تقرير التعذيب: مشاهد غير إنسانية من سجون الـ"سي أي إيه"

مقال رأي

يوجد تسجيل في مكان ما - ما لم تكن الوكالة المركزية للاستخبارات قد دمرته - سُجل عليه صوت رجل يدعى نزار علي وهو يبكي. كان سجيناً في سجن سري للسي أي إيه، في بلد أجنبي حيث من المفترض أن يتم استجواب الإرهابيين. ولكن جزء من التقرير الذي صدر يوم الثلاثاء، والذي يلمح أن نزار علي لديه إعاقة في النمو- يستشهد بمقطع من تقييم مرّ به أنه "معاق ذهنياً" وليس عميلاً ذو مستوى رفيع للقاعدة. وليس واضحاً من خلال ما تم نشره إن كان استجوابه محاولة للحصول على معلومات أم إن كان قد تم استجوابه بشكل صحيح من الأصل. طبقاً لما ورد في التقرير فإن " اعتقاله من قبل السي أي إيه كان الغرض الوحيد منه هو الضغط على أحد أقرابه كي يدلي بمعلومات". ملحوظة لاحقة في التقرير حيث يظهر اسمه تفسر أن "بكاء (نزار علي) المسجل تم استخدامه للضغط على فرد من عائلته" وما ترك دون تفسير هو ما الذي فعله العملاء الأمريكيين كي يجعلوا هذا الرجل يبكي. هل خططوا لذلك مسبقاً وجهزوا معدات التسجيل والمحفزات أو أن كل ما في الأمر أنهم، من وجهة نظرهم، قد أصابهم حسن الحظ؟

قد يكون هذا التسجيل الصوتي تم محوه أو تدميره كما حدث مع اثنين وتسعين فيديو يوثّقون للإغراق. إن تمرير شرائط الفيديو تلك عبر مفرمة بدون تصريح هو ما أطلق عملية إصدار تقرير مجلس الشيوخ. (لدى النيويورك بوست دليلاً مصوراً عن اكتشافاته العشرين الأساسية) لقد استغرق الأمر تسع سنوات وكلّف أربعين مليون دولار بشكل أساسي لأن السي أي إيه وحلفائها قاوموا، وهم يشتكون من عدم العدالة، وأخيراً هددوا بقتامة أن أمريكين سيموتون إن عرف العالم ما فعله الأمريكيون. في آخر الأمر، سحب النواب الجمهوريون عمالهم الداعمين. وقد مكنت إدارة أباما هذا الحجب. كاد معادوا المسائلة أن ينجحوا، وفي الشهر التالي يحصل الجمهوريون على أغلبية في مجلس الشيوخ وكان بإمكانهم عندها دفن التقرير لمدة عقد آخر أو إلى الأبد. الواقع أن جزءاً صغيراً منه فقط هو ما صدر - ملخص تنفيذي مكوّن من خمسمئة كلمة من أصل تقرير يبلغ ستة ألاف وسبعمئة صفحة - وهو انتقائي بشكل مخجل. ولكن هناك أشياء لا تستطيع الانتقائية أن تخفيها بما في ذلك أن السي أي إيه وإدارة بوش كذبوا بأشكال كبيرة وصغيرة. أحد الأمثلة الدالة لها علاقة بعدد الأفراد الذين تم احتجازهم في سجون السي أي إيه السرية. قال الجنرال مايكل هايدن، بصفته مدير السي أي إيه، بشكل متكرر إن الأعداد "أقل من مئة" وما كان يقصده بذلك أنها ثمانية وتسعون وعندما أخبره آخرون في الوكالة أن هناك على الأقل مئة واثني عشر "وربما أكثر" أصرّ على استمراره في استخدام رقم ثمانية وتسعون. يسرد التقرير الذي تم إصداره اليوم الرقم على أنه مئة وتسعة عشر لأول مرة. من ضمن هؤلاء تم احتجاز ستة وعشرون عن طريق الخطأ – وهذا هو تقدير السي أي إيه نفسها. ربما كان الرقم أكبر - إمّا لأنه لا يوجد دليل حقيقي ضدهم أو لأنها حالات كابوسية من الخطأ في هوية الشخص. هناك ملحوظة يذكر فيها التقرير الستة والعشرون الذين "لم تنطبق عليهم معاير الاعتقال". الملحوظة رقم 32 وهي نفسها التي تذكر الأسباب العامة لاحتجاز نزار علي بها سرد مدمر يبدأ بـ"أبو حذيفة الذي تم تعريضه لحمامات الماء المثلج و66 ساعة من الحرمان من النوم وهو واقف، قبل إطلاق سراحه لأن السي أي إيه اكتشفت أنه على الأرجح ليس الشخص الذين ظنوا أنه هو" وتتضمن عدة أخر مثل:

جول رحمان وهو حالة أخرى من اختلاط الهوية... شايستاه حبيب الله خان كان عرضة للنزيف كما كان الحال مع شقيقه سيد حبيب... حاج غولاجي تم احتجازه "كوسيلة ضغط مفيدة"... حياة الله حقاني الذي قررت السي أي إيه أنه "ربما يكون قد تواجد في المكان الخطأ في الوقت الخطأ"... علي جان الذي تم اعتقاله لاستخدامه هاتف يتصل بالأقمار الصناعية، وكشفت ما عليه من أدلة "عدم وجود معلومات مدينة، ... شخصان - محمد الشومالي وصلاح ناصر سليم علي- كانت المعلومات المدينة بخصوصهما "تحزرية"... وبسمالله الذي تم القبض عليه بالخطأ... وتم إطلاق سراحه لاحقاً مع (تم إخفاء الكلام) وقيل له ألا يحكي عن تجربته.

تعطي صورة الملاحظات الواردة بالأسفل إحساساً بمدى الخطأ الذي تم وما لا نعرف بعد. أنه مرقط بالإخفائات.

ما يثير الانزعاج أيضاً هو أن السي أي إيه لم تعلم بالأمر أو تجاهلته. بحسب ما ورد في التقرير "في ديسمبر 2003 أبلغت محطة للسي أي إيه تشرف على عمليات الوكالة في دولة (تم إخفاء الكلام) أبلغت مقر السي أي إيه المركزي أنها توصلت "لاكتشافات مزعجة" إن السي أي إيه "تحتجز عدداً من المعتقلين الذين ‘لا نعرف عنهم شيء’". وسجّل التقرير أن موقعين سُميا كوبلت وجراي في التقرير كانا لمدة محددة بلا سجلات مفصلة – وأنه بشكل عام كلما مضى الوقت كلما أصبحت السجلات أقل تفصيلاً. تم أيضاً تعيين ضابط يفتقد للخبرة وفي أولى مهامه خارج البلاد كمشرف على كوبلت، وكانت تقاريره السابقة تركز على "افتقاده للنزاهة والتقييم الجيد والنضج". في كوبلت توفي أحد المساجين المعتقلين بالخطأ جراء التعرض للبرد الشديد. وحسب ما ورد في التقرير فإن أحد رؤساء المحققين وصف كوبلت بأنه "سرداب". كما قال زائر آخر إن أحد المساجين" بدا حرفياً ككلب محبوس داخل قفص". وقيل إن وفداً من المجلس الفدرالي للسجون "ذهل" لدرجة الحرمان الحسي هناك. في نفس الوقت كان المساجين في كوبلت يوصفون بأن لهم "قيمة متوسطة". 

ما كان جزءاً من نمط. وجد التقرير أن الضباط الذين لديهم سجلاً مريباً أو تاريخاً من العنف كثيراً ما وضعوا في الموقع الخاطيء بالتحديد بالنسبة لأشخاص مثل هؤلاء: إنها ملاعب للحصانة. وانضم لهم بشكل متزايد مقاولون ليس لديهم خبرة حقيقية في استجواب أي شخص- كما أنهم لم يملكوا المهارات اللغوية المناسبة ولا المعرفة العميقة بالثقافة أو بالقاعدة. عام 2008 شكل المقاولون خمسة وثمانون بالمئة من العاملين بالتحقيق. (كانت "الشركة س" قد أرسلت بالفعل فاتورة إلى السي أي إيه بمبلغ 1.1 مليون دولار كجزء من اتفاقية "تعويض" تدفع بموجبها الكلفة القانونية المتصلة بالبرنامج حتى عام 2021). لم تكن التحقيقات عبارة عن تجميع محنك للمعلومات، كانوا أشخاصاً ينهالون ويتخبطون بأمل مبهم أن يظهر شيء ما. إن السرية تساعد على إخفاء إنعدام الكفائة أيضاً. 

لم يعرف المحققون اللغات التي كان من الممكن أن تكون مفيدة لمعلومات حقيقية ولكنهم أوجدوا المعجم الخاص بهم: "walling" تعني دفع الشخص بقوة إلى حائط، "rough takedown" تعني أن تدخل مجموعة إلى زنزانة وهم يصيحون ثم يجرون معتقل عبر بهو طويل وهم يلكمونه وربما يكون ذلك بعد "تقطيع ملابسه وتأمينه بلزق معدني، "confinement box" أداة لجعل المسجون يشعر أنه داخل تابوت مغلق (صندوق يوجد منه مقاسات صغيرة وكبيرة)، "sleep deprivation" وهو ما قد يعني إبقاء الشخص مستيقظاً لمدة مئة وثمانين ساعة قبل استسلامه "لهلاوس مزعجة"، والقدرة على ما أسماه التقرير "الحصول على السطل" والسطل هنا هو ما قد يحصل عليه السجين كي يقضي حاجته بدل من التبول والتبرز على نفسه أو كونه معلقاً على الحائط بسلاسل وهو يرتدي حفاضات ("صورة" قال الرئيس بوش إنه وجدها مزعجة)، "الإغراق" والتي كثيراً ما بدا أنها تلطيفاً لوصف الإشراف على الغرق وليس مجرد محاكاة الغرق، "الترطيب الشرجي كوسيلة للسيطرة على السلوك"، "صينية الغداء" تجميعة الطعام الذي يتم هرسه واستخدامه لإطعام المساجين قسراً.

هذا ما كان يبدوا عليه الحديث عن العائلات: "هدد مسئولون من السي أي إيه ثلاثة مساجين على الأقل بأذى يقع على عائلاتهم- وتضمن ذلك تهديداً بإيذاء أبناء معتقل وتهديدات بالاعتداء الجنسي على أم معتقل وتهديد بجز رقبة والده (معتقل)". تضمن التحقيق مع عبد الرحمن النشيري "الإيحاء بأنه سيتم جلب والدته والاعتداء عليها جنسياً أمامه".

"نادراً ما كان يتم توبيخ أو محاسبة" العملاء والمسؤولين من أي مستوى حتى في حالة المسجون الذي توفي. ويشير التقرير إلى وقائع تم فيها إلغاء "التوصيات بالمسائلة"  من قِبَل مسؤولين أرفع شأناً وحدث ذلك في إحدى الحالات لأن المدير قال إنه يعتقد أن "الميزان يميل بشكل حاسم نحو قبول الأخطاء". وكانت المسألة في تلك الحالة هي الخطأ في الهوية الذي أدّى إلى سجن وانتهاك خالد المصري، بائع السيارات المستعملة الألماني الذي دفعه حظّه العثر لحمل اسم مشابه لاسم أحد الإرهابيين. احتجزته السي أي إيه لعدة شهور قبل اكتشاف أنه كان الشخص الخطأ ثم تم الإلقاء به على جانب الطريق. عندما وصل إلى منزله اكتشف أن زوجته قد غيرت سكنها. وبعيداً عن القضايا الأخلاقية فإن الواقعة خلقت صعوبات دبلوماسية مع ألمانيا. إن مسألة أي من الأخطاء تستحق أن تُقبل ليست مسألة يمكن أن تقررها وكالات الاستخبارات والإداريين على نحو سري - ليس عندما يكون موقف الأمة الأخلاقي في موضع تهديد. على الأقل يجب أن يكون هناك نقاش لاحق. ما سيكشفه التقرير للعالم بصدق الآن، في العام 2014، ليس ما فعلناه ولكن كيف تصالحنا معه. لقد فاتتنا فرص كثيرة بالفعل. عندما صدر عام 2007 - بعد ست سنوات من 9/11 وبعد مُضي أسوء أيام البرنامج - تقرير مدمر للجنة الدولية للصليب الأحمر قال المستشار التنفيذي للسي أي إيه "إنه لا يبدو بعيداً جداً عن الحقيقة". ولكن بدلاً من احتوائه استهانت به قيادة الوكالة على اعتبار أنه حفنة من الزيف. إن الهجوم على تقرير مجلس الشيوخ يتم بنائه منذ سنوات. 

مقطعان رئيسيان من التقرير سيقوم جدالاً حولهما بقوة: هل أتت أية معلومات استخبارتية جيدة من جراء التعذيب؟ يقول التقرير إن هذا لم يحدث - لم يأت أي شيء يتعذر الحصول عليه بطرق أخرى، كما كان هناك الكثير من المعلومات السيئة والملفقة صرخ بها الناس كي يوقفوا المحققين - ويضيف أن السي أي إيه لم يكن صريحاً في هذه النقطة. والثانية هي من عرف ومن سمح وبماذا ومتى. وهنا سيبالغ مجلس الشيوخ من غفوله. إن على أشخاص كثيرين في الحكومة الإجابة عن الكثير. 

بعض مِن تطهر موظفي السي أي إيه الموثّق في التقرير أتى عندما تسائلت اللجنة عن قانونية وعملية وأخلاقية كل هذا - ومن الجدير بالملاحظة أن بعض الأعضاء فعلوا ذلك. يسجل التقرير كذلك لحظة كاشفة بشدة عام 2003، عندما "دفع بيان عام من البيت الأبيض بأن المساجين لدى الولايات المتحدة يعاملون "بإنسانية"، دفع السي أي إيه أن تتسائل إن كان الدعم السياسي للبرنامج لمّا يزل مستمراً والسعي مجدداً للحصول على ترخيص من البيت الأبيض" عند سماع كلمة "بإنسانية". بمعنى آخر فإن الوكالة لم تكن متأكده إن كانت تعرف ما يتحدث عنه الرئيس. يبدو أنها لم تعد تعرف نفسها.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب