تقرير "السي آي إيه" عن التعذيب: ما الذي تحتاج أن تعرفه؟

مقال رأي

بالرغم من اعتراض وكالة الاستخبارات الأمريكية (السي أي إيه)، أطلقت لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ الأمريكي، يوم الثلاثاء، نتائج التقرير الذي طال ترقبه عن برنامج الاحتجاز والتحقيق، والذي تم خلاله إخضاع المحتجزين إلى ممارسات تم إنتقادها بشدة على اعتبار أنها تعذيب - وهو ما أطلقت عليه اسم "تقنيات التحقيق المعززة" -. وقد قالت الوكالة إنه حتى وإن كانت التكتيكات عنيفة فهي ضرورية وقد ساعدت في تعقب أسامة بن لادن، كما ساعدت "السي أي إيه" على التأكيد على هذه الفكرة بالاستشارات التي قدمتها للفيلم الهوليودي الذي حطم الأرقام القياسية في شباك التذاكر "ثلاثون دقيقة بعد منتصف الليل". 

وقد رأى التقرير المتستفيض (ملخصه التنفيذي وحده مكون من 500 صفحة) أن البرنامج على العكس قد انتهك "قوانين الولايات المتحدة وما التزمت به نتيجة الاتفاقيات ومبادئنا". لقد وجد التقرير أن البرنامج كان غير فعال، وفي بعض الأحوال مضر للأمن القومي، وهي حقيقة عملت "السي أي إيه" على إخفائها من الوكالات الحكومية والبيت الأبيض والقانونين والعامّة، كما أنها لم تساعد في العثور على بن لادن. 

ونشرت "السي أي إيه" على موقعها رداً اعترفت فيه بـ "تقصير" في برنامج التحقيق الخاص بها، وقالت إن الوكالة قد اقترفت بعض "الأخطاء". لكنها أصرت على أن البرنامج كان مجدياً وأن "السي أي إيه" لم تقم بتضليل المسؤولين أو العامّة "بشكل ممنهج ومتعمد". 

لقد تم جمع الجزء الأكبر من المعلومات المتضمنة في تقرير مجلس الشيوخ من المستندات الداخلية الخاصة بـ"السي أيه إيه". اقرأ الملخص التنفيذي للتقرير هنا. ولقد لخصنا أبرز النتائج فيما يلي.

كانت التحقيقات "وحشية وأسوء بكثير" مما أدلت به "السي أي إيه"

يحكي التقرير بالتفصيل عن أمثلة عديدة لممارسات الاستجواب القاسي من قِبَل "السي أي إيه"، بعضها سبق الإبلاغ عنه وبعضها جديد. تم إخضاع خمسة معتقلين على الأقل "للترطيب الشرجي" أو التغذية الشرجية بلا ضرورة طبية، وتم صفع المعتقلين ودفعهم للاصطدام بالحائط، وتعريضهم للحرمان من النوم لمدد تصل إلى سبعة أيام ونصف. كما تم حشر بعضهم في صناديق في حجم التابوت وحتى تهديدهم بالموت. 

حسب ما ورد في التقرير "قال أحد المحققين لمعتقل إنه لن يقدم إلى المحكمة أبداً "لأننا لا نستطيع أبداً أن ندع العالم يعرف ما فعلته بك".

كما يلمح التقرير أن مساجيناً آخرين، غير الحالات الثلاث السابقة التي اعترفت بها "السي أي إيه"، ربما يكونوا قد تعرّضوا للإغراق وهي ممارسة تعطي نفس شعور الغرق. أدّى إغراق "أبو زبيدة" كما أدرج التقرير إلى جعله "غير مستجيب بالمرّة وتصعد رغاوي من فمه المفتوح بالكامل" وقد تعرض "أبو زبيدة" للإغراق 83 مرة وتم احتجازه في الصناديق الضيقة لمدة تبلغ حوالي 300 ساعة. 

عدد المعتقلين أكبر مما كان معروف في السابق

قالت قيادات "السي أي إيه" لمسؤولين إنه كان هناك 98 مسجون في برنامجها، لكن سجلات الوكالة تظهر أنه تم احتجاز 119 شخص على الأقل كما قال التقرير. من بين هذا العدد "تم تعريض 39 إلى أساليب التحقيق المعززة الخاصة بالسي أي إيه"، بينما كان هناك 26 شخص على الأقل "محتجزون عن طريق الخطأ" ومن المعتقلين ظلماً وعدواناً:

شخص "معاق ذهنياً" تم اعتقاله فقط كي يُمثّل ضغطاً على أحد أفراد عائلته كي يعطي معلومات، شخصان كانا مصادر استخبارتية لخدمات التنسيق الخارجية وكانا مصادر سابقة "للسي أيه إيه"، وشخصان كان تقييم "السي أي إيه" لارتباطهم بالقاعدة مبنياً بشكل حصري على معلومات اختلقها مسجون لدى "السي أي أيه" تم تعريضه لأساليب التحقيق المعززة. 

عرّضت "السي أي إيه" المعتقلين لممارسات استجواب غير مسموح بها

قبل ٢٠٠٤ عرّضت "السي أي إيه" المعتقلين للعري، "التحكم الغذائي"، الصفع على البطن، والغمر بالماء البارد بالرغم من أن أي من تلك الأساليب لم يتم  الموافقة عليها من قِبَل وزارة العدل. وتم تعريض 17 معتقلاً على الأقل لأساليب التحقيق المعززة، بدون موافقة المركز الرئيسي "للسي أي أيه" بينما "تعرّض عدة معتقلين لأساليب تم تطبيقها بطرق تحيد عن ما حدده التصريح أو تم تعريضهم لأساليب تحقيق معززة من قبل محققين لم يتم التصريح لهم باستخدام تلك الأساليب".

"أساليب التحقيق المعززة" لم تؤت ثماراها - ولا حتى في العثور على بن لادن

وجد التقرير أن أكثر أساليب التحقيق قسوة لم تساعد الوكالة في الحصول على معلومات أو كسب تعاون المعتقلين. 

على العكس قدم العديد من المعتقلين معلومات زائفة تحت الضغط وأعطوا خيوطاً تعقبتها "السي أي إيه" كأولويات. لم يعط سبعة من معتقلي "السي أي إيه" الـ 39  الذين تعرضوا لأساليب التحقيق المعززة "أية معلومات". في إحدى الوقائع احتُجز مواطن أفغاني في الحبس الإنفرادي لمدة شهر، لأن اسمه تطابق مع اسم شخص اعتقدوا أنه يستهدف القواعد العسكرية الأمريكية.

ولم تكن المخططات التي ادعت "السي أي إيه" أنها "أحبطتها" قائمة أبداً. ووجد التقرير أنه حتى المعلومات الدقيقة التي حصلت عليها "السي أي إيه" أتت من معتقلين قبل تعرّضهم للتعذيب. 

تمضن ذلك "حسن جول" الذي أدلى بمعلومات محورية أوصلت المسؤولين الأمريكين إلى أسامة بن لادن - وهي معلومة أن زعيم القاعدة في بيشاور بباكستان على الأرجح، وأن له مراسلاً اسمه "أبو أحمد الكويتي". 

 حين تم تسليم "جول" إلى "السي أي إيه" لم يتم تعذيبه في البدء. قال أحدد مسؤولي "السي أي إيه" المطلعين على التحقيقات الأولية إنه "غرّد كطائر وصرح بالمعلومات وكان متعاوناً منذ البداية". 

قال التقرير إنه في ذلك الوقت قدّم "جول" أيضاً معلومات دقيقة عن مسؤولين آخرين كبار في القاعدة، عن مواقعهم وتحركاتهم وتدريبهم الحركي والأمني. 

بعد يومين تم نقل "جول" إلى موقع الاعتقال المسمّى بلاك حيث تم "حلق شعره ولحيته ووضعه في وضع الوقوف مقابل حائط ويداه مرفوعتان فوق رأسه".

طلب المحققين معه الإذن باستخدام "أساليب التحقيق المعززة" وتمت الموافقة على الطلب من قِبَل الإدارة المركزية "للسي أي إيه" في نفس اليوم. 

تم حرمان "جول" من النوم لمدة 59 ساعة مما سبب له هلاوس، ومع أنه كان على الطاقم الطبي التدخل والسماح للمعتقلين بالنوم حين البدء في الهلوسة إلا أن ذلك لم يكن يحدث دائماً. 

أبلغ طبيب يعمل لدى "السي أي إيه" أن جول يعاني من "إرهاق جسدي ملحوظ... وآلام تقلصات في البطن والظهر... وشلل خفيف في اليدين والساقين والقدمين كآثار ثانوية لوضع التعليق، والدرجة القصوى من الحرمان من النوم".

قيل له إن الألم سيتوقف إن تم التأكُّد من أنه يقول الصدق وكرر "جول "ما قاله في البدء خلال كل هذا، ولكنه لم يتقدم بأية معلومات مفيدة أخرى. 

في حالتين منفصلتين عام 2005 و 2001، أبلغت "السي أي إيه" مسؤولين حكوميين آخرين أن "جول" قدّم معلومات استخباراتية يمكن العمل على أساسها بعد تعرضه لـ"أساليب التحقيق المعززة". تم في النهاية إطلاق سراح جول. 

عطّل البرنامج تحريات الأمن القومي المشروعة

وجد التقرير أن برنامج "السي أي إيه" جعل من الصعب على "الأف بي أي" ووزارة الخارجية ومكتب مدير المخابرات العامة أن يتعاملوا مع أمور الأمن القومي.

حجبت "السي أي إيه" معلومات هامة عن تلك الوكالات ومنعتهم من التحدث مع المعتقلين، وكذبت بشأن مدى البرنامج. عندما سعى روبرت مولر رئيس "الإف بي أي" للتحقيق مع معتقلي "السي أي إيه" لمتابعة تقارير عن تهديدات للولايات المتحدة تم رفض طلبه. 

في معظم الأحيان لم تخبر "السي أي إيه" وزارة الخارجية عمّا سُمّي بـ"المواقع السوداء" الخارجية حيث تم احتجاز المعتقلين، أو عن أماكنهم حتى مع كون الدول المضيفة كانت تعلم "بشكل عام". في اثنتين من تلك الدول، قالت "السي أي إيه" لمسؤولين في الحكومة  المحلية ألا يخبروا سفراء الولايات المتحدة عن صفقة لاستضافة تلك الدول للمواقع السوداء في أراضيها.

كانت "السي أي إيه" تعلم أن البرنامج معيوب ولكنها أحبطت المعارضة الداخلية 

وجد التقرير أن مسؤولي الوكالة قد شهدوا أمام الكونجرس قبل سنوات أن "الأساليب غير الإنسانية، الجسدية أو النفسية، تأتي بنتائج عكسية لأنها لا تؤدي إلى معلومات ومن الأرجح أن تؤدي إلى إجابات زائفة".

مع ذلك فقد وجد القرير أن الوكالة لم تقم بتحليل مدى فاعلية "أساليب التحقيق المعززة" بالرغم من توصيات مراقب عام الوكالة نفسه وطلبات لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ ومستشار الأمن القومي.

بدلاً من ذلك قامت "السي أي إيه" بتقييمات داخلية نفذها أشخاص طوروا وأداروا البرنامج. ووجد التقرير أنه "لا يوجد أي سجل بـ"السي أي إيه" يشير إلى أن أي من المراجعات لم تُثبت بشكل مستقل ادعائات "الجدوى" التي قدمتها الوكالة. ولم تؤكد هذه الأخيرة ما قررته هي من أنها قد حصلت على معلومات مفيدة من المعتقلين. 

وجدت الكثير من الانتقادات الداخلية، من ضمنها تسائل مسؤولين بـ"السي أي إيه" عن مدى فاعلية الأساليب وتحدثهم علناً عن ذلك وتوصيات من أطباء نفسيين ومكتب الخدمات الطبية بـ"السي أي إيه". تم تجاهل تلك المخاوف وفي بعض الأوقات طُلب من بعض المسؤولين عدم التعبير عن قلقهم كتابة.

أخفت "السي أي إيه" معلومات وشاركتها بشكل يفتقر إلى الدقة مع البيت الأبيض ومجلس الأمن القومي ووكالات حكومية أخرى

وجد التقرير أن "السي أي أيه" قد أعاقت النظرة الشاملة لبرنامجها للاستجواب بتقديم "كميات كبيرة من المعلومات الناقصة غير الدقيقة" عن "سير وجدوى" برنامجها للاستجواب المعزز لمسؤولين بالبيت الأبيض ومجلس الأمن القومي. 

عندما التقى مدير الاستخبارات المركزية، "جورج تنت"، والمستشار العام "للسي أي إيه"، "سكوت مولر"، مع نائب الرئيس "ديك تشيني" ومستشارة الأمن القومي "كونداليزا رايس" وآخرين، في يوليو 2003، أعلنوا أن خمسين بالمئة من تقارير "السي أي إيه" الاستخباراتية عن القاعدة تأتي من معتقلين وحذروا أن "إنهاء البرنامج سيودي بحياة أشخاص وربما كان ذلك بأعداد كبيرة".

كما قام التقرير بمراجعة 20 مثال قدمتهم "السي أي إيه" على أنهم نجاحات في مكافحة الإرهاب عائدة على استخدام "أساليب التحقيق المعززة" و "وجدت أنها خاطئة في جوانب أساسية منها".

لم يتم إخبار وزيري الدفاع والخارجية عن البرنامج حتى سبتمبر 2003، وسجلت رسالة إلكترونية من "السي أي إيه"، بتاريخ يوليو 2003، "أن البيت الأبيض قلق بشدة أن وزير الخارجية "كولن باول" سيثور بشدة في حال تم إبلاغه بما كان يحدث".

ويقرر الملخص أن السي أي إيه "فكّرت في حذف" معلومات حصلت عليها من مصادر غير المعتقلين الذين تعرضوا لأساليب التحقيق المعززة "مما يترك إنطباعاً زائفاً أن السي أي إيه تحصل على معلومات متفردة عبر تلك الأساليب".

وبناء على تقارير "السي أي أيه" نفسها فإن الرئيس جورج دبليو بوش لم يكن يتم إخباره عن أساليب التحقيق حتى إبريل 2006.

وعندما تم أخيراً إبلاغ بوش أبدى عدم ارتياح "لصورة المعتقل المعلق في السقف ويرتدي حفاضة ويتم إجباره على التبول والتبرز على نفسه" حسب ما ورد في سجلات "السي أي إيه" التي تم الإشارة لها من قِبَل اللجنة. 

كما تضمن التقرير ملحقات تشرح بالتفصيل التناقضات بين سجلات "السي أي إيه" الداخلية وبين شهادة مديرها السابق مايكل هايدن أمام لجنة الاستخبارات بمجلس الشيوخ.

عام 2007 على سبيل المثال، أكد هايدن أن أبو زبيدة "كان يعرف الكثير. لم يكن يريد أن يتحدث. لم نكن نصل إلى شيء معه".

ومع ذلك توصل التقرير إلى أنه قد تم جمع  تقارير استخباراتية خلال أول شهرين من التحقيق مع "أبو زبيدة" أكثر من ما جمع خلال الشهرين التاليين للتحقيق وقيام "السي أي إيه" بممارسة الإغراق معه. 

مذكرات من مكتب المستشار القانوني لوزارة العدل اعتمدت على "معلومات غير دقيقة" من "السي أي إيه"

قدّمت وكالة الاستخبارات معلومات "غير دقيقة" لمكتب المستشار القانوني لوزارة العدل، والتي كتبت عدة مذكرات بين 2002 و 2007 تعطي فيها تبريراً قانونياً للبرنامج. على وجه التحديد عبرت "السي أي أيه" عن التالي على نحو مخل:

  • - ظروف احتجاز المعتقلين
  • - استخدام التحقيق المعزز
  • - التأثير الجسدي لهذا الأسلوب على المعتقلين
  • - فاعلية تلك الأساليب

على سبيل المثال عندما أصدر مكتب المستشار القانوني لوزارة العدل "معايير السلوك للاستجواب" أو ما صار يعرف بـ "مذكرة التعذيب" في 2002 اعتمدت المذكرة على معلومات قدمتها "السي أي إيه" عن وضع "أبو زبيدة" ودوره في القاعدة ومقاوته للاستجواب وإخفائه معلومات عن خطط مستقبلية. ويتوصل تقرير اللجنة إلى أن الكثير من تلك المعلومات "لا تؤيدها تقارير السي أي إيه".

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب