حلفاء أمريكا الضارين في الشرق الأوسط

مقال رأي

في أكتوبر، اتهم نائب الرئيس الأمريكي جو بايدن علنًا حلفاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط بدعم الجماعات الإرهابية في سوريا والعراق. وقد صرّح نائب الرئيس قائلًا "حلفاؤنا في المنطقة كانوا المشكلة الأكبر في سوريا. إنهم عازمون بشدة على إسقاط الأسد فأنفقوا مئات الملايين من الدولارات وعشرات آلاف الأطنان من الأسلحة للنصرة والقاعدة والعناصر المتطرفة من الجهاديين القادمين من أماكن متفرقة من العالم".

وقبل أسابيع، أعلن الرئيس أوباما القيام بضربة جوية "لإضعاف وتدمير الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) نهائيًا". وحتى بعد تطور داعش، التي أصبحت وحشية لدرجة أن القاعدة تنصلت منها، قال بايدن " لم نتكمن من إقناع زملائنا بوقف الإمدادات لهم".

قوبل بايدن سريعًا بالاستهجان واضطر للتراجع عن اتهاماته العلنية لحلفاء الولايات المتحدة وهم في المقام الأول المملكة العربية السعودية وقطر والكويت والإمارات العربية المتحدة. وتقدم واشنطن لهذه الأنظمة دعمًا اقتصاديًا وعسكريًا كبيرًا حتى وهم يتبعون سياسات تتعارض مع مصالح الولايات المتحدة.

أصبح من الواضح أن تكلفة إبقاء الولايات المتحدة على حلفائها تفوق الفوائد المرجوة منهم.

حلفاء الولايات المتحدة في الخليج العربي لديهم تاريخًا من الدعم المباشر أو على الأقل السماح بتدفق الأموال الخاصة إلى الجماعات الإرهابية. هذه الظاهرة لها جذورها في دعم الولايات المتحدة والسعودية للتمرد الأفغاني ضد الاتحاد السوفياتي، والذي شمل مساعدة من يسمون بـ"العرب الأفغان" الذين انضموا إلى المتمردين الأصليين. وكان تأثير ذلك على المجتمع السعودي وعلى الشرق الأوسط برمته عميقًا.

وفي أعقاب هجمات الحادي عشر من سبتمبر، والتي كان 15 من الخاطفين الـ19 فيها سعوديين، أثار الكثيرون في الولايات المتحدة قضية تمويل الإرهاب من جهات خاصة ثرية وربما من الحكومة نفسها في السعودية. وقد أقر تقرير لجنة الحادي عشر من سبتمبر بأن مؤسسات خيرية مقرها المملكة العربية السعودية قد قدمت أموالًا إلى القاعدة ولكن "لم تجد دليلًا بأن الحكومة السعودية" قد تورطت بشكل مباشر. ومع ذلك، فإن إدارة بوش قد أزالت 28 صفحة من نتائج التقرير حول موضوع التدخل السعودي المحتمل في هجمات الحادي عشر من سبتمبر، مشيرة إلى مخاوف تتعلق بالأمن القومي. ويقول أعضاء حاليون وسابقون في الكونغرس إن تلك الصفحات تحتوي على أدلة مباشرة على التواطؤ في الجزء المتعلق بمسؤولين وكيانات سعودية بعينها.

وفي الوقت ذاته، أظهرت دول الخليج هذه الجماعات الإرهابية باعتبارها تهديدًا خطيرًا. ولكن الدولة السعودية تحول دون التعاطي مع مسألة تمويل الإرهاب، لأنها لا تستطيع إقصاء المؤسسة الدينية القوية المتغلغلة في المجتمع ولا تتحرج نسبيًا من تمويل الجهاديين.

وتعد دولة قطر هي الأخرى من الجناة البارزين. كتب لوري بلوتكين بوجارد الزميل في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى "من المعتقد أن قطر قد دعمت بشكل مباشر بعض الجماعات الأكثر راديكالية المقاتلة في الحرب السورية خلال معظم عام 2013". وبرغم اعتراضات الولايات المتحدة "ما زالت قطر تتسامح مع التبرعات الخاصة للقاعدة وداعش وغيرها من التنظيمات المتطرفة".

يجمع المتبرعون التبرعات في الكويت والإمارات العربية المتحدة وسلطنة عمان لتمويل المسلحين المتطرفين، وليس تلبية الاحتياجات الإنسانية المشروعة"، وقال ديفيد كوهين وكيل وزارة الخزانة لشؤون الإرهاب والاستخبارات المالية مؤخرًا لشبكة "إن بي سي نيوز" "إن المستفدين من هذه الأموال هم في الغالب الجماعات الإرهابية بما في ذلك فرع تنظيم القاعدة في سوريا (جبهة النصرة) والدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)".

وقد أثبتت محاولات الضغط على دول الخليج العربي لقطع تدفق الدعم إلى الجماعات الإرهابية عدم فعاليتها إلى حد كبير. وذكر مجلس عام 2002 بشأن تقرير العلاقات الخارجية إن المملكة العربية السعودية استجابت لضغوط إدارة بوش "لتشديد الرقابة على تدفق الأموال من أو خلال المملكة" ومع ذلك، انتقد التقرير نفسه "فشل المملكة العربية السعودية في معاقبة قادة محددين لجمعيات خيرية بشكل يمكن اثباته، بعد أن ثبت ضخهم أموال إلى منظمات إسلامية متشددة".

وإضافة إلى مشاكل إنفاذ العقوبات، يبدو أن المملكة العربية السعودية تعيد إحياء تمويل الجماعات المسلحة عندما تواجه المصالح الوطنية العظمى. وكما أوضح بايدن، فإن انتهاز فرصة الاستفادة من الحرب الأهلية السورية له الأسبقية على المخاوف بشأن تمويل الإرهاب. وقد خضعت قطر أيضًا للضغوط الأمريكية بشكل فاتر. وقد ذكرت "فورين بوليسي" مؤخرًا أن قطر ردت على اتهامات وزارة الخزانة بشأن تمويل الإرهاب عندما "وضعت قانونًا جديدًا لتنظيم الجمعيات الخيرية ومنعتهم من الانخراط في السياسة". وللأسف، ذهبت "فورين بوليسي" للقول بأن الدوحة مستمرة في لعب "دور رئيسي في زعزعة الاستقرار في كل نقطة مضطربة في المنطقة وفي تسريع نمو الفصائل المتطرفة والجهادية".

وعلى مدار عدة عقود، أظهرت هذه الأنظمة أنها تجد مصلحة وطنية كبرى في استرضاء الدوائر الدينية الأصولية والقتال عبر وكلاء من أجل الهيمنة السنية في الشرق الأوسط، حتى وإن عرّض ذلك علاقاتها بالولايات المتحدة للخطر.

وتمثل مكافحة الإرهاب أولوية قصوى لواشنطن وهي مستمرة في كونها السبب الأهم الذي يرد ذكره في كل تدخل عسكري تقريبًا. لذا، بما نفسر تسامح واشنطن تجاه حلفائها في الشرق الأوسط الذين يدعمون الجماعات المتطرفة؟

تستمر المباديء الممتدة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية في التأثير على السياسة الخارجية الأمريكية تجاه الشرق الأوسط. انطلاقًا من مكانتها كأكبر دولة مهيمنة عسكريًا واقتصاديًا في النظام الدولي بعد الحرب، بدأت الولايات المتحدة استراتيجيات تتطلب وجودًا عسكريًا عالميًا. كما ذكرت إحاطة سرية للغاية لمجلس الأمن القومي في عام 1954 "الشرق الأدنى ذو أهمية استراتيجية سياسية واقتصادية كبرى" إذ "يحتوي على أكبر قدر من الموارد النفطية في العالم فضلًا عن مواقع أساسية لقواعد عسكرية استراتيجية في أي نزاع عالمي". كانت سيطرة الولايات المتحدة على المنطقة الغنية بالطاقة لمنع ظهور أي قوة إقليمية مهيمنة يمكنها أن تسيطر على موارد النفط أو تعطل تدفق أو سعر صادرات النفط.

ويعتبر تملق أنظمة الخليج ضروريًا للحفاظ على قدرة الولايات المتحدة على التدخل العسكري في المنطقة. ويُمكّن الأسطول الخامس للبحرية الولايات المتحدة من القيام بدوريات في مضيق هرمز الذي يمر عبره 35 % من تجارة النفط العالمية المنقولة بحرًا، وإشارة إلى المحاربين المحتملين مثل إيران، بأن أي محاولة لغلق المضيق ستقابل بالقوة. وبالمثل، فإن أكبر قاعدة لسلاح الجو الأمريكي في المنطقة ومقرها في قطر، "تقوم بتنسيق كل الهجمات الأمريكية ومهمات المراقبة في الحربين في العراق وأفغانستان" وتقوم الآن بتنسيق الضربات الجوية الأمريكية ضد داعش. ويخلق اعتماد واشنطن على هذه القواعد العسكرية مستوىً معينًا من التسامح مع الجوانب المكروهة في الحكومات المضيفة. مثل الدعم الضمني للجهاديين الإسلاميين. ولا يميل صناع السياسة أيضًا إلى الاحتجاج على السياسات غير المرحب بها لدول الخليج لأن العلاقات الوثيقة قد تساعد في التأثير على سلوكهم في الأمور الحاسمة مثل التعاون الاستخباراتي.

وتتلقى دول الخليج فوائد ملموسة من تحالفها مع الولايات المتحدة في شكل معدات عسكرية متطورة، وبرامج تدريبية مكثفة، وحماية لمواردها الطبيعية الحيوية، وضمان ضمني بأن واشنطن ستأتي للدفاع عنها إذا تعرضت لأي تهديد أو هجوم.

وبالمقارنة تتمتع الولايات المتحدة في المقابل بفوائد تافهة.

ينبغي ألا تحافظ الولايات المتحدة على تحالفات تضر مصالحها وينبغي ألا تتسامح مع تمويل الإرهاب من دول تتلقى دعمًا كبيرًا منها. لذلك يجب سحب الالتزامات العسكرية وواجبات التحالف. الولايات المتحدة لديها بالفعل مصالح في أمن وإمداد النفط، ولكن تلك المصالح في الأغلب مبالغ فيها وموارد الطاقة في المنطقة ليست مهددة بالقدر الذي يزعمونه عادة.

عدد قليل من الدول لديها القدرة العسكرية على غلق مضيق هرمز وإبقائه مغلقًا، وبخاصة في مواجهة الرد العسكري الدولي الساحق الذي سيظهر حتمًا للتصدي لها. الكثير من القوى العالمية لديها مصلحة قومية حيوية في الحفاظ على مضيق هرمز مفتوحًا وأي من الدول الضعيفة نسبيًا في الشرق الأوسط ليس لديها رغبة في جذب هذا النوع من الرد العالمي الرادع. التهديد ربما يتفاقم فعلًا من الانتشار العسكري الأمريكي المسبق. في الواقع، كما جادل يوجين جولز وداريل جي برس بأن الوجود العسكري للولايات المتحدة في المنطقة "يمكن أن يخلق حوافز جديدة لجهات أخرى لتهديد أو تعطيل أو غلق نقاط اختناق استراتيجية كوسيلة للردع أو للانتقام من الأفعال الأمريكية". وهكذا، كما استنتج جولز و داريل بريس، فإن "الوجود اليومي الأمريكي للقوات الأمريكية في منطقة الخليج العربي في وقت السلم ليس فقط عديم الفعالية، بل ربما يكون مضرًا بمصالح الولايات المتحدة النفطية".

وعلاوة على ذلك، فإن نفط الخليج العربي ليس له سوى تأثير متواضع على الاقتصاد الأمريكي، ممثلًا نحو 20% من واردات النفط. وحتى هذه النسبة المتواضعة آخذة في الانخفاض. انخفضت إجمالي واردات النفط الخام بنسبة 23 في المائة منذ عام 2008، وفقًا لإدارة معلومات الطاقة الأمريكية، "ومن المتوقع أن ينخفض حجم صافي الواردات من النفط الخام والوقود السائل من حيث الحجم  بنسبة 55 في المائة بين عامي 2012 و2020".

والولايات المتحدة معزولة نسبيًا أيضًا عن الاضطرابات المفاجئة في الإمدادات. في كل صدمة نفطية كبرى منذ 1973، تتكيف أسواق الطاقة العالمية بسرعة إلى حد ما من خلال زيادة الإنتاج من مصادر أخرى، وإعادة تحويل مسار الشحن، ووضع كل من المخزونات الخاصة والعامة حول العالم تحت الاستخدام.

ينخرط زبائن واشنطن في الخليج العربي في سلوك يتعارض مع مصالح الولايات المتحدة. وتستمر الأفكار البالية والمضللة، حول أهمية حلفائنا في الخليج العربي والمدفوعة باستراتيجية كبرى توسعية ومتهورة، في تحفيز صناع القرار على التغاضي عن التكاليف الباهظة المرتبطة بهؤلاء الحلفاء.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب