تقرير يظهر "سي آي إيه" منقسمة ومُخلصة لنهج فاشل

أخبار

في يناير 2003، وبعد 10 شهور من بدء برنامج السجون السرية لوكالة الاستخبارات المركزية (CIA)، أرسل مدير الاستجوابات بالوكالة بريداً الكترونياً لزملائه قائلاً إن المعاملة الوحشية القاسية للسجناء كانت كحادث قطار "ينتظر الحدوث وأنا عازم على ترك القطار قبل أن يحدث". وقال إنه أبلغ رؤساءه إنه يمتلك "تحفظات جدية" حول البرنامج ولم يعد يريد أن يرتبط به "بأي شكل من الأشكال".

الصراع الداخلي المرير داخل برنامج استجواب السي أي إيه هو فقط أحد أعراض الخلل والفوضى وعدم الكفاءة والجشع والخداع الذين وصفهم ملخص تقرير لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ. في أكثر من 500 صفحة، يرسم الملخص، الذي صدر يوم الثلاثاء، صورة مدمرة لوكالة غير مجهزة لتولي مهمة استجواب المشتبه بهم من تنظيم القاعدة، أفسدت العمل ثم حرّفت النتائج.

في صباح الثلاثاء، اعترفت السي أي إيه بحدوث مشاكل في الأشهر الأولى من البرنامج، لكنها ادعت أن هذه المشاكل قد حلت. وقالت الوكالة "الدراسة ككل تقود القاريء إلى الاعتقاد بأن أوجه القصور الإدارية التي ميزت الأشهر الأولى ظلت قائمة طوال البرنامج، وهذا غير دقيق تاريخياً".

تقرير مجلس الشيوخ هو أكبر إدانة واسعة للسي أي إيه منذ لجنة تشيرش، بقيادة فرانك تشيرش عضو مجلس الشيوخ من ولاية أيداهو، والذي اتهم الوكالة في السبعينات بالتجسس الداخلي ومحاولات الاغتيال الفاشلة وإعطاء عقار "إل إس دي" لأشخاص بدون علمهم، من ضمن تصرفات سيئة أخرى. أدّى ذلك التقرير إلى سلسلة من القوانين والقيود الجديدة على أنشطة وكالة الاستخبارات المركزية.

جاء الاحتجاج من مدير الاستجوابات وسط أسابيع تعذيب عبد الرحيم الناشري، وهو متهم رئيسي في تفجير سفارتين أميركيتيين وسفينة تابعة للبحرية. كان موظفو السي أي إيه العاملين في البرنامج السري قد انقسموا إلى معسكرين. على أحد الجوانب، كان مدير الاستجوابات وتقريباً جميع الموظفين الذين استجوبوا السيد ناشري. بعد شهرين من الاستجواب القاسي، كتب المدير أنهم يعتقدون أن السجين قد "كان صادقاً بشكل أساسي ولم يحجب المعلومات المهمة".

على الجانب الآخر، كان جيمس إي. ميتشل وبروس جيسين، اثنان من علماء النفس العسكريين السابقين اللذان كانا قد نصحا الوكالة باستخدام الإيهام بالغرق وأساليب قسرية أخرى. بدعم من قيادة السي أي إيه، أصرّا على أن السيد ناشري وسجناء آخرين ما زالوا يحجبون معلومات حاسمة، وأن تطبيق الألم والارتباك الكافيين سيجبرهم في النهاية على الكشف عنها. لقد رأوا أن الفصيل الآخر "يدير نسخة "مخنثة " من برنامج الاستجواب"، كما يقول التقرير. 

كتب د. جيسين أنه إذا كان للذين يستجوبون السيد ناشري "الحرية لاستخدام جميع أشكال تدابير التسخير والاستجواب المعززة"، بما في ذلك الإيهام بالغرق، فإنهم سيكونون قادرين على الحصول على المزيد من المعلومات. مثل هذه المعاملة، أضاف جيسين، بعد الشهرين الماضيين من التعامل القاسي للغاية مع السيد ناشري، ستنتج "المستوى المطلوب من الإحساس بالعجز".

وقال التقرير إنه من الواضح أن الوكالة قد نسيت استنتاجها الخاص، الذي أرسلته إلى الكونجرس في عام 1989، أن "التقنيات الجسدية أو النفسية غير الإنسانية تعطي نتائج عكسية لأنها لا تنتج معلومات استخبارية وتؤدي على الأرجح إلى إجابات زائفة". وصل الأعضاء الديمقراطيين العاملين في مجلس الشيوخ الذين درسوا برنامج ما بعد 11 سبتمبر إلى تقديرات مطابقة: إن الإيهام بالغرق والصدم بالحائط والعري والبرد وغيرها من ضروب المعاملة السيئة تنتج القليل من المعلومات ذات القيمة في منع الإرهاب.

لا يعطي التقرير سوى القليل من الوقت لإدانة التعذيب على أسس أخلاقية أو قانونية. بدلاً من ذلك، فإنه يتناول بالأساس السؤال العملي: هل حقق التعذيب أي شيء ذي قيمة؟ بعد النظر إلى حالة بعد الأخرى، يجيب التقرير بـ"لا" حاسمة.

في الواقع، فإنه يقول: "ضباط السي أي إيه تسألوا بانتظام عما إذا كانت تقنيات الاستجواب المعززة للسي أي إيه فعّالة، مؤكدين أن استخدام هذه التقنيات قد فشل في انتزاع تعاون المعتقلين أو إنتاج معلومات استخبارية دقيقة". ومع ذلك، أمر المسئولون باستمرار هذه الأساليب وأخبروا الكونجرس والبيت الأبيض والصحفيين أنهم يحققون نجاحاً كبيراً.

الصادم بنفس درجة هذا الاكتشاف الرئيسي هو التقرير المفصّل عن سوء الإدارة بالسي أي إيه. قاد كل من فصائل الصراع على الاستجوابات أشخاص ذوي سوابق ربما كان من المتوقع أن تحرمهم من القيادة.

حصل مدير الاستجوابات، الذي لم يرد اسمه في التقرير، على الوظيفة في خريف 2002 على الرغم من أن المفتش العام للوكالة قد حث على أن يتم "معاتبته شفوياً عن الاستخدام غير الملائم لتقنيات الاستجواب" في برنامج تدريبي في أمريكا اللاتينية في الثمانينات.

ود. ميتشيل ود. جيسين، اللذان ذكرا في التقرير تحت الأسماء مستعارة جرايسون سويجرت وهاموند دنبار، لم يجريا استجواباً حقيقياً واحداً من قبل. لقد ساعدا في إدارة برنامج تدريب للقوات الجوية من حقبة الحرب الباردة، حيث يذوق المجندون بعض المعاملة القاسية التي قد يواجهونها إذا ألقي القبض عليهم من قِبَل الأعداء الشيوعيين. البرنامج - يسمى (SERE) ، اختصاراً للبقاء، التجنب والمقاومة والهروب - لم يعد للاستخدام في عمليات الاستجواب الأمريكية، واحتوى على أساليب قد انتجت اعترافات كاذبة عند استخدامها على الطيارين الأمريكيين الذين احتجزهم الصينيون في الحرب الكورية. 

سمح البرنامج لعلماء النفس بتقييم عملهم - منحوه درجات ممتازة - والحصول على مبلغ 1800 دولار يومياً لكل منهما، وهو أربعة أضعاف أجر المحققين الآخرين، لممارسة الإيهام بالغرق على المعتقلين. بدأ د. ميتشل ود. جيسن في وقت لاحق شركة تولت برنامج السي أي إيه في الفترة من 2005 وحتى أغلقت في 2009. دفع السي أي إيه 81 مليون دولار للشركة، بالإضافة إلى مليون دولار لحماية الشركة من المسئولية القانونية.

في بداية البرنامج، كما يقول التقرير، وضع "ضابط صغير في أول مهمة خارجية له"، ليس لديه خبرة مع السجون أو الاستجواب، كمسئول عن معتقل السي أي إيه في أفغانستان المعروف باسم "حفرة الملح". وكان ضباط السي أي إيه الآخرين قد اقترحوا سابقاً أن يتم تجريده من الوصول إلى المعلومات السرية بسبب "نقص في الصدق والبصيرة والنضج". 

في حفرة الملح، أمر ضابط صغير بتكبيل سجين، اسمه جول رحمن، على جدار زنزانته وتجريده من معظم ملابسه. تم العثور على السيد رحمن ميتاً من انخفاض حرارة الجسم في صباح اليوم التالي، مستلقياً على الأرضية الخرسانية العارية. بعد أربعة أشهر، أوصيَ للضابط الصغير بجائزة نقدية بقيمة 2500 دولار لـ "أدائه دائم التميز".

أوصت إحدى لجان المسائلة بالسي أي إيه، في وقت لاحق، باتخاذ إجراءات تأديبية ضد أحد الضباط المتورطين في حالة الوفاة في حفرة الملح. ولكن في تلك الحالة وفي حالات آخرى، تم نقض توصيات اللجنة. وقالت إحدى مذكرات الوكالة إن "المدير يؤمن بقوة أنه ينبغي توقع الأخطاء في مجال عمل مليء بعدم اليقين" .

رداً على وفاة السيد رحمن في حفرة الملح - مذكور باسم "كوبالت" في التقرير - وقّع جورج جاي. تينيت، مدير السي أي إيه وقتها، على المبادئ التوجيهية الرسمية الأولى للحبس والاستجواب في البرنامج في يناير 2003، وفقاً للتقرير.

في عام 2001، كانت الوكالة قد اقترحت العمل بمعايير السجون الأمريكية. ولكن المباديء التوجيهية التي وافق عليها السيد تينيت كانت أدنى لدرجة أنها شملت حتى حفرة الملح، حيث "ظل المعتقلين مقيدين في الظلام الدامس والعزلة، مع دلو للنفايات البشرية، ودون حرارة ملحوظة" في فصل الشتاء، حسبما يقول التقرير.

لقد وجدت الوكالة مشاكل حتى في متابعة الأشخاص الذين احتجزتهم. في برقية أرسلت في ديسمبر 2003 إلى مقر السي أي إيه من أحد البلدان حيث يوجد سجن سري، كتب رئيس الموقع "لقد اكتشفنا أمراً مقلقاً وهو أننا نحتجز عدداً من المعتقلين نعرف عنهم القليل جداً". وقالت البرقية إن معظم السجناء لم يُستجوبوا لمدة أشهر، ويبدو أن قيمتهم الاستخبارية قليلة.

ولكن لم يصل إلا القليل من هذا النوع من الفوضى إلى علم وكالات الإشراف التابعة للكونجرس والبيت الأبيض أو للجمهور، الذين أكد لهم سلسلة من مدراء السي أي إيه مراراً وتكراراً أن البرنامج احترافي وناجح.

خلال السنوات اللاحقة للبرنامج، وبعد صدور تقرير إدانة في عام 2004 من قِبَل المفتش العام للسي أي إيه، بدا أن الكثير من جهد الوكالة قد وجه إلى العلاقات العامة لمواجهة التغطية الإخبارية الكئيبة. في 2007، أخبر مايكل هايدن، مدير السي أي إيه، لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ أن "جميع المنخرطين في استجواب المعتقلين يتم اختيارهم بعناية وفحصهم لاختبار البصيرة المهنية والنضج الظاهريين".

في الحقيقة، يستنتج تقرير مجلس الشيوخ، أن مثل هذا الفحص لم يحدث إطلاقاً. شملت فرق الاستجواب أناس يحملون "معلومات سلبية واضحة" في سجلاتهم، بما في ذلك شخص يعاني من "مشاكل مع التحكم في الغضب في مكان العمل" وآخر "يقال إنه اعترف بالاعتداء الجنسي".

ندد مسئولون سابقون بالسي أي إيه بعرض تقرير مجلس الشيوخ بتهمة أنه غير دقيق وغير عادل، وهم يخططون لشن رد عكسي قوي. ولكن فيما يتعلق بمسألة فحص الموظفين، كما في العديد من القضايا الأخرى، فالأصوات الأكثر جرأة في تقرير لمجلس الشيوخ هي لضباط الوكالة الذين استاؤوا مما رأوه.

"أشعر بالقلق مما يبدو أنه نقص إرادة لدى القيادة لإرسال ألمع وأكثر الضباط تأهيلاً إلى الميدان"، كتب ضابط بالسي أي إيه يعمل بأحد السجون السرية في عام 2005. "الكثيرون في المجال غير مؤهلين بالكامل".

وأضاف: "نحن لا نرى دليلاً على أنه يجري التفكير في إرسال "الفريق الأفضل". والنتيجة لذلك، بطبيعة الحال، هي إنتاج معلومات استخباراتية متوسطة القيمة أو، أجرؤ على القول، غير ذات فائدة على الإطلاق".

 
مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب