حان الوقت لمحاربة انتشار فيروس الإسلام المتطرف

مقال رأي

نفوذ أمريكا في الشرق الأوسط في تضاؤل مستمر، ولكن هذا ليس ثمرة عملية حتمية منفصلة عن إرادة الإنسان. بل يعكس المحاولات الحثيثة للاعبين آخرين مثل روسيا وتركيا وإيران والعديد من الفصائل الإسلامية لتعزيز قوتهم، في نفس الوقت الذي تسعى فيه أمريكا لخفض صورتها وتقليص تواجدها. ولد هذا النهج من الاعتقاد بأن الكراهية الإقليمية لأمريكا تنبع في معظمها من تدخلنا المفرط، الكثير من التدخل العسكري والكثير من الترويج لقيمنا الخاصة.

بعد ست سنوات، بدا واضحًا أن هذه الاستراتيجية قد فشلت. العلاقات الأمريكية مع دول المنطقة باتت أكثر توترًا من ذي قبل ولم تتحسن بأي مكان. تدهورت المواقف تجاه أمريكا، ليس فقط مع الحكومات ولكن أيضًا مع الشعوب. تُظهر استطلاعات الرأي أن شعبية أمريكا أقل حتى من فترة رئاسة جورج دبليو بوش، الذي قوبل غزوه للعراق بغضب في المنطقة.

في الواقع، يشكل قرار الرئيس أوباما بالتصديق على حملة جوية مطولة فوق سوريا والعراق، بهدف معلن هو "خفض قدرات وتدمير" الدولة الإسلامية (داعش)، اعترافًا ضمنيًا بأن الظهور بوجه أكثر خجلًا واحترامًا قد فشل في تعزيز المصالح الأمريكية.

من المرجح أن يرغب الرئيس الأمريكي القادم في استعادة مكانة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط. بعض الأرضية التي فقدت سيكون من الصعب استعادتها. سنجد صعوبة في إقناع الآخرين بالاعتماد علينا في ظل خسارة حلفائنا ومصالحنا بسهولة. ومع ذلك، القوة الكامنة لدينا إذا تم بذلها، ستكون أكبر بكثير من قوة الخصوم والمنافسين. يمكننا استعادة مكانتنا إذا قررنا القيام بذلك.

نقطة البداية هي تحديد التهديدات التي تواجهنا. السبب الأساسي للسياسة الخارجية هو وجود تهديدات: إما تلك التي تطرأ والتي يجب مواجهتها أو التهديدات المحتملة التي قد نمنعها إذا تحركنا في الوقت المناسب. عندما يكون العالم غير مهدد، ربما يمكننا الانخراط في الخارج باسم قيمنا، ولكن سيكون لدى الانعزاليين حجة قوية. وبفضل تجربة الرئيس أوباما، تم اختبار فرضية أن تقليص السياسة الخارجية سيجعلنا أكثر أمنًا عن طريق تجنب استفزاز الآخرين، وقد فشلت. إن مهمة إعادة بناء السياسة الخارجية تبدأ بالسؤال التالي: ما هو التهديد؟ (أو التهديدات)؟

سواء ركزنا على إيران أو تنظيم القاعدة أو حماس أو غيرهم، فالجواب هو الإسلام المتطرف. تهدف هذه الأيديولوجية إلى السيطرة على العالم من خلال قهر وتسخير العالم الإسلامي أولًا، ويعني ذلك توحيد الأمة في خلافة جديدة. بدأ الإسلام الراديكالي مع الإخوان المسلمين عام 1928 ( على الرغم من جذور سابقة يمكن تتبعها وبخاصة الديوبندية في الهند). وبينما كانت تلك الحركة بشكل ما تهدف إلى الصحوة، إلا أن فحوى الحركة منذ البداية يميل قليلًا نحو تحسين الذات وكثيرًا نحو رفع مكانة وقوة الإسلام وجهًا لوجه مع العالم الكافر.

في نصف القرن الأول، جمع الإسلاميون أتباعًا ولكنهم مارسوا تأثيرًا أقل من الحركات القومية ومن الأيديولوجيات الغربية الأخرى وخسروا في مواجهات سياسية مع الجيش والنخب الأخرى. ولكن تغيّر ذلك مع انتصار الثورة الإسلامية لروح الله آية الله الخميني في إيران، والتي شحنت العالم الإسلامي ومدّت الإسلام الراديكالي بطاقة جديدة هائلة. كان التحول مماثلًا لتأثير استيلاء لينين على روسيا في عام 1917، والذي حول الاشتراكية من قوة ثانوية في السياسة العالمية إلى القوة التي شكلت إلى حد كبير تاريخ بقية القرن.

كان التأثير ماديًا ونفسيًا. في كل حالة تم تسخير موارد الدولة الهائلة للأيديولوجية الثورية. وفي كل حالة كان ظهور مثال حي من لحم ودم للـ"قوة الاشتراكية" أو للـ"ثورة الإسلامية" يشعل خيال رفاق الأيديولوجية بعيدًا وبشكل واسع. حتى الاشتراكيون الذين أدانوا أساليب لينين، في الحالة الروسية، تجددت لديهم القناعة بأن الاشتراكية هي موجة المستقبل. وبالمثل، في الحالة الإيرانية، حتى المسلمون المتطرفون الذين يبغضون الشيعة تعزز لديهم الإيمان بأن الدولة الدينية الإسلامية أو الخلافة، يمكن أن تنشأ حقًا من جديد.

صحيح أن السنة والشيعة يتقاتلون في كل من سوريا والعراق ببشاعة قاتلة ولكن كل منهما يرى أن العالم اليهودي-المسيحي هو العدو الأكبر. وكل منهما قد ألحق بالفعل خسائر بالولايات المتحدة وحلفائها. تلك الخسائر، بما في ذلك خسائر الحادي عشر من سبتمبر، قد تشكل فقط بدايات صغيرة. يجب على الإسلاميين سواء السنة أو الشيعة أن ينجحوا في احتلال رقعة كبيرة من العالم الإسلامي، ليستخدموها كمنصة لحملتهم ضد الغرب والتي قد تنطوي على نطاق من العنف يفوق أي شيء شهدناه من قبل.

ما الذي يجب أن نقوم به حيال ذلك؟ أولًا، يجب علينا وقف برنامج إيران النووي، والطريقة الوحيدة المحتملة لتحقيق ذلك هي الطريقة العسكرية. سمحت فقط سنوات المفاوضات لإيران بالتسلل نحو القنبلة أقرب من أي وقت مضى. أضرّت العقوبات بالاقتصاد الإيراني ولكن لا يوجد أي دليل على أنها أضعفت عزمها في الانضمام إلى النادي النووي. إن تحقيق هذه المكانة سيزيد من قوة إيران بشكل كبير. ومثل أي نظام آخر مبني على الأيديولوجية الثورية، لن تتخلى إيران عن طموحها النووي لاعتبارات اقتصادية.

إذا لم نكن قد خسرنا بالفعل الحرب ضد الدولة الإسلامية مع موعد تنصيب الرئيس الجديد، فلا بد من مراجعة الاستراتيجية العسكرية من "لا أحذية على الأرض" إلى "كل ما يتطلبه الأمر للفوز". من المرجح جدًا أن يعني ذلك نشر قوات برية أمريكية في العراق. ينبغي علينا أيضًا تقوية علاقاتنا مع كردستان وأن نستجيب بتعاطف إلى دفعها نحو المزيد من الحكم الذاتي. الأكراد هم الحلفاء الطبيعيين للولايات المتحدة، والقضية الأخلاقية للدولة الكردية قوية. الأمل في تراجع تركيا مرة أخرى إلى دور حليف الغرب في الشكل والمضمون يمنعنا من الدعم الشامل لحق الأكراد في تقرير المصير، والذي قد يمزق تركيا. ومع ذلك يجب أن نكون أكثر استعدادًا للتضامن مع الأكراد.

وفي سوريا أيضًا، حيث القوات الحليفة للغرب تفنى وهي تطلب الدعم، هناك خطر من خسارة الحرب قبل وصول الإدارة الأمريكية الجديدة، ومع ذلك، فإذا أمكن الحفاظ على قاعدة عمليات في جنوب سوريا بالتعاون مع الأردن وربما إسرائيل، فسوف يمكننا تنفيذ برنامج أكثر التزامًا بكثير لتجهيز وتدريب الفصائل غير الإسلامية. على جميع أنحاء المسرح العراقي السوري، والذي قد يشمل لبنان قريبًا، لا يمكن أن يكون هدفنا هزيمة جانب واحد في الحرب بين الإسلاميين السنة والإسلاميين الشيعة. يجب أن يكون هدفنا هزيمة كلاهما. وإذا لم نستطع، فمن الأفضل أن نتركهم يقاتلون بعضهم بعضًا بدلًا من السماح لأحدهما بتوطيد سلطته.

كان يمكن لوضعنا على هذا المسرح أن يكون أفضل إذا كان لدينا حكومة صديقة في تركيا. ولكن الرئيس أردوغان قد كشف على نحو متزايد أنه متقلب، غير مُتوقع، ومحارب إسلامي بطريقته الخاصة. يحكم أردوغان نتيجة انتخابات ولكن الجسم السياسي مقسم بإحكام. ينبغي علينا أن نسعى لإمالة الوضع بعيدًا عن الإسلاميين عن طريق إعادة برامج المعلومات الأمريكية على غرار تلك في أوقات الحرب الباردة. بعض تلك البرامج ما زال موجودًا ولكنه قد ضمر. بالطبع الدعاية ثقيلة الوطأة قد تأتي بنتائج عكسية، ولكن في إيطاليا وفرنسا وألمانيا والنمسا واليابان في أعقاب الحرب العالمية الثانية، نجحت الولايات المتحدة في شن "حرب الأفكار" ضد خصمها السوفيتي الهائل.

إن إعادة تنشيط القدرة الإعلامية للولايات المتحدة سيكون له العديد من الأهداف أبعد من تركيا، بما في ذلك منطقة الشرق الأوسط بأكملها. إيلاء اهتمام خاص بإيران يهدف إلى المساعدة في إحياء الحركة الشعبية ضد النظام والتي قمعت في عام 2009.

لا شيء من ذلك قد تم بأعلى فعالية من قِبل وزارة الخارجية حيث تم الإبقاء على برامج المعلومات الأمريكية منذ إلغاء وكالة المعلومات الأمريكية في عام 2000. إن مطالب الدبلوماسية و"الدبلوماسية العامة" مختلفة وغالبًا في صراع. المراعاة هي روح الدبلوماسية، ولكن مطالب "الدبلوماسية العامة" هي العكس تمامًا "الصراحة والوضوح". لشن حرب معاصرة على الأفكار، يجب على الولايات المتحدة أن تلغي هذه الوظيفة من وزارة الخارجية وتؤسس وكالة على نسق وكالة المعلومات الأمريكية.

بشكل دائم، كان تشجيع الديمقراطية والقيم الليبرالية جزءًا من مهمة وكالة المعلومات الأمريكية. ينبغي على وكالة جديدة أن تفعل المثل، على الرغم من الفشل المخيب للآمال للربيع العربي في عام 2011. على المدى الطويل، فإن نشر القيم الليبرالية أمر ضروري لإضعاف جاذبية الإسلام السياسي بين المسلمين. ولكن على المدى القصير، فإننا نواجه صراعًا صعبًا، لدينا حلفاء مثل حكومات مصر والسعودية والأردن والمغرب والتي لا هي ديمقراطية ولا ليبرالية. سيكون من الحماقة دفعهم بعيدًا أو معاقبتهم على مخالفاتهم بطريقة قد تعرضهم لخطر السقوط. عندما أطيح بالشاه من قبل الخميني، بموافقة واشنطن، كانت النتيجة ليس فقط أضرارًا لا تحصى لموقع أميركا الاستراتيجي، ولكن أيضًا خفض لحرية الشعب الإيراني بدلًا من زيادتها.

لقد واجهنا معضلات مماثلة في الحرب الباردة في تحالفاتنا أو علاقاتنا الودية مع حكومات تايوان وكوريا الجنوبية والبرتغال وأسبانيا وغيرها. وعلى الرغم من أننا اتهمنا بالنفاق للحفاظ على مثل هؤلاء الحلفاء باسم "العالم الحر"، وقد أصابنا هذا الاتهام، فإن نصرنا في النهاية في الحرب الباردة كان نعمة هائلة للديمقراطية والحرية في جميع أنحاء العالم، وعلى طول الطريق تخلصت هذه الدول الخمس إلى جانب غيرها من الديكتاتورية وتبنت الديمقراطية.

ومع الاعتراف بأن معظم الآمال التي ارتفعت مع الربيع العربي قد تراجعت وبالتعامل مع الآثار السياسية لهذا الربيع، يجب علينا أن نشجع شعاع الأمل الديمقراطي الوحيد المستمر في التوهج، وهو التحول في تونس، والتي يمكن أن تصبح نموذجًا للمنطقة. يجب أن نكون كرماء في دعمنا لتونس ونقدم دعمًا مناسبًا للعلمانيين فيها.

في الحرب الباردة شجعنا وتعاوننا مع اليساريين المعتدلين ضد الشيوعيين. سيكون ذلك قياسًا خاطئًا بالاعتقاد، كما جادل البعض، بأن الإسلاميين "المعتدلين" سيقدمون بديلًا عن الجماعات الأكثر عنفًا. فحتى أكثر الإسلاميون اعتدالًا قد تخلوا عن العنف فقط في بلادهم (وعادة لأسباب تكتيكية) في حين يؤيدون العنف ضد إسرائيل والقوات الأمريكية في الشرق الأوسط. والإسلام السياسي من أي فصيل قائم بالأساس على كراهية جوهرية بين الإسلام والغرب. سيكون من مصلحتنا أن نشجع الاعتقاد بأنه يمكن للمرء أن يكون مسلمًا صالحًا ويرفض الأيدولوجية السياسية الإسلامية. وحتى اليوم، هناك القليل من الأصوات والقوى التي تعبر عن هذا الفكر، ولكن يمكن معرفتها، يتعين علينا أن نشجعهم.

وباختصار، فإن أمريكا بحاجة لبناء قدراتها على ممارسة القوة الصلبة والناعمة، واستهداف الإسلاميين، وبذل كل ما يلزم لمنع إيران من امتلاك أسلحة نووية.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب