل التي ستصل في إيطاليا، واليونان، وقبرص، وإسرائيل.

قادت تصريحات الرئيس التركي البعض في واشنطن للتعليق بأن أردوغان قد فقد عقله، في اجتماعات خاصة بالتأكيد. من الطبيعي بشكل مثالي لتركيا أن تختلف مع الغرب من حين لآخر لحماية مصالحها القومية، لكن إن أرادت أنقرة أن تظل في حلف الناتو، فعلى أردوغان أن يغير أسلوب خطابه قريباً، حسبما يقول البعض.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب