الملك الأردني عبد الله يأتي إلى واشنطن

مقال رأي

هناك الكثير من المواضيع للمناقشة بين العاهل الأردني الملك عبد الله والرئيس أوباما عندما يجتمعان في البيت الأبيض في 5 كانون الأول/ديسمبر، من بينها قضية القدس والأحداث الجارية في العراق وسوريا. وليس هناك شك أن الحملة الجوية التي تقودها الولايات المتحدة ضد تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» («داعش»)، سوف تكون على قمة جدول أعمال الزعيمين: وقد برزت المملكة الهاشمية المعتدلة سياسياً كحليف عربي رئيسي لواشنطن في الحرب ضد «داعش»، التي تعرف أيضاً باسم تنظيم «الدولة الإسلامية». بيد، إن التحديات الداخلية في المملكة ينبغي أن تكون أيضاً موضوعاً للنقاش، حيث تشعر الأردن بصورة متزايدة بالضغوط في داخل البلاد نتيجة لامتداد الحرب من سوريا المجاورة. وعلى وجه الخصوص، اعتقلت الأردن في الأشهر الأخيرة العشرات من المتشددين الإسلاميين، وفي تشرين الثاني/نوفمبر، أغلقت المملكة أخيراً حدودها مع سوريا بسبب العدد الضخم من اللاجئين السوريين الذي اجتاج البلاد.

رد فعل عنيف تجاه اللاجئين

وفقاً لـ "مكتب المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين"، هناك حتى الآن ما يقرب من 620,000  سوري سجلوا أسماءهم كلاجئين في الأردن. وفي الوقت نفسه، يقول المسؤولون الأردنيون، بمن فيهم الملك عبد الله، أن المملكة تستضيف حالياً 1.4 مليون سوري. ويقيناً، هناك اختلاف كبير بين هذه الأرقام، وربما يرجع ذلك جزئياً إلى المنافع الاقتصادية المرتبطة بالتقديرات العالية، ولكن بغض النظر عن المصدر الأكثر دقة، فإن وجود اللاجئين السوريين واضحاً وملموساً وله أثر اجتماعي واقتصادي حقيقي في المملكة.

والأسوأ من ذلك، يبدو أن اللاجئين يُحدثون بعض الاستياء بين المضيفين الأردنيين المعروفين تاريخياً بكرمهم. وخلال زيارة قمت بها مؤخراً إلى الأردن، لاحظت أن هناك قصة تتناقل شفوياً حول اثنين من الأردنيين كانا يقودان سيارة في إربد وعوملا بخشونة بشكل غريب بعد أن استفسرا عن اتجاهات وطرق السفر. وكان تفسير أحد السكان المحليين في إربد الذي أرشدهما في النهاية باتجاهات السفر، هو تحدُّث المسافريْن بلهجات سورية. وهذا ليس إلا مثالاً واحداً من ظاهرة من المرجح أن تزداد كلما استمرت الحرب.

ومن المثير للدهشة، أنه تم الإبلاغ حتى الآن عن عدد قليل جداً من حوادث العنف بين السوريين والأردنيين. وكان أشهر هذه الحالات في محافظة القبلية في الطفيلة في أيلول/سبتمبر، عندما قام مجرم سوري بمهاجمة رجل من قبيلة سوالقة وأرداه قتيلاً. وفي أعقاب الهجوم، قام سكان الطفيلة بأعمال شغب وطردوا في أعقابها سبع مائة لاجئ سوري من المدينة. وفي حين ليس هناك احتمال بعودة جماهير اللاجئين السوريين إلى وطنهم في أي وقت في المستقبل قريب، من المرجح أن تزداد هذه الأنواع من المواجهات.  

المعارضة للتحالف

إن الأردنيين غير مفتونين بصورة خاصة من «داعش» ومن «جبهة النصرة» - ذراع تنظيم «القاعدة» في سوريا؛ بيد لأنه يُنظر إلى هذه الجماعات بأنها تدافع عن أهل السنة ضد نظام بشار الأسد العلوي - الشيعي إسمياً، يَنظر الأردنيون إليها ببعض الإزدواجية. وفي الواقع، وفقاً لاستطلاع للرأي أجراه "مركز الدراسات الاستراتيجية" في الجامعة الأردنية، يعتبر 62 في المائة فقط من الأردنيين أن تنظيم «الدولة الإسلامية» منظمة ارهابية، بينما يعتبر 31 في المائة فقط أن «جبهة النصرة» منظمة ارهابية. ووفقاً لهذه المشاعر، يعارض الكثير من الأردنيين مشاركة قواتهم العسكرية في الحملة التي تستهدف «داعش» و «جبهة النصرة».

وكما يمكن أن يتوقع للمرء، فإن المعارضة لمشاركة الأردن هي الأقوى بين الإسلاميين. وتقول جماعة «الإخوان المسلمين» أن المشاركة في الائتلاف تنتهك الدستور الأردني. ويصف إسلاميون محليون آخرون، وسلفيون جهاديون، وعلماء (مسلمين) الغارات الجوية بأنها "حملة ضد الإسلام". كما هناك شخصيات خارج معسكر الإسلاميين كانت قد انتقدت هي الأخرى هذه المشاركة. وفي أيلول/سبتمبر، وقّع واحد وعشرون نائباً من أعضاء البرلمان على رسالة إلى رئيس البرلمان ترفض التدخل العسكري الأردني لمحاربة تنظيم «الدولة الإسلامية»، وقالوا: "هذه الحرب ليست حربنا". وفي الآونة الأخيرة، شكا ماجد الشراري رئيس بلدية معان، التي لطالما سادها الإضطراب، من أن الأردن ليست لديها "مصلحة في الحرب ضد «داعش»". وقال إن الحرب "تخدم إسرائيل". ويُعرف السيد الشراري بصورة أفضل بوضعه ممسحة أرجل - وعليها العلم الإسرائيلي - في منزله.

ويطرح الأردنيون - على سبيل المثال رئيس تحرير موقع JO24.net اليومي الليبرالي باسل العكور-  فكرة أكثر منطقية، إن لم تكن مقنعة، ضد العضوية في التحالف. فقد قال في تشرين الثاني/نوفمبر "نحن لا نتدخل في [أزمَتيْ] غزة و الأقصى، وهذه أكثر أهمية بالنسبة لنا". والأمر الأكثر مدعاة للقلق بالنسبة للعكور هو احتمال مساهمة المملكة في النهاية في الحرب الدائرة بإرسالها قوات برية للمشاركة في [الحملة ضد «الدولة الإسلامية»]. وقد سأل، "ما الذي سيحدث إذا نشرنا [قوات] وتسفر العملية عن مقتل عشرة من رجال القبائل؟ ستكون هناك احتجاجات ضخمة" تهدد الاستقرار في المملكة.

وبغض النظر عن التوجه السياسي للأردنيين، فإن الرأي السائد في المملكة هو أن تنظيم «الدولة الإسلامية» لن يستهدف الأردن إذا لا يشارك النظام في الحملة. وإذا وضعنا جانباً هذه الفكرة الغريبة القائلة بأنه سوف يتم نوعاً ما تجاهل الأردن في مسعى تنظيم «الدولة الإسلامية» لإقامة خلافة تمتد من العراق إلى المغرب، فإذا ما قام إرهاب «داعش» بضرب المملكة في نهاية الأمر، فليس هناك شك بأن الكثير من الأردنيين سوف يلقون اللوم على القصر الملكي لتسببه في إثارة الغضب الذي أدى إلى وقوع الهجمات.

حملة اعتقالات

في الوقت الذي يوجد فيه ما يقدر بحوالي2,500  مقاتل أجنبي أردني في سوريا وقيام مؤشرات عن تزايد التأييد للاتجاه السلفي الجهادي داخل المملكة، أقر البرلمان الأردني في حزيران/ يونيو قانون جديد لمكافحة الإرهاب يمنح الحكومة حيزاً قانونياً واسعاً لسجن المواطنين الذين يقدمون الدعم الأيديولوجي والمساعدة في عمليات التجنيد للمنظمات الإرهابية. ووفقاً لتقارير صحفية أردنية، استخدمت عمان هذا القانون في الأشهر الأخيرة من أجل اعتقال ما بين 200 و 300 شخص من الذين وُصفوا كمتشددين إسلاميين، و قد أحيل الكثير منهم إلى المحاكمة  في "محكمة أمن الدولة" بسبب أنشطتهم على الإنترنت. وعلاوة على ذلك، ذكرت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية الأردنية الشهر الماضي انها منعت خمسة وعشرين إماماً من إلقاء المواعظ بسبب مخالفتهم القانون من خلال تشجيعهم الأفكار المتطرفة أثناء إلقاء خطاباتهم من على المنابر.

ويظهر أن الأردنيين، مع بعض الاستثناءات، يدعمون الإجراءات القانونية الجديدة والصارمة إلى حد ما لمكافحة الإرهاب. وليس من المستغرب أن الإسلاميين لا يشعرون بالسرور من ذلك. ويقول محامي السلفيين الذي يشغل منصبه منذ فترة طويلة موسى عبد اللات، بأن الاعتقالات "سياسية"، ويدّعي بأن الأردن كانت مجبرة على اتخاذ هذه الإجراءات بحكم عضويتها في التحالف الذي يحارب «داعش». وفي وقت سابق من هذا الأسبوع - ورداً على اعتقال ما يقرب من عشرين أردنياً - وقّع خمسة وعشرين عضواً في البرلمان على عريضة تطالب بـ "نهاية سلسلة الاعتقالات السياسية في الأردن". وكان على قمة الموقّعين على العريضة نائب الأمين العام لـ جماعة «الإخوان المسلمين» زكي بني ارشيد، الذي اعتقل مؤخراً لانتقاده الإمارات العربية المتحدة لتصنيفها جماعة «الإخوان» على أنها منظمة إرهابية.

صمام الأمان للقدس

في تشرين الأول/أكتوبر وتشرين الثاني/نوفمبر انضمت أزمة الاقصى/جبل الهيكل التي اندلعت بين إسرائيل والفلسطينيين إلى تيار الضغوط المحلية المستمرة في الأردن، الأمر الذي أثار العشرات من المظاهرات المعادية لإسرائيل في المملكة. وبالفعل منذ أيلول/سبتمبر، شهدت الأردن مظاهرات منخفضة الحدة احتجاجاً على اتفاق الـ 15 مليار دولار لشراء الغاز الطبيعي من إسرائيل. وفي الأسبوع الماضي فقط، وفي خطوة تهدف إلى إحراج القصر الملكي، رفعت النائب هند الفايز علامة من على منبر السلطة التشريعية تتحسّر عن التمويل الذي يوفره الاتفاق لـ "الاحتلال". وقد أثبتت احتجاجات الأقصى الأخيرة - التي تزامنت مع الذكرى العشرين لتوقيع معاهدة السلام بين إسرائيل والأردن - بأنها تمثل تشتيتاً غير مرحب به وإن كان مفيداً لعمان، بإتاحته للملكة إعادة تأكيد مسؤوليتها عن الوقْف في القدس وحسن نيتها المؤيدة للفلسطينيين.

لقد أدلى عدد من كبار المسؤولين الأردنيين بتصريحات قوية خلال أزمة الأقصى، وأبرزها ما جاء في كلام سفير عمان في إسرائيل وليد عبيدات، أثناء الاحتفال بالذكرى السنوية العشرين لاتفاقية السلام الموقعة بين البلدين في وادي عربة في 26 تشرين الأول/أكتوبر محذراً من أنه "إذا تم السماح باستمرار الإجراءات الإسرائيلية في القدس، فإن ذلك سوف يهدد المعاهدة في النهاية". وقد استدعي عبيدات إلى عمان بعد ذلك الخطاب ولم يعُد بعد إلى منصبه. وقبل أيام من ذلك، أعرب الملك عبد الله نفسه عن رأيه حول التطورات في القدس خلال اجتماع عقده مع المشرعين الأردنيين، وأدان كل من التطرف الجهادي و "التطرف الصهيوني". وبالرغم من هذه التصريحات، اجتمع الملك مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في عمان في منتصف تشرين الثاني/ نوفمبر، ولعب دوراً حاسماً في حل الأزمة، وخلال سير الأحداث عمل على تحسين مكانة النظام في داخل البلاد مما يدل بصورة أكثر على أهميته لواشنطن.

الخاتمة

بعد مرور أربع سنوات على اندلاع الحرب في سوريا، لا تزال الأردن تثبت مرونة في ضل الضغوط الكبيرة التي تواجهها. وإدراكاً منها للتهديد المتنامي الذي يشكله تنظيم «الدولة الإسلامية» وأهمية استمرار الاستقرار في المملكة، قدمت واشنطن في عام 2014 أكثر من  مليار دولار من المساعدات المالية والعسكرية إلى الأردن. ومن المرجح أن يزداد هذا المبلغ الكبير في عام 2015. ومن غير الواضح ما الذي يعتزم الملك عبد الله طلبه من الإدارة الأمريكية، إن كان في جعبته أي طلب، خلال زيارته القادمة. ونظراً لدعم الحزبين الجمهوري والديمقراطي للمملكة، وعلى الرغم من ذلك، هناك القليل من ناحية الدعم المالي أو المادي - باستثناء المبادرة الأردنية المثيرة للجدل لبناء محطتين للطاقة النووية - الذي سترفضه إدارة أوباما أو الكونغرس.

وبالإضافة إلى هذه التفاصيل المهمة بل النفعية، يشكل اجتماع يوم الجمعة فرصة لمناقشة تأثير منطقة الحظر الجوي - المقترحة في شمال سوريا - على المملكة، والتداعيات المحتملة للتدريبات السريعة لقوى المعارضة السورية على الأراضي الأردنية. وكلا هاتين المبادرتين يمكن أن تثيرا الانتقام من قبل نظام الأسد في سوريا، بما في ذلك - في أسوأ السيناريوهات - هجوماً في الجنوب يهدف إلى دفع مئات الآلاف من اللاجئين الإضافيين إلى المملكة المبتلاة. وكحد أدنى، إن قيام منطقة حظر الطيران في شمال البلاد سوف يرفع توقعات معارضي النظام، وربما يغيّر الديناميكية في الجنوب، على طول الحدود الأردنية.

وبالنظر إلى التطورات في القدس والعراق وسوريا، من المدهش أن الأردن لا تزال مستقرة في الوقت الراهن. لكن المملكة ليست محصنة من التهديدات. وفي الوقت الذي تستمر فيه الحرب في سوريا، سوف يؤدي ذلك إلى تكثيف التحديات الداخلية التي تواجهها الأردن.

مصدر الترجمة: 
Washington Institute for Near East Policy